الأسد محاصراً

 

تنطبق المساخر المأساوية الجديرة بالمهرِّجين على بشار الأسد. حيث نفى في آخر مقابلة له، صلته بما يحدث في سوريا. ومع أننا نعلم تماماً أنه ما مر يوم في سوريا لم يسقط فيه شهداء، وما يزيد عن خمسة آلاف شهيد سقطوا منذ اندلاع الثورة قبل عشرة أشهر، ما بين طفل، شاب ومسن. عوضاً عن أولئك الذين يتم اختطافهم وتعذيبهم بشكل وحشي وإخفائهم قسرياً.


الإنسان هو الإنسان في كل هذه المعمورة، غير أن العرب وحدهم المقهورون والمسحوقون بفعل دكتاتورية أنظمتنا المتشابهة بوحشيتها المقززة. الثورة السورية لا تقل أهمية – من حيث مطالبها- عن تونس ومصر وليبيا واليمن. غير أن سوريا تأخذ تميزها عن شقيقاتها بآلة القمع المستشرس الآخذ بالتصاعد اليومي. هذا ليس غريباً عن نظام توارث شهية الدم عبر عقود، قبضته البوليسية التاريخية تنتقل من الأب إلى الابن. لكن وحشيته تتكاثف الآن، وهو يتفنن في سحق أبناء سوريا في درعا وحماة وجسر الشغور وتلمسان والرستن وريف دمشق وغيرها. وتستخدم الأجهزة الأمنية بمعية الشبيحة الأسلحة الثقيلة والخفيفة في القتل والتعذيب.


من لا يتذكر غياث مطر (25 عاماً)، استأصل عسكر الأسد حنجرته وبقروا بطنه قبل ثلاثة أشهر. ومن قبله شوّهوا وعذبوا الطفل حمزة الخطيب حد الموت. واختطاف طالبة كلية الطب يمان القادري وإعادتها إلي أسرتها بعد عشرين يوماً. هذه بعض الأسماء بمشاهدها المحزنة من قائمة الشهداء والمختطفين مثلوا العنوان الأبرز للثورة السورية الطويلة، ثورة صامدة في مواجهة أبناء آوى الأسد وإخوته من قوارض الإنسانية في بلد الشام الجميل، بلد الزيتون والزعتر، والكرامة والوجع.


في سوريا نحن أمام نموذج لدورة متوالية من القتل المركز. في مواجهة ذهنية انتقامية تتناسل وتتغذى بالدم والشبيحة والبارود، حيث الدم يستسقي الدم ويستدعيه. وهذا لا يعني أننا ندعو إلى التساهل، بل إلى أن تأخذ العدالة مجراها، بالاحتكام إلى القضاء وتطبيق القانون واعتماد المحاسبة الحقيقية لا الكيفية المزاجية. كما يجري الآن من فرض عقوبات هشة وأحاديث عن إدانات شفهية. فالاحتكام إلى العدالة، التي يتطلب في الأصل قيامها على أسس راسخة ومتينة، لأنها لا تستقيم بدون وجود أنظمة حكم سياسية عادلة تأخذ شرعيتها من الشعوب، وتعبر عن حقها بإرادتها الشعبية الحية الواسعة بالحرية التي تتجسد في قيم وتشريعات ومؤسسات عامة، تبدأ بالحقوق وتنتهي بالواجبات، وتنظم العلاقات داخل المجتمع: سلطات وشعب وأفراد. إذ لم يعد مقبولاً التستر وراء حداثة شكلية خادعة ماكرة تخفي أنظمة متخلفة غوغائية، متخثرة؛ تنتمي إلى عالم القرون الوسطى الزائل الذي شرعت الأمم بكنسه منذ زمن سحيق، لتقيم على أنقاضه عقداً اجتماعياً سياسياً جديداً ينبثق من حقيقة أن الشعوب هي مصدر السلطات، هي صاحبة الولاية الأحادية على نفسها في مختلف شؤونها. وهو ما يعني لا وصاية لأحد مهما علت منزلته على الشعب، سواء كان رئيساً أو قائداً أعلى أو حزباً أو عائلة أو طائفة أو قبيلة.

 

وبالطبع، لا حصانة له خارج القانون الذي ينبغي أن يطبق على الجميع دون تمييز أو استثناء. وذلك ما يجب مباشرته وعبر كل القنوات الدبلوماسية والسياسية الإقليمية والدولية مع أسد الغابة السورية الآن. وإدانته بكل اللغات؛ لأنه بدأ يتنصل من عمليات القتل الممنهج ضد أبناء الشعب السوري الثائر، وصار يتملص عن عمد، بعد أن طوقته كل هذه الجثث والدماء.


في المقابلة التي أجرتها شبكة التلفزة الأميركية ABC معه فاجأ بشار العالم بما قاله: أنا لست مسؤولا عن المذابح وسفك الدماء التي تحدث, لأنه- والكلام للأسد- رئيس للبلد ولكنه ليس مالكاً له, مضيفاً انه لم يعطِ أوامر بقتل المواطنين.


في الأصل يبدو بشار وهو يقتل مرتين: مرة عندما يعطي الأوامر بمواجهة الثوار بالقتل والخطف، وأخرى حينما يحاول طمس جرائمه بالتدليس والكذب عبر تبريرات أفزعت العالم، وهو ما لم ولن ينطلي على المجتمع الدولي أجمع أو يقتنع به أحد مطلقاً؛ لسبب سهل ومقنع مفاده أن العالم يعرف جيداً أن بشار الأسد هو رئيس سوريا و قائد جيشها، وأن الأجهزة الأمنية وفرقها والشبيحة تأتمر وتنتهي بأمره.  

المصدر أونلاين 



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك