أوصت اللجنة التنظيمية في دعوتها لمسيرات الأحد 18 سبتمبر الماضي الثوار بأخذ احتياطات السلامة: خل، وبصل، وبيبسي، وكمامات. وبعد 8 أشهر من الثورة وهي تراوح بين الهدوء والتصعيد كانت هذه الدعوة مناسبة للفعل الثوري لا التفكير بالثورة.
اخترقت ثلاث مسيرات مساء الأحد صمتَ صنعاء وتجاهلَها، واتجهت إحداهن إلى القاع وأخرى باتجاه جولة كنتاكي وثالثة باتجاه شارع هائل... هتف الثوار للحرية وللحق في الوجود هتفوا لذواتهم التي يحاول نظام أن يطمسها طوال فترة حكمه لحساب ذاته.
كان الثوار مستعدين باحتياطات السلامة وربما تبدو تلك الاحتياطات مجرد محاولة وهمية وبائسة للبقاء، مقابل طرف وحشي يستعد برصاص الموت.
فأمام كل قطرة خل سيل من المياه الملوثة والحارة، وأمام كل حبة بصل وعلبة بيبسي عدد هائل من مسيلات الدموع، وأمام قطعة حجر انتزعت من أرصفة الشوارع المحيطة بالمسيرة رصاص قناص يعتلي إحدى البنايات المحيطة بالشارع ويخاف أن يراه أحد.
في حي القاع جدّد النظام سقوطه، حي القاع له من اسمه نصيب، يتآمر هذا الحي على الثورة، على حلم بلد قرر أن يتغير وأن يشعر بوجوده. يتآمر على نفسه فهو الحي الذي لم يتغير منذ زمن، ويحتفظ به النظام ليبقى بندقية في جرابه ليقتل به من يقول له «لا».
في القاع سقط عشرات الشهداء ومئات الجرحى، لم تكن المجزرة محاولة لرد مسيرة ما، لقد كانت محاولة ثانية لإسقاط وطن قرر أبناؤه استعادته إليهم، بناء يمن جديد يؤمن بالحرية والعدل والمساواة.
في الوقت ذاته كانت مسيرة أخرى تحركت باتجاه جولة كنتاكي تقمع بشدة، وقناصة مختصون بالشارع المؤدي إليها، وسيارات مدرعة تختص بجولة كنتاكي، يوزع النظام وحشيته بوضوح. مستعد للقتل وأكثر التزاماً به من وعوده بالاستجابة لشعبه.
كانت الساعة تتحرك ببطء: ثلاث ساعات للثوار من الصمود والشهادة، وثلاث ساعات لخطة النظام من القتل واغتيال الحلم. منذ الرابعة مساء حتى السادسة والثوار يسقطون بين جريح وشهيد. منذ أن توقفوا قليلاً لصلاة المغرب حتى يوم الاثنين والثلاثاء وهم يسقطون بين شهيد وجريح. كان أحدُ الثورة 18 سبتمبر الماضية دامياً، وقادراً على أن يعيدك ليومٍ دامٍ آخر من تاريخ الثورة هو 18 مارس (جمعة الكرامة)، لكنه وهو يعيده يتجاوزه لتبقى عنده طوال الوقت.
ازداد عدَّاد القتلى لدى القناصة المتمركزين على أسطح البنايات حتى لا يعرفهم أحد أو يحتمون برجال أمن يحملون العصي ويقودون سيارات مكافحة الشغب ويرشون الماء بقوة على المتظاهرين ليردوهم. لكن لم يستسلم أحد.
لأصحاب «الموتورات» قصة مع الثورة، فيرفع أحدهم بسرعة خاطفة جريحاً سقط أمام جندي من الأمن وينطلق إلى المستشفى الميداني.. تستطيع الثورة أن تخرج من أصحاب «الموتورات» الأجمل فيهم بعد أن ظل النظام يقرن أسماءهم بجملة «مشاكل أمنية».
وقف بائع «بعربيته» على مقربة من جموع حاشدة في جولة كنتاكي. كان شباب الثورة يدافعون بقوة سلمية عن حقهم في الوجود، مقابل مصفحة وقناصة يدافعون عن حق رئيس وعائلته في الوجود، ليصوبوا رصاصهم على قلوب الثوار وأدمغتهم.
لن ينسى البائع يوماً أنه ذات ثورة رمى بكل بضاعته التي على «عربيته» الصغيرة إلى الأرض، من أجل أن يحمل أحد الجرحى الذين سقطوا صدفة برصاص قناصة ويقربه إلى سيارة الإسعاف.
لم تكن تراود البائع نوايا أكثر من المرور إلى الجهة المقابلة من الشارع، هي فرصة وضعها التاريخ في طريقه، ليواصل معه صياغة حال إنسان من بداية جديدة، هذا ما نحتاجه من الثورة.
أرجوكم دعونا لا نفكر بالثورة ثانيةً بل نقوم بها!
المصدر أونلاين



شارك برأيك