وقع علي عبد الله صالح، وصار من الماضي، لكن الحالة الثورية الساخنة في البلاد تزداد حرارة، بعد عدة أسابيع ربما بردت فيها نسبيا خاصة هنا في صنعاء.
اللجنة التنظيمية التي ظلت تصدر الشعارات وتدفع بالمسيرات عاودت مجددا للدعوة إلي حشود مليونية للخروج بمسيرات واستمرار الفعل الثوري، كما تقول:لاستكمال أهداف الثورة، ولان التوقيع من أساسه لا يعنيها.باشرت اللجنة دعواتها على الواقع،وصباح الخميس سقط خمسة شهداء وأكثر من ثلاثين جريح برصاص جيوب المليشيات.
كان المشهد الأبرز خلال الأربعة والعشرون ساعة التالية للتوقيع،إذا ما استثنينا الاحتفالات الخادعة وبهرجات الزيف التي حدثت ساعة توقيع المبادرة.
في الإطار هذا التسخين والحماس يظهر التباعد بين غياب إمكانية التواصل إلي حل او اتفاق من شأنه يكشف الترتيبات المبيتة بين الشباب،خاصة (المستقل) في الساحات وقيادات الأحزاب من قبلت خيار التسوية السياسية عبر المبادرة،لطالما ظلت التهم تتردد؛بأن الشباب يتبعون الأحزاب، وان كل هذا الفعل الثوري الغاضب، الهادر هو من إنجازات القوى الحزبية لا القوى الشبابية.مع الاحتفاظ طبعا بحق أداء الأحزاب بقواعدها في الساحات.ومن قبلها؛ تراكم التمرحل النضالي على مدى سنوات.
كان من المفترض ان نشهد البهجة تعم الساحات لو فعلا كان التوائم الحقيقي والانسجام حاضر بين الفريقين لحظة محاصرة صالح أمام الكاميرات واستدراجه إلي التوقيع،او حتى بما يأتي بعدها.
إن الفريقين اللذين تقاسما الساحة بفعلها الثوري،يجب ان يتقاسما الساحة السياسية بأدائها ولو بالشكل المرضي.الخطوة الأولى من التنسيق الذكي دفع الدكتور ياسين سعيد نعمان(كشخصية توافقية) لبعث إشارات ورسائل التطمين للشباب: إن هناك لجنة ستشكلها حكومة الوفاق الوطني خصيصا للتحاور معهم، وإشراكهم في العملية السياسية خلال المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد.قال نعمان.في أول تصريح له عقب التوقيع.ربما كتجسيد لعقد ثوري جديد وامتصاص للغضب العارم التي تشهده الساحات،ومن جهة أخرى مباشرة المهمة القادمة.
سيعلق البعض عن ضعف الفعل الثوري معللا المدة الزمنية في الساحات،كما يرددون عشرة اشهر، ويرد الشباب دفعنا دماء غالية أكثر من ألف شهيد وعشرون ألف جريح،ثم ان نضوج الثورة خير من إجهاضها او على الأرجح ولادتها مشوهة.في الإشارة إلي كل تركات النظام ومخلفاته الجاثمة،من القضية الجنوبية مرورا بحالة الحوثيين الراهنة المتفاقمة،ووصولا إلي إضعاف الدولة واستنزافها واستغلال مواردها وثرواتها في قتل الشباب وقصف الأحياء والمساكن.
وعلى كل ما ينطوي من هذه التعقيدات لم يكن توقيع الرياض الذي توصلت إليه الثورة،كافيا لإسقاط هذا النظام ورحيله،بل مخرجا للإخفاء الأبدي لوجه صالح تدريجيا عن اليمن.فيما تضمن – مفارقة – مخيفة كإعادة إنتاج هذا النظام بشراكة رموزه وجلاوزته التاريخين إلي الواجهة،في مفاصل الدولة ومؤسساتها.على اساس تقاسم السلطة.وانتخاب الرئيس الذي تبعته ب"توافقي" وإذا كان توافقي فلماذا أصلا يحضر مصطلح "انتخاب" بالإضافة إلي إحدى البنود التي نصت"على المعارضة ان تسمي مرشحها الانتخابي، كيف عليها ان توصف بالمعارضة لطالما وهي تتقاسم السلطة،وشكلت الحكومة هي.كما ستذهب هذه الحكومة للحوار مع الشباب.
وهذه أحد أهم الدلالات،إن لم تكن الدلالة الأكثر أهمية هي ان الحوار مع الشباب سيتم وفقا للاتفاق والإلية التي تضمنتها المبادرة.وهو ما أتاح ويتيح للجلادين ومن كانوا بالأمس يأمرون بإطلاق النار واختطاف الشباب وتعذيبهم وإخفائهم قسريا حتى اللحظة.إن يعود من الباب الخلفي.لعرقلة أي مجهود إيجابي؛لأن عبقرية التدمير لا تنفع معها كل عبقريات الإبداع والبناء.وقد لا يقوى عطارو العالم كله على إصلاح ما أفسد أعداء الشباب والحلم الحقيقي.
وتبدو هذه النتيجة هي أكثر ما أنتجه هذا الاتفاق بالمبادرة الغريبة،غير المنطقية إلي حد ما.وهو ما قد يظهر الهوة بين المكونات الشبابية الثورية المستقلة،ونظيراتها من القواعد الحزبية من طرف.وبين أمراء الكتائب والمليشيات النظامية من طرف أخر.في حال تراخت قبضة المراقبين الدوليين.كما قالت الأمم المتحدة بأن بعض النصوص إتاحة هامش لمرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان كي يفلتوا من العقاب ومنحتهم الحصانة.
المصدر أونلايـن



شارك برأيك