من الواضح أن انفعالات الحراك الجنوبي الأخيرة بخصوص الانتخابات هي نفسها التي أعلنت رفضها المبادرة الخليجية المتوّجة بالقرار الأممي رقم 2014، و ما يعنيه ذلك من إجماع إقليمي و دولي على ضرورة حل مشكلات اليمن وفق حالته الجغرافية والسياسية الراهنة، التي لا يريدها بعض الجنوبيين، لكن الذي يحدث في رفض المشاركة الانتخابية في المناطق الجنوبية والشرقية متأثرٌ بحسابات مناطقية وقبلية، وهي الحسابات التي تمكنتْ من المشهد السياسي في جنوب الوطن منذ وقت مبكر، لم يفلح «الرفاق» في محاولة تجاهلها، ويقع «الحراكيون» في أسرها. قد يعود ذلك إلى غياب أو ضبابية القضية العادلة التي يقتنع الجميع بالاصطفاف من أجلها، وهذا بالطبع لا يلغي حقيقة المظالم الواقعة والأخطاء السياسية التي ارتكبت بحق جنوب الوطن، لكن الخلاف هنا في محاولة فرض الحلول «المُجَربة و المعَلبة»!.
في ما سبق من الظروف والأحداث كنت أظن أن إخواننا في المناطق الجنوبية والشرقية بحاجة ماسّة لإعادة الاعتبار لهم من مراحل الفشل السياسي والأيديولوجي الثلاث: مرحلة ما قبل الوحدة، مرحلة ما بعد الوحدة، ومرحلة ما بعد حرب 94، واليوم أجد نفسي في قراءة جديدة تنتهي بالأسف الشديد إلى أن يبقى الجنوب أسيراً لكل التجارب الفاشلة، بعد أن أضيف إليها الحراك السياسي الجنوبي بخطوطه الثلاثة: فيدرالية الإقليمين، حق تقرير المصير، وفك الارتباط، ذلك ان هذه التيارات ينطبق عليها المثل الشعبي «جاء يكحلها أعماها»، فكلها تنفعل في أحادية تمثيل الجنوب وأبنائه الموزعين في كل الخيارات والتيارات والاتجاهات، فكيف يشكو الاستبداد من يمارسه، ويشكو من «الضم والإلحاق» وهو يطبّقه، فهل يكون الدواء من جنس الداء؟ كيف لهؤلاء الذين تداعوا لحل المشكلة أن يراوحوا فيها؟.
إذا كنا نطالب بإزالة آثار حرب 94 فإن من تلك الآثار هذه الكيانات التي تقتات من السياسة باسم الجنوب، التي تتاجر بآلام الناس وطموحاتهم. الناس في الجنوب ليسوا في حرب حول الكيان الذي يعيشون تحته، بل في حرب مع الإدارة الفاشلة، متى توفرت فلا يهمهم من يكونوا، و بأي اسم يحملون وثائقهم الشخصية!، و هذا ما يجب أن يستوعبه الساسة جميعاً!.
مرة بعد أخرى، يخطيء بعض نشطاء الحراك - ومن يتبعهم من عامة الجنوبيين- الحساب في تصوير الموضوع على أنه شمالي- جنوبي، من أجل مزيد من التجييش والحشد لإيغار الصدور، والنفخ في نار البغضاء، التي بات من الواضح أنهم غير قادرين على إطفائها متى ما اشتعلتْ واشتد أوارها، خاصة وأن ما حدث ويحدث هو أقرب للانفعال والنزق منه إلى الرؤية المسؤولة والنضال السياسي المتزن، فأصبح الضحية يمارس سلوك الجلاد، على أساس نظرية الفعل ورد الفعل، دون الرجوع إلى القيَم الضابطة لمسار رد الفعل، فمن يكذب عليك –مثلاً- لا يبرر لك بأن تكذب عليه أنت أيضاً، لأن قيمة الصدق أكبر، ومَن يمارس الظلم ضدك يجب أن يدفعك للتمسك بالعدل، ومن يكويك بالفُرقة يجب أن ترد عليه بمزيد من التلاحم والاتحاد، وإلا ما الفرق بينك و بينه؟
الرهان الحقيقي هو في حوار وطني جامع يؤسس لبناء دولة واحدة بصيغة إدارية لا مركزية؛ تدفع الناس ليحلوا مشكلاتهم وتساعدهم الدولة في ذلك، بعيداً عن أي مشاريع صغيرة تفسد صحة المشروع الكبير، لأن الحلقات المفرغة كثيرة، وكلها تستنفد الأوقات والجهود، لحساب مصالح شخصية مسكونة بمجدها المفقود!.
لدي ثقة كبيرة في أن عقلاء كثيرين في جنوبنا الحبيب يعرفون ذلك ويفهمونه أكثر مني، يبقى الرهان عليهم ليكونوا جزءاً من الحل، لا جزءاً من المشكلة.
المصدر أونلاين



شارك برأيك