مخدة ألغام تحت رأس الثورة

الذين قالوا قبل أيام إن المسيرات الحاشدة في مارس الماضي لن تتكرر، وأن حماس الشباب يخبو مع مرور الأيام، وأن الثورة لم تعد ثورة، أخطأوا في التقدير. ربما نامت الساحات لبعض الوقت على مخدات محشوة بالألغام، لكنها الآن تستيقظ، أو أنني أتمنى ذلك، لكن دعونا نراجع ما حدث..


خلال الأسابيع الماضية لم تتوقف الأخبار الكئيبة، وجاءت الأخبار التي يفترض أن تكون مفرحة لتبعث المزيد من القلق: إعلان المجلس الوطني مثلاً كاد أن يتحول إلى مجلس «انفصالي« لمكونات الفصائل المشاركة في الثورة.. كان القلق يستبد بأبناء الثورة، وتوقفت الساحات عن تقديم الجديد، التحليلات والتنبؤات تعيد نفسها في الصحف وعلى الفضائيات، ووجد بعض الكتاب وأصدقاء الفيس بوك في الثورة ما يتندرون عليه، ويسيؤون إليه، في الوقت الذي كان مارش الحرب يتقدم بثبات، وصوت طبول الحرب يقترب من الساحات.


 وبدا في سياق الأحداث- أو هكذا أريد لها- أن الثورة السلمية العظيمة تحولت إلى أزمة بين قوى تقليدية، عسكرية وقبلية، وبدا أن حادثتي الحصبة وجامع النهدين ليستا سوى المقدمات الطبيعية لانفجار الصراع العنيف بين تلك القوى بلا هوادة، وفي اليومين الأخيرة كانت العناوين الأبرز هي أن الجميع يستعد للحرب.


 بالنسبة لي بدا ذلك موحشاً وصادماً، حتى ليظن المرء أنه لوحده متعب ويائس، بدون صديق في طريق لم يعد واضحاً، وكلما أراد أن يجر رجليه ويتحرك يصطدم بحائط، كان المرء بحاجة إلى من يعيد له يقينه بالثورة، ومن يساعده على استعادة ثقته باللقاء المشترك والشباب، وحماسه للساحات. وإلى من يغفر له خطيئة التشكيك بالثورة.


كنت واحداً من الذين تسرب القلق إلى نفوسهم من تحول العداوات الشخصية وتراكمها بين الرئيس وأقاربه من جهة، واللواء علي محسن وبيت الأحمر من جهة أخرى، إلى رافعة تجر الثورة إلى تفاصيل بسيطة لا تنتمي إلى ثورة الشباب. وجاءت أيام صعبة وسيئة للحالمين بالدولة المدنية انتقلت الأحداث الثورية في القصة الرئيسية إلى مجرد يوميات ثقيلة لقائد الفرقة وأقارب الرئيس والزنداني وأولاد الشيخ. وغرق البعض في جدل «القبيلة المسلحة في تعز المدنية» فيما غاب عن المشهد ولفترة طويلة أبناء الساحات، واقتصر الأمر على مجرد برامج إعلامية بعضها جيد وذكي وأكثرها رديء بشكل لا يطاق، ونقاشات على الفيس بوك ذكية وعاقلة أحياناً وفي أحيان أخرى لا تتعدي مجرد ثرثرات رديئة وتافهة. حتى بعض الأصدقاء توقفوا في لحظات غضب أن يكونوا أنفسهم وتحولوا إلى أشخاص آخرين يفاجئون أقرب الناس بما لم يكن متوقعاً منهم أبداً. والشيء الوحيد الذي ربما يتفق عليه الجميع هو أن غياب «العليين» وبعض «المرفقات» الخاصة بهم من الحلفاء أو الأقارب عن المشهد السياسي والعسكري سوف يساعد هذه البلاد كثيراً.


لقد جرت مياه كثيرة، وألقت الأيام العصيبة والرائعة في الشهور الماضية كل شيء إلى سطح الأحداث، وظهر كل شيء، كل شيء تقريباً على حقيقته.. سقطت كل المحذورات والمحظورات وأصبح بإمكان أي شخص أن يعبر ويقول ما يريد وضد من يريد، وبدا واضحاً أن هذه البلاد لن تعود إلى الوراء، وإنها تسير إلى الأمام، لكن لا أحد يعرف ما الذي سنصل إليه عندما نتقدم أكثر، وخيار التقدم أو التوقف هنا ليس ترفاً إننا نغذّ الخطى إليه كل يوم.


الخبر الجيد في كل ما سبق جاء في اليوم الأول من شوال، عندما قرر أغلب اليمنيين في المدن الاحتفال بعيد الفطر في ساحات التغيير، لقد ذهب الناس إلى المكان الذي يتفق وخيارهم تجاه الثورة، وفي عصر يوم العيد ترك كثير من النساء والأطفال المهمة التقليدية في استقبال الضيوف ومجالس القات، وذهبوا إلى ساحة التغيير، جلسوا على الإسفلت يحتفلون ويغنون، ويطالبون بالحسم السلمي، وفي سادس أيام العيد تدفق مئات الآلاف من ساحات التغيير في شوارع صنعاء وإب وتعز معلنين التصعيد الثوري، وقد بدا لحظتها أن الثورة تستعيد زخمها على نحو لا يصدق، وهذا ما يجب تشجيعه والمضي فيه.


الإشارات التي أطلقتها حشود العيد والمسيرة الأولى في التصعيد تجلب الفرح الحقيقي، وتزيل كثيراً من القلق الذي أتت به الأخبار الماضية الكئيبة، إنها تؤكد أن رغبة اليمنيين في التغيير لم تتوقف، وفي قلب كل يمني تقريباً فتيل مشتعل للثورة، لكن وعلى الدوام ثمة أمور سيئة، غير مطمئنة، تبعث الشك في قلوب البعض وتخمد شوقهم للتغيير، والقارئ يتذكر كيف أن بعض التصريحات أو الأفعال التي وقعت في الشهور الماضية، بهدف خدمة الثورة جاءت بنتائج عكسية.


أقصد هناك شيئان يبعثان على القلق دوماً، الأول: سوء التقدير من قبل اللقاء المشترك للتأثيرات المتداخلة بين المسارين السياسي والثوري، والتصريحات والأفعال التي ترافقهما، بمعنى أن المسار السياسي مرن وقابل للتوقف والتراجع والتقدم بحسب المعطيات، لكن يجب ألا ترتبط الثورة بذلك، بحكم أنها فعل مستمر يذهب في اتجاه التصعيد ولا يتوقف، وكلما جذبت تعاطفاً أكبر وكسبت مساحات جديدة سهّل ذلك من الاقتراب من أهدافها، لكن المشكلة أن التدخلات الزائدة لحزب الإصلاح أحياناً وربما تأثيرات الفرقة الأولى على الساحة والخلافات بين مكونات الساحات الشبابية كل ذلك أضعف من زخم الثورة وقدرتها على كسر الجمود الذي يلف الوضع الراهن.


الأمر الثاني الذي يبعث على القلق هو أن يتسبب الاحتقان الحاصل باندلاع قتال عنيف بين القوات الموالية للثورة والقوات الموالية لعائلة الرئيس، ويخرج الأمر عن السيطرة فتخسر الثورة السلمية روحها، ويخسر اليمنيون جزءاً من مستقبلهم لإنفاقه على معالجة ونسيان مآسي الحرب حتى وإن كانت قصيرة وحاسمة لصالح أي طرف.


أكتب على سبيل المراجعة كما قلت، متجاهلاً الحديث عن النظام أو بقايا النظام، كما تجنبت الإشارة إلى المواقف الدولية من الثورة وتأثيراتها عليها، أقصد إنني أتحدث عن صف الثورة الذي أنتمي إليه، وما يمكن عمله، ما هو بيد المجلس الوطني وشباب الساحات، وبقية مكونات المعارضة، لأن الاكتفاء بتوجيه الانتقادات للأطراف الخارجية وعائلة الرئيس وصقور المؤتمر لا يُنْجح الثورة أبداً.


تركيزي دائماً على الساحات، وفي كل جمعة أنظر بقلق إلى أعداد الشباب في الساحات، وهل امتلأ مسلك المركبات الأيسر في شارع الستين بالمصلين أم لا؟ وكيف يمكن توظيف هذه الأعداد في خدمة الثورة السلمية، هذا ما يجب أن يركز عليه الجميع بمن فيهم أصدقائي الطيبون الذين تفرغ بعضهم لنقد بعض الشخصيات أو التكتلات في هذا الطرف أو ذاك من المحسوبين على الثورة، مع أن الأصدقاء وغير الأصدقاء سيكون لديهم الوقت الكافي لمثل هذا النوع من الكتابة بعد نجاح الثورة، بل سيكون مطلباً مُلحاً من الجميع أن يوجه النقد لكل من يحاول قطف ثمار الثورة لصالحه فقط، لكن أولاً دعوها تنجح أرجوكم.


الرجاء الحقيقي يذهب للمجلس الوطني، أن يستمر بشكل جدي لتوحيد جهود المعارضة في المكاتب السياسية وفي الساحات، وابتكار خطوات جديدة وذكية في التصعيد تتجنب الحرب، وأخطاء الأسابيع الماضية، وتعمل وفق خطاب ثوري لا يقصي الآخر ولا يتجاهله، أياً كان.


من الظلم أن تستمر هذه المسيرات وكل هذه الحشود بدون أن تحقق نصراً يليق بالثورة ومطالبها، لكن الظلم الأشد مرارة يأتي دائماً من الذين اعتقدنا دائماً أنهم يقاتلون إلى جوارنا، وليس ضدنا.
 

المصدر أونلايــن



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك