لا أحد في هذا البلد المأزوم والمحتقن كان يتمنى للرئيس صالح تلك الخاتمة السيئة، فالشعب اليمني كريم ومتسامح، والرئيس كان قادراً على إخراج نفسه بما يليق بمهابة زعيم، حكم 34 سنة، فلو أنه صدق وعده، وقرر عدم الترشح للانتخابات الرئاسية 2006، وأصر على التغيير، سيكون بذلك قد توج سنوات حكمه بانتصار تاريخي لنفسه، وسيكتب التاريخ عنه بأنه الرجل الذي حقق مبدأ التبادل السلمي للسلطة، وانسحب وهو في أوج سلطته وقدرته، غير أن الرجل أخرج نفسه من مأزق عدم الترشح، بمسرحية هزيلة، قدم فيها دور الممثل الممل، وقال إنه سيترشح استجابة لضغوط الملايين الشعبية.
ويجب هنا، التأكيد على أن مخرجات السلطة منذ انتخابات 2006، كانت سلبية، وطاحنة، ومشوهة لليمن سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، حيث فشل النظام في استيعاب أموال المانحين المقدمة خلال مؤتمر لندن (مثلاً وزارة الثروة السمكية استوعبت 15مليون دولار من أصل 340 دولار مليون خصصها المانحين للوزارة)، وفشلت السلطة في اقناع الداعمين والمانحين في "مجموعة أصدقاء اليمن" بالدعم المباشر، ولحقها فشل إضافي في إنشاء صندوق داخلي برعاية دولية لاستيعاب أموال المانحين، لأن رموز النظام تعودوا استلام الأموال المقدمة والتصرف بها بالكيفية التي يرونها، دون رقيب أو حسيب، وقبل 2006 فشلت اليمن في تلبية متطلبات الانضمام لصندوق الألفية، وتلاحق فشل النظام في تحقيق أي تقدم باتجاه الانضمام لمجلس التعاون الخليجي.
وعقب انتخابات 2006 فشل نظام صالح في احتواء مشكلة القضية الجنوبية، وظل يتعامل مع أبناء الجنوب "كغوغائيين فقدوا مصالحهم"، حتى تفجرت قضية الحراك الجنوبي، وكادت تودي بمستقبل اليمن، لولا أن مَنَّ الله على الوحدة بالثورة الشعبية، التي وحدت اليمن جسداً وقلباً وروحاً.
ولم يتمكن نظام صالح من إيقاف حمام الدم المتدفق في جبال صعدة، وظلت الحروب تتوالى واحدة بعد أخرى، حتى بلغت ست جولات، انهكت اليمن بكل مؤسساته: العسكرية والأمنية والمالية والاجتماعية والاقتصادية.
كل تلك الاخفاقات تصاعدت بوتيرة عالية خلال الخمس السنوات الماضية، وتماشى ذلك مع احتقان سياسي غير مسبوق، أججته نتائج انتخابات 2006، وزادت سعاره قضيتي صعدة والحراك الجنوبي.
وجاء موسم الربيع العربي المفاجئ، وساق معه رياح تغيير عاتية، تمكنت من اقتلاع أعتى الأنظمة في تونس ومصر، ثم هبت على اليمن، وأظنها قد حملت – فيما حملت معها - مخرجاً مشرفاً للرئيس صالح، سواء بالاستقالة والتنحي الفوري، أو البدء المباشر بوعوده التي ألقاها في 10 مارس الماضي في المدينة الرياضية، والمتمثلة بإعداد لجنة لصياغة دستور جديد، والشروع بانتخابات مبكرة، تقود إلى نظام برلماني، غير أن صالح – كعادته- يسرف في الوعود، ويمعن في التنفيذ، ولم يصدق من وعوده تلك بشيء غير أنه سيترك السلطة نهاية العام 2011 بداية 2012م.
الرجل الذي قال إنه "سئم السلطة"، دافع عن بقاءه ضد الشباب المعتصمين، بوسائل بالغة القسوة، دشنها بمجزرة جمعة الكرامة 18 مارس، فكانت المجزرة بمثابة الشبح الذي حاصر الرئيس في زاوية الغرفة المظلمة، واشتد خناق الحصار في اليوم الرابع للمجزرة مع انشقاق قائد الفرقة الأولى مدرع اللواء علي محسن، وإعلانه تأييد الثورة السلمية، وهو الأب الروحي للجيش اليمني، ولم يجد صالح في غرفته المظلمة غير بصيص من ضوء، يمكن أن يقود إلى مخرج آمن، وذاك البصيص تمثل في المبادرة الخليجية، التي تقضي بنقل الرئيس صلاحياته لنائبه هادي، وتنحيه عن السلطة بمقابل منحه وعائلته وأركان حكمه كامل الضمانات القانونية والقضائية من الملاحقة في أي جرم كان.
وهنا اصطدم الأشقاء الخليجيين بعناد رجل أدمن المراوغة والخداع، وظل يعدل في المبادرة حتى وصلت إلى صيغتها النهائية، ثم رفضها كلية، واتخذ قرار الحرب منفرداً؛ مرة ضد الشباب المعتصمين في 17 محافظة، ومرة ضد أنصار أولاد الأحمر وجنود الفرقة الأولى مدرع، ومرة ضد تحركات القبائل الموالين للثورة، واستخدم في كل ذلك جميع أنواع الأسلحة من قصف الطيران الحربي إلى الصواريخ والدبابات والرشاشات الثقيلة، وغازات الأعصاب، واستمر وعائلته وأتباعه في السير في برنامج القتل الممنهج، حتى الزمه قرار مجلس الأمن 2014 بالتوقيع على المبادرة الخليجية، رافعاً في وجهه عصا مرعبة، تمثلت بتجميد أرصدته وعائلته، ومنعهم من السفر، وإحالة ملف جرائمهم إلى محكمة الجنايات الدولية، وأمام الصوت الغليظ، والصولجان المرعب، وجد صالح رأسه مطأطأً، مطيعاً لإرادة المجتمع الدولي، بعد أن أهان إرادة الشعب، وقرر التوجه إلى الرياض للتوقيع على المبادرة الخليجية الأربعاء الماضي.
وفي تقديري أن الرئيس صالح وضع نفسه في مواقف مهينة ومخزية، سيظل عارها يلاحقه إلى بطون كتب التاريخ، وتلك المواقف تمثل أولها في مكان التوقيع، فالرجل الذي حكم البلاد 34 سنة، قرر أن يوقع قرار تنحيه ليس من عاصمته السياسية، بل من عاصمة دولة يتهم بالعمالة لها، ثم رفضه الوقوف لمصافحة قادة المعارضة، وترك الملك عبدالله يقف وحيداً، وأثناء جلوسه أدار ظهره لقادة المعارضة، ولم يلتفت إليهم، وجاءت كلمته ومثلت فضيحة لطبيعة تفكيره، وهي كلمة تذكرت فور سماعها ما قاله باجمال لصحيفة البيان الإماراتية في حوار عام 2007: "الرئيس قائد وليس سياسي"، وفي مقولة باجمال خبث أراد به القول إن صالح عسكري لا يفهم في السياسة، وهي مقولة أغضبت الرئيس حينها، ودفع بكتبته للرد عليها، وشتم باجمال.
وفي كلمة صالح عقب توقيع المبادرة ظهر مثقلاً بأحقاد وضغائن ضد معارضيه، وصلت إلى حد تبرأة "الصهاينة" من جرائم الاعتداء على الناس في المساجد، في مقابل اتهام المعارضة بارتكاب حادثة تفجير جامع دار الرئاسة.
وقدم صالح خطاباً أخيراً، لم يشكر فيه الشعب الذي حكمه 34 سنة، أو يطلب السماح من أحد، بل بطن خطابه بقرار حرب، من الواضح أنه سيعجل بتنفيذه، ففي عام 1994 زار المعسكرات ثم توجه إلى الأردن للتوقيع على "وثيقة العهد والاتفاق"، مع شريكه في تحقيق الوحدة علي سالم البيض، ثم عاد ليفجر الحرب من عمران، والآن زار المعسكرات وحرضها ضد معارضيه، ثم توجه إلى الرياض، ووقع المبادرة الخليجية، وهي مبادرة أسوء ما فيها أن الرجل الذي حكم 34 سنة، وفرط في السيادة الوطنية، وقتل خيرة أبناء اليمن، ونهب ثرواته، سيذهب إلى الخارج مع عائلته ليحصل هناك على المرتبة الثانية عالمياً في قائمة الأثرياء، بثروة مسروقة تقدر بـ 50 مليار دولار.



شارك برأيك