عندي أسئلة كثيرة بدون إجابات واضحة، أسئلة مبصرة وإجابات عمياء، يختصرها في الغالب سؤال مركّب من كلمتين: ماذا بعد؟
التعقيد في المعطيات الجديدة والمربكة لا يمنحك أي يقين، ودائماً الأحداث التي يصنعها الضغط ورد الفعل لا تمنحك إجابات مطمئنة أبداً، كل شيء قابل للتغيير والتبديل، الكلام لا يتوقف، لكن المواقف لزجة يصعب إمساكها، والمفاجآت دائماً واردة في أي وقت.
الأسبوع الذي مضى كان صعباً والأيام التي ستأتي لن تكون سهلة، لقد مرت بنا أيام صعبة وشاهقة لكن التحديات المقبلة ستكون أصعب، دون أن يعني هذا تعبيراً عن التشاؤم أو التفاؤل. الأمر متعلق بتحديات المرحلة وكيفية مواجهتها، أي الطرق التي سوف يسلكها الشباب والسياسيون في الأيام المقبلة، وفي كل الأحوال فإن هذه الطرق ستكون شاقة وصعبة، والسؤال المهم هنا هو: إلى أين سوف تفضي بهم وبنا تلك الطرق.
لدينا الآن معطيات جديدة، بعضها بدا واضحاً وبعضها الآخر لا يزال قيد التشكل، غير أن الحدث الأبرز هو توقيع الرئيس صالح وتفويض نائبه صلاحياته، ومغادرته السلطة بعد أسابيع. هذا إنجاز ضخم، وحدث استثنائي لثورة استثنائية أنجزت ما كان يعد مستحيلاً قبل أقل من عام واحد.
التوقيع في الرياض يوم 23 نوفمبر خطوة عظيمة في طريق الثورة الشعبية، وانتصار لبعض آمال الشباب وأشواقهم، وهذا يغيظ صالح، يغيظه كثيراً، وتقديري إنه سوف يعمل على إفساد هذا الإنجاز، وعرقلة أي تقدم يشير إلى أن المستفيد من التوقيع هم الشباب والمعارضة.
صالح يرغب بشدة في أن يبدو الأمر انتصاراً له، وإن لم ينجح في ذلك فعلى الأقل لا «خاسر ولا منتصر» كما أشار إلى ذلك في كلمته أمام أعضاء اللجنة الدائمة لحزبه. وهو من أجل ذلك سيعمل على تغذية الشعور لدى أتباعه بأنه المنتصر والرجل الذي لا أحد «يزيد عليه» ومن أجل ذلك لن يتوقف عن الظهور في سائل الإعلام وسوف يستمر في الظهور وإصدار التعليمات والتوجيهات والتدخل والتأثير في كل تفاصيل تنفيذ المبادرة الخليجية، يريد أن يعطي الانطباع بأنه من يقود ويشرف بنفسه على ترتيبات انتقال السلطة، وكأنه رجل آخر غير معني بالثورة الشعبية التي خرجت لإسقاطه.
تدخلات صالح واحدة من أبرز تحديات الأيام المقبلة، لقد عجز عن تعطيل الثورة ورضخ للضغوط الدولية فذهب للتوقيع على المبادرة، والآن لا أحد يعرف بالضبط ما الذي يضمره الرجل، وخطابه أمام أعضاء اللجنة العامة لا يوحي بأن هذا خطاب رجل مقتنع بمغادرة دار الرئاسة بعد أسابيع، المشكلة الكبيرة التي تواجه صالح هي أنه لا يتصور أن تظل الحياة مستمرة بدون أن يكون رئيس جمهورية، دون أن يكون الرجل الأول في اليمن. هو وأفراد عائلته لم يتعودوا على أن يكونوا «من جيز الناس» في هذه البلاد، «هذا النوع من البلاد يبدو مخيفاً لهم». أما ما يخيف المراقبين والمتفائلين فهو استمرار نظرة صالح وعائلته للسلطة من هذه الزاوية، هذا يعني تعطيل عملية انتقال السلطة، وبالتالي مزيد من الموت والخراب.
من جانبي أرى أن المناسب في هذه المرحلة هو العمل على تسهيل طريقة خروج صالح من السلطة بموجب المبادرة، أي مساعدته في تنفيذ ما وافق عليه، وعدم منحه أي عذر للتلكؤ والمماطلة. العمل بطريقة تشبه تلك التي يستخدمها بعض كبار السن في القرية مع شاب طائش وعنيد ومتهور يهدد بإلقاء فتيل النار المشتعل في يده على الحطب الذي كدَّت نساء القرية في جمعه طيلة شهور، مهمة العقلاء في القرية هي مجاراته في نزقه وتطمينه حتى يتمكن أحدهم من الاقتراب منه بما فيه الكفاية ليخطف منه عود الثقاب، والتدبير بعد ذلك على عدم وصول عود الثقاب إلى يده مرة ثانية.
الفكرة السابقة التي تدور حول عملية انتقال السلطة دون اشتعال الحريق ودون وقوع مزيد من الضحايا، هي التي قادت التوجه السياسي لأحزاب المعارضة، وأعتقد أن المعارضة نجحت في الاقتراب كثيراًَ من صالح ووضعت يدها على فتيل السلطة لكنه لا يزال بيده. بتعبير آخر فإن صالح الذي امتدت جذوره عميقاً في رئاسة الدولة خلال أكثر من ثلث قرن هو الآن على العتبة التي لا يفصل بينها وبين باب الخروج من السلطة سوى 90 يوماً.
أتحدث عن جهود السياسيين في المعارضة، ودورهم في إدارة السياسة وصنع التاريخ في الأيام المقبلة، ولا أقصد فيما سبق الشباب في الساحات الذين صنعوا الحدث العظيم في البلد، لكن بين السياسيين الذين ينتقلون من المعارضة إلى السلطة، وبين الشباب الذين ينتقلون من مطلب لآخر يبرز تحد كبير وهو إدارة هذه العلاقة الجديدة الناشئة بفعل المبادرة الخليجية.
رأيي أن البقاء في الساحات والاستمرار في المسيرات مهم جداً، لأنه وببساطة جداً لم يتحقق حتى اللحظة شيء يمكن التأكد منه، نحن نتحدث عن خطوات كبيرة في طريق الإنجاز، لكن لا يمكن القول إن الثورة في منتصفها ولا هي في أولها لكنها بالتأكيد لم تتوقف وأنها مستمرة.
التحدي الخطير هو كيف يمكن التوفيق بين النهج السياسي الذي تسير عليه المعارضة السياسية، وبين شباب الساحات الذي ينتمي أغلبهم إلى أحزاب المعارضة السياسية، ورأيي أن هذا ممكن، والمؤشر رسالة الدكتور ياسين سعيد نعمان لشباب الساحات من الرياض بعد دقائق من التوقيع على المبادرة الخليجية. غير أن ذلك سيتوقف على عامل جوهري وهو قدرة نائب الرئيس ورئيس الحكومة باسندوة على إدارة المرحلة المقبلة والتعامل مع الاعتصامات والمسيرات.
تقديري للمسألة كالتالي: إذا تمكن النائب مع رئيس الحكومة من تشكيل حكومة تحظى شخصياتها بقدر مقبول من الاحترام عند اليمنيين، ونجح الاثنان معاً في التعامل بإيجابية مع الشؤون المحلية العاجلة، وبالذات مسألة هيكلة الجيش، وإعادة توجيه الخطاب الإعلامي الرسمي، وحماية المسيرات والاعتصامات من أي اعتداء نكون بذلك قد قطعنا أشواطاً إضافية في طريق تحقيق أهداف الثورة.
يبقى المهم بعد ذلك هو الحوار الذي وعد نعمان بإقامته مع شباب الساحات وكيفية إجرائه ونتائجه، لكن نجاح مثل حوار كهذا مرتبط بما سوف يلمسه الشباب من تغييرات في الحياة السياسية والاقتصادية من حولهم، أقصد تغييرات حقيقية يستطيع أن يلمسها من ظل معتصماً لأشهر في الساحات.
التغييرات التي أقصدها لا يعني تحقيق معجزات كبيرة، لكن ما ينفع أن يكون مؤشراً لبزوغ عهد جديد، يمكن النظر إليه كمقابل معقول لتضحيات شباب الثورة، وبما يضمن أن الوجوه والأسماء التي ارتبطت بالعهد القديم لا يمكن لها التأثير على مجرى التاريخ الذي يشق طريقه الشباب في الساحات ورجال السياسة في السلطة.
عندي كثير من الأسئلة، وتفاصيل لا تنتهي عن تحديات المرحلة القصيرة المقبلة، ما يعني أن ملامح الغد ليست واضحة تماماً، لدينا كثير من التفاصيل والمؤشرات لكنها مبعثرة ولا ترسم معالم واضحة يمكن قراءتها وتقديمها للقارئ. غير أن الشيء المؤكد أن الغد لن يكون كما الأمس، نحن مقبلون على عهد جديد، برموز جديدة، وأمامنا وقت قصير جداً لنختبر هذا القادم ونحكم عليه.
المصدر أونلايــن



شارك برأيك