نحن هنا يا كي مون

يملك الكوري الجنوبي بان كي مون عينيين ضيقتين للغاية، لكنه يستطيع أن يرى من خلالهما ما يحلو له أن يراه. فالرجل الذي يعتلي كرسي الأمانة العامة للأمم المتحدة، لا يبدو أنه مبالٍ بما يحدث في ساحات الثورة اليمنية، أو أنه لم يجرب أن يستخدم لذلك، عينيه التي كعيون قط، ويستغني عن أعين جمال بن عمر؛ مبعوثه الذي ألف الطريق جيداً، من مطار صنعاء إلى قصر السبعين فقط، ومن بيت النائب إلى بعض مقار أحزاب المعارضة لا غير.


يستطيع أحدكم أن يعذر المسئول الأممي الأول بان كي مون لانشغاله عن الجرح الغائر الذي يقبع في أقصى شبه الجزيرة العربية ويحاول إصراراً، أن يندمل. وبإمكان أحدكم أن يسخر أيضاً، من مسألة الركون إلى رجل، وظيفته الكونية أكبر منه على الأرجح، إن لم تكن خيوط كرسيه، مرتبطة كليةً، بسياسة البيت الأبيض.


وأستطيع هنا أن أجزم بأن كل المواقف الدولية بمختلف أنواعها ومستويات لهجاتها، لا تكفي وأن كل بيانات التنديد الصادرة من وزارات خارجية دول الغرب ودعوات المسئولين الغربيين لضبط النفس وتحكيم العقل وتقارير جمال بن عمر وتصريحات الزياني، ليست بتلك الأهمية التي يركن اليمنيون إلى نتائجها الآنية والمنصفة. الأمر الذي يجعل المجتمع الدولي يتحمل مسئوليته الأخلاقية ويبرئ نفسه من التواطؤ والظلم.


ثمة شكوك تدور في الأوساط اليمنية حول جدية الموقف الدولي مما يدور في اليمن، إذ لا تزال قوى العالم تصر على أن تنظر لبلادنا على أنها دولة فقيرة جدا ومجاورة للسعودية وحسب, وبالتالي لا يمكن تجاوز رأي هذه المملكة الغنية بالنفط والديكتاتورية، في أي حل دولي يمكن أن يكون باعثاً على ميلاد ديمقراطية حقيقية في هذا البلد المسنود إلى حضارة وتأريخ مدني ضارب في الأعماق.


نحن هنا سيد كي مون! نقدر انشغالك الكبير بقضايا وأحداث ومشاكل العالم. لكن حري بك يا صديقي أن تنظر إلى مشكلة اليمن؛ على الأقل من الناحية الإنسانية. قل لي: هل كلفت نفسك عناء مشاهدة صورة واحدة من مجازر النظام ضد المدنيين العزل، لنرجع سوياً أنا وأنت إلى مجزرة الـ18 من سبتمبر حيث سنتوقف عند جثة بدون رأس لشاب يرتدي بنطال وقميص كان ضمن المتظاهرين السلميين حين وزعت رأسه على الشوارع قذيفة آر بي جي استخدمتها ضدهم، قوات صالح.


هذا البشاعة وغيرها الكثير، وصفها مراقبون محليون وأجانب، بأنها لم تشاهد من قبل ولا حتى في أكثر الأماكن التي شهدت جرائم ضد الإنسانية. غير أنكم لازلتم مترددون ربما من اتخاذ موقف حاسم يوقف هذا العبث بدماء الأبرياء. تماماً، مثلما هي مواقفكم النبيلة في أكثر من دولة. هذا طبعاً، ليس استجداء وإنما حق عليكم ويجب أن ننتزعه لأننا موجودون كشعب، في منظومتكم ومصادقون وملتزمون بقراراتكم ومواثيقكم كدولة وليس كنظام، كما أن نشاطكم الإنساني يخصنا وأزماتنا السياسية تعنيكم في كل الأحوال.


نقدر جيداً مسألة أننا لا نمتلك نفط وليس لدينا ما يغري القوات الدولية المتحكمة بهذه المنظومة، للتدخل الفعلي وإنقاذ الآدمية اليمنية، لكن عليكم أن تثقوا أنتم والسعودية أن هذه الملايين التي تفترش الساحات منذ ثمانية أشهر وتقدم الدماء والشهداء وتتحمل نيران الأسلحة الثقيلة والخفيفة وتخنق من حين لآخر، بأزمة الخدمات الأساسية كالوقود والكهرباء والمواد الغذائية، وبالتالي لا تزال تلتزم بمسار الثورة السلمية، عليكم أن تثقوا بأنها هي المنتصرة عاجلاً أم آجلاً، وأن أي محاولة لإثناء هذه الملايين عن عزيمتها بشكل أو بآخر، ودونما حل تسهم فيه قوى دولية وإقليمية، وبما يحقق طموحها، ستكون محاولة فاشلة.


لن أكون مندفعاً هنا حتى أقول بأن هذه الملايين إذا ما أجهضت أحلامها لسياسة دولية وإقليمية خاطئة، سوف تتحول إلى قاعدة وإلى جماعات مسلحة تقلق السلم العالمي وتتحول إلى شوكة في حنجرة أهم بئر نفط عالمية وإلى نبتة قلق في أهمم ممرات تجارة العالم. لايجدر بي أن أتحدث بهكذا لهجة تهديد تشاؤمية، ولاسيما في لحظة باتت على مقربة من موعد الانتصار، لكن سيواصل الشعب اليمني العظيم وبطرقه السلمية، كفاح الظلم والفساد والقتل الداخلي والخارجي، حتى ينعم كما كل الشعوب بآدميته وبحقوقه في الحياة الكريمة.
 

المصدر أونلاين



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك