حقائق وأرقام اقتصادية بين يدي حكومة الوفاق

بعد مرور أكثر من تسعة أشهر من عمر الثورة السلمية متضافرة بتدخل دولي وإقليمي مشكور لإنهاء أزمة اليمن السياسية سملياً، ها هي حكومة الوفاق الوطني أدت اليمين الدستورية أمام نائب الرئيس وما تلاها من كلمات معبرة عن حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الحكومة الجديدة موجهة من قبل النائب للعمل كفريق واحد لتشخيص مسببات الأزمة (الثورة) ووضع حلول عملية لمعالجتها مستدركاً أن من أولى مهامها إزالة أسباب التوتر السياسي والأمني.


لكن مما لا يخفى على أحد أن من أهم أسباب الثورة السلمية التي اندلعت- تقريباً- في جميع محافظات الجمهورية هي المعاناة الاقتصادية أكثر منها المطالبة بالمشاركة السياسية. تجلت أهم مظاهر تلك المعاناة في اتساع رقعتي الفقر والبطالة وتفشي المحسوبية والفساد المالي والإداري؛ فضلاً عن تدهور مستوى الخدمات الاجتماعية بما فيها التعليم والصحة والكهرباء والمياه التي كانت في مجملها ناجمة عن سوء توظيف للموارد الاقتصادية والمالية من قبل الحكومات اليمنية المتعاقبة خلال العقد الماضي، بل وعجزها عن استخدام الموارد المالية المتاحة كتلك التي مُنحت في مؤتمر لندن الأول نوفمبر 2006 والتي بلغت قيمتها حوالي 5 مليارات دولار، حيث أدى ذلك العجز الإداري الواضح إلى تعزيز قناعة مجتمع المانحين أن اليمن لا تعاني من ندرة في الموارد بقدر ما تعاني من سوء إدارة استدعت الظروف السياسية إلى عقد مؤتمر لندن الثاني في يناير 2009 وتجلت أهم مخرجاته في إنشاء آلية جديدة لمساعدة اليمن في تحسين أدائها الإداري تحت ما يعرف بمجموعة «أصدقاء اليمن» التي من صميم مهامها تحسين الإدارة الاقتصادية، وإيجاد إرادة سياسية لدعم الإصلاحات الاقتصادية، وكاد لهذه المجموعة أن تعقد اجتماعها في نهاية مارس 2011 لوضع اللمسات الأخيرة لبرنامج تنموي شامل متمثل في جزء كبير منه في الخطة الخمسية الرابعة، إلا أن تزايد زخم الثورة بعد حادثة جمعة الكرامة أجل انعقاد المجموعة إلى أجل غير مسمى.


من المؤكد أن مجمل الأوضاع الاقتصادية في ديسمبر 2011 قد تدهورت عما كانت عليه في ديسمبر 2010 جراء الصراع السياسي والأمني، إلا أنها لم تصل إلى حد الانهيار الكارثي كما يحلو للبعض تصويره، فركائز الاقتصاد هي نفسها لم تتغير برغم ما أصاب بعض مقرات مؤسسات الدولة من تدمير وبعض القطاعات الاقتصادية من ركود جراء تقلص الاستثمارات المحلية والدولية، ونقص في المشتقات النفطية وتوقف الكهرباء، إلا أن الشيء المطمئن أن هذا ركود عرضي ووقتي، وبالتالي ما على الحكومة الجديدة سوى إزالة مسبباته وهي بسيطة جداً في مجملها فيما لو «أحسنت النوايا» وتجاوزت الحكومة تباين اختلاف توجهات أعضائها السياسية والإدارية، وعملوا كفريق واحد تجاه مجمل التحديات الاقتصادية والإدارية. فتدفق الاستثمارات بحاجة فقط إلى استتاب الأمن، وعودة عجلة الإنتاج الصناعي والخدمي والكهرباء بحاجة إلى مشتقات نفطية وبأسعار اقتصادية وليس مدعومة حتى تكون قابلة للديمومة والاستمرار.


لقد حصل تهويل إعلامي كبير حول الوضع المالي للموازنة، والحقيقة أنها ليست في حالة إفلاس على الإطلاق كما يتصور البعض، بل هي في حالة ركود طفيف ناجم من ركود القطاعات الإنتاجية والخدمية، حيث انخفضت مجمل الإيرادات الضريبية المباشرة وغير المباشرة بحوالي 49 بالمائة عما خطط له في الموازنة للفترة يناير- نوفمبر 2011 والتي تقدر بالقيمة المطلقة بحوالي 394 مليار ريال (1.7 مليار دولار) إلا أنه في المقابل شهدت الإيرادات النفطية زيادة بلغت 71 بالمائة بما يساوي 450 مليار ريال (1.9 مليار دولار)، وبالتالي قد لا يصدق البعض أن عجز الموازنة خلال الفترة يناير- نوفمبر 2011 قد انخفض عما خطط له في الموازنة فهو فقط 272 مليار ريال بدلاً من 300 مليار ريال، وبرغم أن جميع أبواب نفقات الموازنة الجارية شهدت زيادة بحوالي 32 بالمائة، إلا أنها كانت على حساب انخفاض النفقات الاستثمارية بحوالي 75 بالمائة، حيث شهد بندا الأجور ونفقات التشغيل زيادة بحوالي 18 بالمائة، جراء تنفيذ المرحلة الثالثة لاستراتيجية الأجور، كما زاد دعم المشتقات النفطية بحوالي 162 بالمائة (عما خطط له في الموازنة). الجدير بالذكر أن ارتفاع أسعار البنزين بأكثر من 100 بالمائة في يونيو الماضي لم يؤتِ ثماره لأن 80 بالمائة من الدعم هو لصالح مادة الديزل (2.1 مليار دولار في 2011) وهذا يعتبر من أهم الإجراءات التي يجب أن تضطلع بها حكومة الوفاق بالتنسيق مع مجلس النواب في إيجاد مخرج من هذا العبث المالي غير الاقتصادي والاجتماعي، حيث أن هذا الإجراء سوف يكفي الحكومة تمويل العجز بالإصدار النقدي من البنك المركزي الذي بلغ إلى حد الآن حوالي 200 مليار ريال مقابل ما كان عليه العام الماضي (حوالي 180 مليار ريال) إذ إن معظم تمويل البنك المركزي لصالح دعم المشتقات النفطية مع توقف كامل للنفقات الاستثمارية.


أما فيما يتعلق بصافي الاحتياطيات الخارجية والتي حصل أيضا لغط إعلامي حولها فهي لم تنخفض خلال الفترة يناير-أكتوبر 2011 سوى بحوالي 1.2 مليار دولار، وهي لا تختلف عن انخفاض عام 2010 (بدون أزمة سياسية) حيث انخفضت في عام 2011 من حوالي 5.6 مليارات دولار إلى 4.4 مليارات في نهاية شهر أكتوبر 2011، خصصت معظم تلك الموارد الأجنبية في تغطية استيراد المشتقات النفطية نتيجة توقف مصافي مأرب وعدن بسبب تفجير أنبوب النفط، كما تم سحب الجزء الآخر من قبل البنوك التجارية جراء انخفاض نسبة الاحتياطي القانوني من 20 بالمائة إلى 10 بالمائة لتغطية الطلب الزائد للعملات الأجنبية جراء خوف المودعين في البنوك من إغلاقها وإفلاسها، وبالتالي فمستوى الاحتياطيات الأجنبية الآن في وضع مناسب لإحداث نقلة نوعية للاقتصاد فيما لو أحسنت النوايا.


كم أتمنى من الحكومة الجديدة أن لا ترتبك وتستسلم للتهويل بأن الاقتصاد منهار، فهو فقط في حالة ركود قابل للنهوض وبأقل التكاليف، كما أرجو من أعضاء الوزارة الجديدة أن لا يعادوا كل ما كان له صلة بالماضي القريب ويضيعوا أوقاتهم في لعن النظام الكهنوتي أو الاستعماري البغيض، ففي تقديري لا مانع أن يستند برنامج الحكومة الجديدة (التي هي بصدد إعداده) على تلك البرامج والإجراءات التي أعدت خلال السنوات المنصرمة والمتمثل في مسودة «الخطة الخمسية الرابعة» وأدبيات مجموعة «أصدقاء اليمن» بل وحتى مخرجات برنامج «الأولويات العشر»، فمشكلة الحكومات السابقة أنها كانت تمتلك برامج عملية وعلمية أعدت بمهنية عالية تحت إشراف مجتمع المانحين، إلا أنها كانت لا تمتلك الإرادة السياسية لتنفيذها كما يبدو، وبالتالي فمضمون تلك الوثائق كافٍ لإعداد برنامج عملي لتحقيق نقلة نوعية في مستوى الأداء الاقتصادي خلال الفترة الانتقالية من قبل الحكومة الجديدة، فيما لو نفذتها كما ينبغي، سواءً تلك البرامج المتعلقة بتحسين البيئة الاستثمارية وإيجاد شراكة فاعلة مع القطاع الخاص، أو إيجاد برامج تدريبية وتوظيفية للشباب بالتنسيق مع دول الخليج، أو تلك المتعلقة بتحسين إدارة موارد الدولة من ضرائب وجمارك ونفط وغاز أو تحسين فعالية وكفاءة الإنفاق الحكومي، وإلغاء تلك النفقات التي تكلف الدولة بدون فائدة اجتماعية واقتصادية، فضلاً عن برامج إيجاد البنية التحتية اللازمة من كهرباء وطرقات ومياه وتقديم الخدمات الاجتماعية من تعليم وصحة وشبكة اجتماعية.

 

 - خبير اقتصــادي

المصدر أونلايـــن



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك