لقد جلبنا نوبل إلى اليمن.
هذا أمر خارق كالخيال تماماً، لم يكن ليصدق لولا رؤية البسطاء يتحلقون مشدوهين بالناشطة الفائزة بأرفع جائزة عالمية توكل كرمان في منصة ساحة الاحتجاجات بصنعاء أو يطاردونها في كل مكان لالتقاط صور معها.
كان المشهد شبيهاً بمشهد آلاف المواطنين البنجال وهم يحتفلون بالدكتور محمد يونس الذي حاز الجائزة في 2006 مناصفة مع مصرف جرامين الذي أسسه لخدمة الفقراء وتمويل مشاريعهم. إنها وحدة الفقراء والبسطاء التي تتجلى دائماً في لحظات الفرح الغامرة والمفاجآت المذهلة.
حين دهم النبأ مسامع الناس في ضحى الجمعة الماضية، تساءل غير واحد منهم في نفسه على عجل: أهو خريف نوبل أم أنه ربيعنا. والواقع إنه ربيعنا الذي انتقى وجه توكل ليتفتح من خلاله.. مهما يكن من شأن "نوبل" ومعايير استحقاقها.
تكمن أبرز الدلالات التي يقدمها فوز توكل (32 سنة) بجائزة نوبل في قدرة الجيل الشاب الذي تنتمي إليه على إنجاز أشياء كبيرة في مواجهة جيل المحبطين القدامى الذين انتهى المطاف بمعظمهم إلى المقاهي للعب أوراق الكوتشينة أو أحجار الدومينو وسرد ذكريات الخدمة.
ولم يفعل أفضل الذين أبلوا حسناً من قادة ذلك الجيل أكثر من تكريس إحباطات الماضي وتفصيل الحياة السياسية والحزبية على مقاس قدراتهم ورؤاهم العاثرة على الدوام.
الدلالة الثانية أن الانتفاضة الشعبية السلمية ضد حكم الرئيس علي عبدالله صالح قدمت اليمن إلى العالم متفوقة على نصف قرن من العلاقات الدبلوماسية ومئات الأدلة السياحية والمؤتمرات الترويجية والنشاط الإعلامي العقيم، إذ لولا نشاط توكل المتفاني في هذه الانتفاضة لما عرفت "نوبل" مسارها إلى اليمن.
ذلك أن صورة اليمن التي قدمتها أنظمة الحكم إلى العالم الخارجي قد غاب عنها الإنسان اليمني الذي كان مسحوقاً تحت وطأة أنماط الحكم الفردية العسكرية أو العشائرية والحزبية ولم يكن يظهر فيها غير الحاكم وجهازه من المعاونين والمنتفعين.
ثالث الدلالات أن منح "نوبل" لتوكل هو منتهى الإنصاف للمرأة اليمنية سواء التي تكافح طيلة عمرها في سبيل معيشة لائقة لأفراد أسرتها خاصة في الريف الذي يقطنه 75 في المائة من سكان البلاد أو التي كافحت سياسياً ومدنياً منذ عقود.
فتوكل هي وجه مكمل فقط لسيرة كفاح ممتدة، سطرها عدد كبير من النساء اليمنيات اللاتي انخرطن في النشاط السياسي والمدني منذ الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني في جنوب البلاد سابقاً وميلاد العهد الجمهوري في الشمال.
وضرب عدد منهن أمثلة خارقة في الصلابة والتضحية. وإن تناسىت جهات التوثيق المفترضة لحالات الكفاح المدهشة التي صنعتها نساء يمنيات فستظل حالات منها عصية على التجاهل والنسيان، من أنصعها على الأقل النساء اللاتي وضعن مواليدهن داخل سجون الرئيس علي عبدالله صالح خلال حقبة النشاط السري المجرًم حين كن يقضين فترات عقوبة بتهمة الانخراط في التنظيمات اليسارية حينذاك.
مع كل ذلك، تبقى أهم دلالات "نوبل" اليمنية هي أن تشكل بشارة بعهد جديد للمرأة اليمنية وأن تمثل هذه الجائزة العالمية تقريعاً وتأنيباً لمجتمعنا المحلي ومنظومتنا السياسية وللرجل اليمني في المقام الأول..حري بكل هؤلاء أن يقولوا في أنفسهم: يا للعار، العالم الأجنبي يرفع بعضاً من العسف الذي أنزلناه نحن بنسائنا.
يجدر بالمجتمع اليمني الذي يهيمن عليه الرجل أن يباشر في إزالة كل أوجه الاستغلال والاستعباد التي فرضها على النسوة وتحريرهن من مظاهر العبودية التي أخضعن لها حين بسطت توجهات وحركات راديكالية نفوذها المعنوي والميداني وأجبرت المرأة نفسها على الاعتقاد بأنها عورة كاملة، يتوجب حجب وجهها وراء طبقة داكنة من القماش فضلاً عن صوتها وتقييد حركتها داخل المنزل.
وكان أن رضخت المرأة اليمنية لذلك النفوذ وخفتت مقاومتها نهائياً بعد أن أسلم نظام صالح منابر الإرشاد الديني كافة لتلك الجماعات المتشددة لقاء خدماتها في مساعدته على إخماد خصومه السياسيين وإنهاء تأثيرهم منذ تولى صالح الحكم عام 1978.
في مقابل هذه الحقائق، يذهب كثيرون وبينهم نساء إلى أن المرأة تتمتع بكامل حقوقها وحرياتها، مستشهدين بمظاهر شكلية كعدد الملتحقات بوظائف حكومية والتقدير الظاهري الذي تحظى به النساء في وسائل المواصلات والحماية التي يفرضها العرف للمرأة في منزل شريكها.
وهي دلائل شكلية لا تصمد البتة أمام حالات القمع الواقع على المرأة في جوهر خصوصياتها وحرياتها الشخصية وطريقة عيشها وأزيائها.
لكن مع "نوبل" ها هي ساعة الحقيقة قد حانت، خصوصاً لدى توكل التي لن تجد فرصة أفضل من هذا الحدث كي تلهم بنات جنسها من اليمنيات نحو استعادة استقلالهن الشخصي ورفض القيود الاجتماعية المجحفة وتلك القيود المغالية المنسوبة لغواً إلى شريعة الإسلام مثلما فعلت هي حين بدأت النشاط المدني والحقوقي منتصف العقد الماضي.
في البداية تخطت توكل قيد النقاب الأسود الذي يُفرض على ملايين اليمنيات فيعشن بأقنعة مستعارة طيلة حياتهن في مظهر استعبادي مؤلم، ولو لا تلك الخطوة الشجاعة لكانت توكل حالياً واحدة من بين حشود النسوة المتواريات حياء وانبهاراً بثرثرة الرجال وهرائهم خلف مكبرات الصوت وشاشات التلفزة خلال كل حدث محلي.
ماذا لو لم تقدم توكل على تلك الخطوة التي شقت حياتها إلى قسمين لا يشبه أحدهما الآخر في شيء على الإطلاق. إنه أمر عصي على التصور. هل كان العالم مثلاً سيشهد في ديسمبر المقبل سيدة منتقبة، تتلفع بالأقمشة السوداء ولا تكاد ترى أمامها وهي تعتلي منصة نوبل لتتسلم الجائزة. ذلك ما كان سيصدم العالم ويصدمنا جميعاً.
في وجهها الآخر، وجهت لجنة نوبل صفعة مؤلمة على خد كل مسؤول في نظام صالح وهي تشهد ضمنياً بسلمية الانتفاضة الشعبية التي تتلقى النيران منذ تسعة أشهر ويحتج أنصارها بأياد عزلاء وصدور عارية.
ولن يعني ذلك للمسؤولين النظاميين سوى أن سعيهم المتواصل لتشويه احتجاجات المجتمع اليمني قد ذهب سدى ولم يعد العالم يصدق ما تضخه آلتهم الدعائية التي لا تنام ولا تكف عن تكرار الأكاذيب.
لا بد أن أكثر هؤلاء حسرة سيكون زعيم النظام الذي سيلقي سيحاول التعويض عن ذلك في اليوم التالي بحشد مصفوفة من المعاني الضخمة وإلحاقها بنفسه.
إذ في أسوأ لحظات الخيبة والشعور بقرب السقوط، يلوذ الزعماء الدكتاتوريون الذين لم ينجزوا شيئاً خلال فترات حكمهم الطويلة إلى أن يقرنوا أنفسهم وعهودهم معان كبيرة وإنجازات لم يرَ مواطنوهم شيئاً منها.
كان الرئيس علي عبدالله صالح يوم السبت الماضي يمارس هواية التماهي مع الأشياء الكبيرة مثل متصوف منحرف، يؤمن بمبدأي الحلول والتوحد فدمج ذاته في "الوطن" و"المبادئ" و"القيم".
قال صالح في خطابه الذي ألقاه أعضاء من مجلسي النواب والشورى "استهداف الرئيس في جامع النهدين مش استهداف له شخصياً. هو استهداف للوطن وللمبادئ وللقيم".
وأضاف "لا كنت عميل ولا أنا عميل. لا استلم مرتب ولا استلم ميزانية من قطر عربي أو من بلد صديق هذا غير وارد. لكن أنا كنت أحمل مبادئ وقيم الثورة سبتمبر وأكتوبر والـ22 من مايو. أنا أحمل مبادئ وقيم الشعب اليمني وطموحاته".
تماماً كما فعل الزعيم الليبي المخلوع معمر القذافي لدى اندلاع الانتفاضة ضد حكمه حين تلبسته حالة مشابهة من التماهي قائلاً إنه يعني "القمة والمجد".
لقد أشرق ربيعنا فليغرب خريف الدكتاتور.







شارك برأيك