حين يكون الرهان على المرأة كصانعة للسلام فإن عقيدة التغيير والثورة تصبح سلمية فعلا!
أخيرا تم إنصاف توكل كرمان، بعد الجحود والظلم، بعد حرب شنت باسم الدفاع عن سلمية الثورة، لدرجة وصلت لاتهام توكل بالتسبب بقتل الشباب. ولكن قبل انصاف "جائزة نوبل" كان هناك من يقف إلى جانب شخصية مغامرة، ويتفق معها في كثير من أفكار التصعيد، والأهم أنهم لا يرونها مدعية او باحثة شهرة، وليست مذنبة بحق أحد، ولعل أهم شهادة حصلت عليها كانت من المحامي هائل سلام والد الشهيد "نزار" والذي رأى أنها بريئة من دم ابنه، الذي سقط ضمن شهداء 11 مايو، ولعل الوسط السياسي والحقوقي كان يصفي حساباته الشخصية والقديمة مع توكل. بطريقة ترجعنا لعهد الصراع المر الذي عاشه اليمن ويود التخلص منه.
لكن الشباب الذين خرجوا يهتوفون باسم توكل في جمعة «ابراهيم الحمدي» اثبتوا أنهم متخففين من الأحقاد الشخصية وأكدوا أننا في عصر مختلف له قواعد اخرى وزعامات اخرى، وحتى طريقة اخرى في إدارة الصراع، واننا فعلا جيل تجاوز الماضي بكل جروحه واحقاده ولسنا مسؤولين عن أخطاء الساسة الكبار لنكرر طريقتهم في إدارة الصراع اليوم، أو غدا في ادارة البلاد.
فإن لم نتعلم في الثورة كيف ندير إختلافنا فلن نستطيع تغيير اليمن غدا، فليس مطلوب منا أن نتفق ونتشابه، بالعكس اختلافنا هو المطلوب لكن دون النقد الجارح أو الاتهام الظالم أو التسفيه لأي عمل نزيه وصادق، وثق أنه لايوجد عمل في العالم دون أخطاء، لكن تبقى النية والإخلاص والصدق هم قيمة أي عمل مهما كان.
ثورتنا اسمها «ثورة التغيير» والتغيير ليس تغيير حاكم بآخر ولا نظام بنظام، التغيير هو تغيير السلوك والفكر، وإن كنا سنبدأ منذ الآن بتأسيس بذور صراع جديد لليمن القادم، فإن الثورة وإن أسقطت نظام الأسرة الحاكمة فلن تغير اليمن، فخلال الثورة تعالت الكثير من الأصوات المحسوبة على الثورة أو حتى المتعاطفة معها، لتنتقد بصوت جارح الكثير من الأسماء أبرزها توكل كرمان، وأضف للقائمة حميد الاحمر وعلي محسن الاحمر والاصلاح والمشترك، مذكرين الجميع بتاريخهم، وكأن المرحلة الأولى من اسقاط نظام الأسرة الحاكمة قد انتهت، لنبدأ المرحلة الثانية من الثورة، أو كأن مشكلتنا الأهم مع حميد وعلي محسن وليست مع علي عبد الله صالح.
وإن كنا لم نحسم بعد أمر الأسرة الحاكمة، فإن أي إتهام أو هجوم على أي من الأشخاص أو الكيانات السياسية التي انضمت للثورة يلغم مسار الثورة، فيؤخرها إن لم يفجرها، وقد يعمل ضد الثورة ولمصلحة النظام، حتى لو لم تكن النيه حاضرة في هذا المسار، ففي اجواء الاتهامات التي تحكمها الحسابات والآراء الشخصية وليست القيم العامة تهزم الروح المعنوية للشباب وتفكك الدائرة الخانقة للنظام، و يفتت المشروع الكبير الذي يستحق التضحة والعناية. والأهم أنه حتى لو كانت هناك جرائم وأخطاء فلا يجوز التحدث عنها في هذا التوقيت لأنه يؤخر فكرة الحساب العادل الذي نؤسس له بفتح الملفات القديمة كلها تحت راية الدولة المدنية دولة القانون، فمن أخلاقيات هذه الثقافة المدنية أن لا تفتح الملفات إلا في بيئة سياسية وقانونية مناسبة لاجراء محاكمات عادلة.
فيتم بذلك تشويه صورة الثورة بأنها ليست أكثر من غسيل أفعال لكثير من الشخصيات السياسية والعسكرية والدينية، ولكن الثورة السلمية تعني أولا بحسب ثقافة السلام ان نتصالح مع انفسنا ولا نجر احقادنا الشخصية لساحة الصراع، و نؤسس لبيئة قانوني- إنسانية تحاسب الجميع.
قد تكون من ضرورات هذه المرحلة، أنه لا يجب أن نتحدث عن الإختلاف بقدر ما نذكر أنفسنا بما نحن متشابهون ونقوي نقاط التشابه. وبعد إنهاء المرحلة الأولى فإن ثورة السلام ستمضي في مسارها لتصحيح كل أخطاء وجرائم الماضي وتحاسب الجميع بمعيار العدل والقانون والانسانية.
إن الثورة الثانية التي ننتظرها جميعا، لن تكون ثورة ساحات ولا اعتصامات ولا كفاح سلمي، بل ستكون ثورة تنوير وعمل إنها ثورة ثقافية كبرى، تستهدف أي قوى رجعيه لمحاولة إكمال مشروع الدولة المدنية الليبرالية، لتغير فكر الأحزاب الشمولية أو الثقافات العصبية القبلية، أو السطوة الدينية، أو حتى النفوذ العسكري، ليخرج المشروع المدني من عباءة القبيلة، وتحول الأحزاب الدينية والفئوية إلى أحزاب مدنية، وتبرز قيادات شابة جديدة، ويتحول الجيش لمؤسسة وطنية، وتحقيق هذا الهدف لن يكون بالنيل الشخصي من بعض الشخصيات القبلية أو العسكرية، دون أن يعني هذا عدم فتح الملفات القديمة لاحقا.
فحين يسود القانون والعدل، لن يكون هناك أحد فوق القانون ومن حق الشباب أن يتركوا يعملون بهدوء لترسيخ ثقافة السلم والقانون، لكن فتح هذا الملف في هذا الوقت لا يعني أي عدالة قانونية ولا يحقق أي هدف، ولا يثير سوى الاحقاد الشخصية، ويوتر الأجواء ويقع تحت طائلة تصفيه الحسابات الشخصية و يضرب الثورة في مقتل.
الثورة السلمية تعني ثقافة السلام، وثقافة السلام قد تفهمها النساء أكثر من الرجال لأسباب كثير ثقافية واجتماعية وربما بيلوجية حتى، وهذا ليس من الغريب أن تعطى جائزة نوبل للسلام لهذا العام للنساء، وكون أن توكل كرمان الشابة اليمنية أصبحت أول عربية تحصل عليها وأصغر شخص نال الجائزة منذ تأسيسها، فإن هذا هو الإنصاف للنساء عموما وللعربيات اللواتي كن في الصفوف الأولى في الربيع العربي فقد ترشحت للجائزة ناشطتان مصرية وتونسية، ولكن فوز الناشطة اليمنية هو إنصاف لها واعتراف بحقها الشخصي أولا في دورها الحماسي والمحرض في الثورة.
فليس مطلوب من توكل التي غادرت منزلها وأطفالها وحياة الرفاه مبكرا جدا، أن تكون منظرة الثورة ولا المفكرة السياسية الكبيرة، لتهتم بحساب العواقب وتشتغل بالتكتيك السياسي الآن، فهي قائدة الميدان، وهي من تبث الحماس في الشباب وتعطي للثورة روحها، ومن تغامر وتصنع الحدث وتستفز بقية الأطراف للمبادرة وتعطي للشباب قوة وثقة بأنفسهم، فهم ليسوا تابعين لتوكل بل متفقين مع توكل ، فلا توجد ثورة في العالم دون قائد ودون نظرية ثورية.
لذا توكل أثبتت فعلا أنها أهم قادة هذه الثورة، وأثبتت أن اليمن بيئة مناسبة لحكم النساء ولثقافة السلام وأنه ليس بلاد العنف، وحان الوقت لأن نؤكد ثقافتنا اليمنية، ونؤكد وحدتنا في الساحة خلف قادة نثق فيهم، فالشباب المتخفف من كل الأحقاد الشخصية والذي لا ينقصه لا الوعي ولا الخبرة ولا الرؤية يصلح أن يبرز منه عشرات القادة للثورة، ويؤهلون انفسهم لحكم اليمن غدا بطريقة أخرى غير تلك التي حكمت بها النخب السياسية والحقوقية.
المصدر أونلايــن



شارك برأيك