حكومة الوفاق.. ما لها وما عليها

خلال أسبوع واحد، تشكلت اللجنة العسكرية وحكومة الوفاق الوطني. وهذا إنجاز جيد يشير بحد ذاته إلى تقدم مضطرد في تطبيق اتفاق نقل السلطة بصرف النظر عما قد يكتنف هاتين الخطوتين من عثرات وتحديات.


جاءت تشكيلة الحكومة مقبولة إلى حد ما لكنها تفتقر إلى الجاذبية وتخلو من الأسماء الشافية عدا القليل ممن اختير أصحابها لوزارات يملكون بالفعل فلسفة ورؤية مكتملتين عما ينبغي فعله لتنشيط أدائها وتبرير إنشاء وزارة ما من عدمه.


فالتشكيلة التي تضم 34 وزيراً بالمناصفة بين قوى المعارضة السياسية والمؤتمر الشعبي الحاكم تعكس في أكثر حقائقها أصالة قلق الظرف الراهن لدى الطرفين وتوجس كل منهما من الآخر واستدعاء الجانبين لمزيد من شحنات اليقظة تحاشياً للوقوع في شراك الآخر.


لذلك يبدو واضحاً أن عنصر قوة الشخصية قد هيمن على محددات اختيار الوزراء سواء في قائمة المعارضة أو في قائمة المؤتمر.


كانت المعارضة المنضوية في "المجلس الوطني لقوى الثورة السلمية" قد صرحت في وقت سابق أن النزاهة والكفاءة هما المعياران اللذان سيحسمان ترشيح وزرائها إلى الحكومة داعية إلى أن تكون الحكومة حكومة كفاءات وهو ما كان ينبغي بالفعل إلا أن الوجوه التي ضمتها قائمتها الوزارية لم تتطابق مع ذلك التصريح كثيرا.


 تتوافر النزاهة في وزراء المعارضة .. والكفاءة أيضاً لكنها كفاءات ليست في محلها إذ جرى تشتيت اختصاصات وزراء المعارضة في حقائب وزارية لا صلة لها بتخصصات معظم هؤلاء.


كما أثرت المحاصصة الحزبية في نمط الاختيار إذ من الصعب توزيع 17 حقيبة وزارية على تحالف يضم نحو عشر قوى سياسية واجتماعية غير أن المعارضة تصدت لهذا الاختبار وتجاوزته بسلاسة هي من بين ما يُحسب لها في هذه المرحلة.


أما المؤتمر الشعبي العام فلم تختلف اختياراته البتة عما دأب عليه في كل حكوماته التي حكم بها منذ ما بعد قيام الوحدة منفرداً أو مؤتلفاً بل إن غالبية وجوه وزرائه مكررة من حكومات سابقة.


ولم يجرِ عليها إلا تعديلات بسيطة بوجوه باهتة وضعيفة.


أبقى المؤتمر على غالبية وزرائه القدامى في حكومة الوفاق وهذا دليل آخر على الرهاب الذي يسيطر على المؤتمر من المرحلة المقبلة، لذلك فهو حين كان ينتدبهم إلى الحكومة الجديدة متجاهلاً الخضة الهائلة التي رجت أنحاء البلاد إنما كان يتقي بخبراتهم مجاهيل ما هو آت في تصوره فدفع بهم تقديراً منه بقدرتهم على التعامل مع الواقع الجديد انطلاقاً من تجاربهم في تشغيل الحكومات السابقة.


وزاد من إفراز تشكيلة حكومة الوفاق بهذه النمطية تلك الحواجز المصمتة بين المؤتمر والمعارضة بفعل عشرة أشهر من التصارع السياسي المرير مما أدخل الفريقين في حيرة حول المعايير التي سيعتمدها كل منهما في اختيار وزرائه: أقوياء، مقارعين أم أكفاء متخصصين.


والظاهر أن كلاهما استقر على أن غريمه سيعتمد قوة الشخصية معياراً أساسياً في تسمية وزرائه فغلًب الفريقان هذا المعيار على ما سواه في اختيار ممثليهما.


سيقود التسليم بهذه المعطيات فضلاً عن تشكيلة الحكومة الماثلة للتحليل إلى النتيجة التالية: إن هذه الحكومة مشكلة بعناية لمواجهة مفاجآت المستقبل وتحدياته بما يشتمل عليه ذلك من تنافس سياسي محموم وتفسير فريقي المعارضة والمؤتمر لتلك المفاجآت والتحديات، كل على طريقته وطبقاً لاهتماماته.


وهي تنتمي إلى ذلك النوع من الحكومات الذي يعقب التغيرات العميقة أو الاضطرابات الاجتماعية الحادة فحكومتنا المعنية هنا حكومة محكومة جداً بحقائق ظرف حساس وغير مستقر.


إضافة إلى ذلك، تبقى الحقيقة الكبيرة بشأن حكومة الوفاق أنها عادية ولا تعكس جوانب من معاني الانتفاضة الشعبية المهيبة، الكبيرة التي كان يفترض أن الحكومة الوليدة إفراز مباشر من إفرازاتها الآنية.


وبالرغم من هواجس الخوف المتبادلة التي أعاقت إفراز حكومة مرضية، تكافئ حاجات الشعب الذي انتفض كما لم يفعل عبر تاريخه الطويل، بيد أن قائمة وزراء المعارضة تبدو متميزة كثيراً حين مقارنتها بقائمة المؤتمر وتشتمل على أسماء كفؤة، تمثل الاختيار الكامل وتملأ مواقعها تماماً لكنها قليلة.


أما المؤتمر فقائمته رثة، مملة لا وقع لها وبغيضة حين يستدعي الأمر تفحص بعض وجوهها.


هذه ليست شهادة متحيزة بل إن فحصاً لأعضاء القائمتين يعمد هذا الاستنباط الذي يبدو استنباطاً مكشوفاً، يمكن لأي مهتم أو متابع عابر أن يتوصل إليه بدون عناء كبير.


مهما يكن من أمر التفاصيل التي تُظهر الحكومة إنجازاً مقضوماً لا سبيل إلى أن يصير مثالياً مكتملاً غير أن تشكيلها والمضي قدماً في تنفيذ اتفاق نقل السلطة ينعش الآمال بتجاوز خيار الحرب الأهلية.


فكلما تقدمت أطراف المشكلة في تطبيق خطوات الاتفاق، رمز ذلك إلى الابتعاد تدريجياً من منطقة الحرب التي علا صوتها في فترات على كل ما سواه من الأصوات وسيق الضحايا والمحاربون إليها بانفعال بارد.


حينها، كان عزيزاً جداً على المرء أن ينساق مع أمنية في نفسه على وقع أصوات المدفعية بتطبيق حاشية قصيرة من الاتفاق، توقف شبح الحرب أولاً وأخيرا.


والآن وقد تشكلت الحكومة وصار بالإمكان الحديث بحذر عن الابتعاد من شفا الحرب فإن الحديث سينفتح على مهام الحكومة التي تمثل تحديات هائلة قلما واجهتها حكومة في تاريخ البلاد الحديث.


الاقتصاد والأمن وحاجات المعيشة الأساسية؛ هذه الثلاثية معضلة.. معضلة مبهمة. هكذا تبدو اليوم بعد أن تضخمت واكتسبت سمعة مخيفة مع تقادم أشهر الانتفاضة الشعبية السلمية حين غابت الدولة وجير نظام الرئيس علي عبدالله صالح الاقتصاد لمقاومة الانتفاضة وشراء مزيد من ولاءات الأتباع وخدمات المرتزقة.


وتقريباً، لا يكاد يختلف اثنان في الوقت الراهن على أولوية هذه التحديات الثلاث: الاقتصاد بما يعنيه أولاً من توفير الغذاء بمعناه المجرد وإنقاذ البلاد من خطر مجاعة تتهدد ملايين الأشخاص وفقاً لتحذيرات منظمات عالمية، ثم التأسيس لاقتصاد متين يتجاوز أشكال الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد دولة حديثة.


الأمن سيكون كذلك؛ فأولاً إحلال السلام الذي لا بد منه عقب انقسام اجتماعي حاد ثم إحلال الأمن بما يشير إليه من الضبطية ومكافحة الجريمة وإقرار السكينة العامة علاوة على محاربة الإرهاب.


ويزيد من تعقيد مهمة فرض الأمن انهيار الحالة الأمنية حالياً مع توزيع أعداد هائلة من قطع السلاح خلال تصدي النظام للاحتجاجات الشعبية.


كما أن الاتجاه العام الذي سينحوه نظام صالح لاحقاً ونواياه تجاه الحكومة سيؤثران في الحالة الأمنية؛ فإما أن يتصالح مع الحكومة التي قامت على أنقاض جزء من حكمه فيساعدها ذلك في فرض الأمن وإما أن يسلط ضدها مزيداً من القلاقل ويغذي الجريمة الجماعية لزرع السخط على الحكومة وتبديد قدراتها خاصة أن وزير الداخلية المعني بإنفاذ هذه المهمة.


أما الخدمات الاجتماعية فكثيرة ومرهقة. ولن يكون أسوأها الطاقة الكهربائية التي تتطلب تأسيس بنية جديدة بعد أن تداعت شبكتها الوطنية بالكامل فيما يبدو وطالها تدمير وفق رواية النظام الذي يُتهم ابتداء في تدميرها ضمن سياسة عقابية ضد المنتفضين عليه.


وفي أهمية تالية، تنتصب أمام الحكومة مهمة عاجلة لضبط أسعار المحروقات وتوفيرها بعد أن تحسم قراراً بشأن الموقف من دعم المحروقات أو مواصلة رفع الدعم. سيكتسب هذا القرار أهمية وترصداً مضاعفين حين يصدر عن حكومة تتزعمها المعارضة التي عارضة طويلاً رفع الدعم دون اتخاذ إجراءات بديلة لوقف تهريب المحروقات. 



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك