وزير سابق قال لي في لقاء خاص قبل عامين إن رئيس الجمهورية اتصل به يوماً يسأله عن شخصين مرشحين لمنصب حكومي رفيع فرد عليه بصدق وحسن نية «الأول محترم وابن ناس وشخص كفؤ ونظيف وجدير بالمنصب يا فخامة الرئيس أما الثاني فكلهم يشكون منه وشخص سفيه وسمعته زي الزفت وأنه حق بنات ويشرب خيرات يا فندم».. والساعة التاسعة مساء صدر قرار جمهوري قضى بعد الديباجة بتعين (الثاني) وكيلاً لوزارة مهمة!!
اعتمد علي عبدالله صالح في إدارة الدولة على أراذل المجتمع والشخصيات التي ليس لها وزن اجتماعي وسيئة الصيت، وشاعت بين الناس عبارة «اسرق تجد ترقية»، وظلت هذه القاعدة خلال 33 عاماً من حكم صالح مع وجود بعض الاستثناءات لاعتبارات مختلفة ليس من بينها البحث عن النزيهين إطلاقاً، وكان أي مسؤول ينجح ويشتهر ويذكر بخير وتسلط عليه الأضواء يتم إقالته أو تحويله إلى مكان هامشي يقضي عليه، وتكفي الإشارة إلى إزاحة صالح عباد الخولاني من محافظة حضرموت للتدليل على ذلك، ولهذا لم يكن مستغرباً احتواء قائمة أحزاب المشترك في حكومة الوفاق الوطني على ستة وزراء كانوا إلى عهد قريب أعضاءً في حزب المؤتمر الحاكم!!
عقدة النقص عند صالح جعلته يستعين بأشباه الرجال، وكانت النتيجة ما نراه اليوم من ثورة في عدد كبير من مؤسسات الدولة وفي مختلف المحافظات ضد رجالاته والقيادات الفاسدة التي عينها كإحدى ثمار ثورة الشباب الشعبية، ومن شأنها إكمال مشوار التغيير الذي بدأه الشباب ودق المسمار الأخير في نعش نظام صالح..
جاءت ثورة الموظفين من حيث لم تحتسب المعارضة وبعد أن ظن بقايا النظام أن المبادرة الخليجية مانعتهم وحصنهم الحصين ستعصمهم من طوفان التغيير وفجأة اكتشفوا أنه لا عاصم اليوم للفاسدين من انتفاضة الشعب، وراحت قيادات في حزب المؤتمر تتهم المشترك بالوقوف وراءها وهي تعلم علم اليقين أنها بعيدة عن الأحزاب، ولو أن المشترك وراء إخراج الملايين الثائرة إلى ساحات الحرية والشوارع العامة ووراء انتفاضة موظفي الدولة فهذا يعني باختصار أن المشترك قوة عظمى وأهل للاحترام والتقدير وأولى بالسلطة من غيره..
كل ما في الأمر أن مسؤولين تعمروا في مناصبهم أكثر مما تعمر صالح وبعضهم تحولوا إلى ما يشبه الآلة في المؤسسات التي يديرونها والعياذ بالله يعزون من يشاؤون ويذلون من يريدون، نهبوا مستحقات الصغار وصرفوا لأنفسهم بلا رقابة أو حساب، أزاحوا الكفاءات وعينوا الأقارب، من عارضهم مصيره الفصل وفي أحسن الأحوال ضمه إلى خبرة خليلك في البيت، يداومون أسبوعا في الشهر ويسافرون في الشهر أكثر من دولة وعلى حساب موازنة الهيئة أو المصلحة ولا أحد يقول لهم استحوا شوية خصوصاً إذا كانوا مقربين أو مصاهرين للعائلة الحاكمة بينما الموظفون يستجدونهم صرف حقوقهم لسد رمق أطفالهم في ظل تدني الرواتب وغالبا ما يكون المبلغ الذي سيحصل عليه الموظف لا يتجاوز نصف سعر «كرافتة» الوزير..
ذات مرة اختلف شخص مع حافظ معياد فتفاجأ في الليل بقوات مكافحة الإرهاب تحاصر منزله لاعتقاله بتهمة إيواء عناصر من تنظيم القاعدة، ولولا أنه استنجد بقبيلته لدخل جهاز الأمن القومي وما خرج.. عسكري رفع صوته في دائرة التوجيه المعنوي فوضعه العميد الشاطر في سجنه المظلم ستة أشهر.. يطالب كابتن بنقابة لطياري الخطوط الجوية اليمنية للدفاع عن حقوقهم فيصدر قرار القاضي بفصله، ووصل الأمر بمسؤولين حد إصدار أوامر للحراس بمنع دخول بعض الموظفين وكأنها بيوتهم لا مؤسسات دولة بنيت من أموال الشعب وكأن الموظفين عمال لديهم لا موظفو دولة، وجاء اليوم الذي يقتص الموظفون الغلابى من هؤلاء المسؤولين المجرمين، والذكي منهم من سيقرأ المتغيرات الجديدة بسرعة ويقدم استقالته فوراً ويخرج بشرفه قبل أن يخرج مهانا حقيراً تقذفه الأحذية كما حدث الأسبوع الماضي لأحد المسؤولين..
الثورة الشبابية الشعبية حررت الناس وبسببها جاءت المبادرة الخليجية لتحدث 30% من التغيير المنشود بإزاحة كبيرهم الذي علمهم الفساد، وهي التي مهدت لثورة الموظفين ضد الفاسدين لتضيف 30% من طريق التغيير وتبقى النسبة الباقية للمرحلة الانتقالية والتعديلات الدستورية المرتقبة التي يفترض أن تضع اليمن الجديد وحينها ستحقق الثورة اليمنية أهدافها كاملة بإذن الله..
ولن تكون ثورة ناجحة إذا رحل صالح وأولاده وظل قيران والعوبلي وضبعان وأمثالهم في مناصبهم بل إن بقاءهم خيانة لدماء الشهداء والجرحى وهو ما يجب أن تدركه قوى الثورة ودعم كل ثورة تقوم في أي وزارة، فهؤلاء الموظفون لم يخرجوا بطراً ولن يجمعوا على ضلال، وبحسب أحد الزملاء فإنه تفاجأ في إحدى المؤسسات أن ضابط أمن المؤسسة والحراسة في مقدمة المعتصمين، وهذا يكشف حجم الظلم الواقع عليهم والاحتقان السائد في تلك المؤسسات بسبب الإدارة السيئة والفساد المنظم والانتهاكات التي مورست طيلة ثلاثة عقود، وهذا ما جناه صالح على نفسه ونظامه، والعدالة آتية حتماً.
المصدر أونلاين



شارك برأيك