اللجنة العسكرية .. و«مفهوم القوة»

حتى الآن يبدو أداء اللجنة العسكرية مرضياً في تنفيذ خطتها لرفع المظاهر المسلحة من شوارع العاصمة التي بدأت السبت الماضي وتستمر لأسبوع كمؤشر جيد لتجاوز امتحان صعب في تنفيذ اتفاق نقل السلطة في شقه العسكري.


المهمة ليست سهلة بالطبع، وربما لن تجري بالشكل المطلوب في المحصلة النهائية للمرحلة الانتقالية الأولى، غير أني أتفاءل بأنها ستكون كافية للمضي حتى 21 فبراير القادم بسلام لانتخاب النائب عبد ربه منصور هادي رئيساً جديداً وانتقالياً للبلد.


لا أجد ما يدعو للقلق، أو استحضار الأجواء التي سبقت صيف 94، فالزمن يختلف كثيراً الآن. للأمر علاقة بتغير «مفهوم القوة» اليوم فهي ليست كما كانت عليه في الماضي لتكسب حرباً خاطفة بما تمتلك من قوة الجيش والتسليح، ودعم شعبي لم يعد متوفراً الآن.


فلم يعد «مفهوم القوة» في اليمن بعد «الثورة» منحصراً في ما يملكه أي طرف من جيش وعتاد عسكري وتسليح متفوق، وهو ما قد يحتفظ به صالح من خلال قوات الحرس الجمهوري وبعض الأجهزة الأمنية حتى تنحيته في فبراير، أو استمرار سيطرة أولاده عليها لأشهر بعد ذلك، فهي لم تعد تعني شيئاً على الإطلاق للاحتفاظ بالسلطة.


فالقوة اليوم لمن يمتلك الشرعية الشعبية والسياسية، والغطاء الإقليمي والدولي، وهي عملياً بعد التوقيع على الآلية التنفيذية لاتفاق نقل السلطة في 23 نوفمبر الماضي تتوافر للنائب عبد ربه منصور هادي ولحكومة الوفاق الوطني وللجنة العسكرية، بما يمنحه الاتفاق الموقع عليه والمدعوم محلياً وإقليمياً ودولياً.


صالح وأولاده لا يمتلكون شيئاً من ذلك الآن، وإن احتفظوا بالسيطرة على بعض الجيش لبعض الوقت، ففكرة استخدامه بشكل خاطف للاحتفاظ بالسلطة ليست جيدة أو مناسبة الآن، وتفتقد للأفق السياسي أيضاً.


فاستخدام الجيش والعنف لم يجدِ منذ بداية الثورة الشعبية على مدى الأشهر الماضية، ولن يجديَ الآن أيضاً، فهو كما جرب ليس مضمون النصر، كما لا يمتلك الدعم الشعبي أو السياسي أو الغطاء الإقليمي الدولي، بمعنى هو لن يعيد صالح رئيساً للبلد.


كل ما يمكنه فعله من خلال عمليات أمنية (مفترضة) هو تأخير موعد الانتخابات الرئاسية المبكرة المقررة في 21 فبراير القادم شهرين أو ثلاثة على الأكثر. المغامرة بخسارة الخروج الآمن الذي توفره المبادرة الخليجية مقابل البقاء لثلاثة أشهر وليس كرئيس طبيعي ليس بالثمن المناسب. أظنه يدرك هذه الحقيقة أيضا، وإن حاول الإيحاء بأنه ليس الرجل الذي يستسلم بسهولة.


المهم الآن هو أن اللجنة العسكرية المشكلة من 14 ضابطاً كبيراً برئاسة النائب، ممن لم يكونوا يصنفون ضمن «مفهوم القوة» في اليمن هم أقوى من صالح الآن ومن كل مفاهيم القوة التي كان يعتمد عليها خلال المراحل السابقة.


فقوة اللجنة العسكرية إضافة إلى النائب وإلى حكومة الوفاق الوطني فيما يمثلونه من شرعية وطنية بدعم إقليمي ودولي جعل منها الشرعية الراهنة والعابرة للمستقبل، على أنقاض شرعية صالح القديمة التي قضت عليها الثورة الشعبية، وعمد وفاتها اتفاق نقل السلطة في الرياض الذي كتب شهادة الميلاد للشرعية الجديدة أيضاً.


ما أريد قوله هنا إنه من العبث ومن «الغباء» إن يستمر بعض القادة والموظفين العسكريين أو المدنيين، مرتبطين بشرعية صالح الآفلة، ولا يلتحقون بشرعية المستقبل، شرعية النائب وحكومة الوفاق واللجنة العسكرية.


الأمر الطبيعي هو أن يمتثل أولئك الموظفون لقرارات النائب وحكومة الوفاق، وأن يمتثل قادة الألوية والوحدات العسكرية والأمنية لقرارات اللجنة العسكرية التي تباشر المرحلة الأولى من مهامها الآن في إزالة المظاهر المسلحة، وستعمل على هيكلة الجيش وتوحيده في المرحلة الانتقالية الثانية بعد تنصيب عبد ربه منصور هادي رئيساً جديداً بعد نحو شهرين من الآن.


غير أنه لما نعلمه عن طبيعة الجيش ووضعه القيادي المرتبط بشخص صالح وأسرته لمدة طويلة من الزمن، فإنه من الصعب على بعض القادة تصوّر أن تحولات كبيرة تجري في البلد لم يعد فيها صالح أو أسرته أصحاب سلطة فعلية الآن، وأنه لن يكون لهم حضور فعلي في المشهد بعد أشهر.


هناك من لن يفهم حقيقة ما يجري خلال الشهرين المتبقيين، وهو ما قد يجعلهم عرضة للاستمرار في العمل لصالح الأسرة، خشية منها أو رغبة في مصالحها، لإعاقة عمل اللجنة العسكرية وقرارات النائب وحكومة الوفاق، والأمر ذاته ينطبق على المدنيين أيضاً غير أنه مع العسكريين أخطر.


أتوقع عسكريين من هذا النوع بطيئي الفهم، ومدنيين أيضاً، قد يسخر بعضهم لإعاقة تنفيذ اتفاق السلطة، لكني لا أعتقد أن أي مخطط من هذا النوع على افتراض وجوده سيكون مؤثراً لما يحظى به الاتفاق من دعم إقليمي ودولي مهم ومؤثر، يراقب ولا يزال يلوّح بسيف عقوباته في وجه من يحاول عرقلة التنفيذ. الحقيقة أن صالح ليس رئيسا فعليا الآن، ولا شيئ يمكنه إعادته للحكم.
 

المصدر أونلايــن



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك