مات ما يزيد عن أربع سنوات، وعاد إلى ممارسة عمله في دائرة المحفوظات.. لا تبدو هذه الحكاية واحدة من قصص الخيال العلمي، مع أن في الخيال العلمي وحده يجوز أن تتخيل كل شيء وأي شيء.. إلا أن صاحبها وهو أحد موظفي وزارة الخارجية أراد لها أن تكون كذلك، مع أنها حدثت منذ سنين بقيت طي الكتمان.
استدعاء هذه القصة هنا تأتي ضمن طريق البحث في تفاصيل الوضع القائم في وزارة الخارجية، وما يتردد هناك بأن الوضع أكثر من سيء، وقد يشهد في الفترة المقبلة حالة مغايرة في نفس اتجاهه المنحدر يومياً.
حكاية عبدالحميد ربما تلخص جزءاً من حالة هذه الوزارة المضطربة على الدوام.
بعد أن أدرك هذا الرجل الذي يقترب عمره من الخمسين بأن حقه في التأمين سيكون مرتفعاً، وعندما يحصل عليه ستكون في حوزته (عشرة آلاف دولار)، ولم يقبض مثل هذا المبلغ من قبل.
إنه يعمل منذ ما يزيد عن عقدين في الخارجية، ومؤخراً يشعر بشيء من عدم الطمأنينة، عليه أن يتخذ قرار التخلي عن العمل في هذه الوزارة.
لم يتقدم بأي طلب إلى مسؤوليه عن نيته المبيتة، فكرة أخرى تراوده هنا لا شأن للجميع بها؛ يباشر الموظف البسيط قراره على ترك الوزارة في العاصمة، وصوب محافظة الضالع 200كم جنوب صنعاء يتوجه.
يستقر في مضارب القرية، هناك حيث مسقط رأسه يقضي عبدالحميد مع أسرته حياة هادئة.
الفكرة التي تراود الرجل ظلت في أعماقه تحدث شيئاً من الجلبة، ولم يستمر هذا التجاذب طويلاً.. هدوء القرية والقرب من العائلة ربما كانتا العوامل التي تمكنه من التخلص من جلبته الداخلية نهائياً، في هذه اللحظات يتم إشهارها إلى من حوله.
يتذكر عبدالحميد بأن التساؤلات التي تثقل رأسه لسنين يجب أن تتوقف، وطبيعة هذه التساؤلات التي تعبث بالمقهورين لا يدوم بقاؤها، كما أن شرود الرجل المسافر بين صنعاء والضالع يجري لملمته الآن، ويجب أن يتوقف بما فيه شكل ومكان الإقامة، حيث يتخذ من مقر جمعية الضالع في العاصمة مأوى له.
أنا المشتت بين سمعة العمل في وزارة الخارجية، أحظى بسمعة الدبلوماسي، والمحروم أصلاً من أبسط امتيازاتها.. لكن يجب أن تتعزز حقوقها الآن.
والفكرة التي ذهب إليها يجب أن تكون هي بداية نقطة الضوء للخلاص من واقعه الثقيل المظلم؛ تتمثل في زيادة الاحتياجات مقابل قلة الدخل، وتدني الراتب الشهري، ووسط ولا شيء ربما ينقذه من حالة الإفلاس التي يعيشها هو وأسرته سوى هذه الفكرة.
أنشأ عبدالحميد قصته بالاشتراك مع عزرائيل، المخلص لم يكتفِ بذلك ذهب أبعد مما يتوقع الجميع، الأسرة والأقارب والأصدقاء وأيضاً زملاء العمل.. قرر أن يموت، فاجأهم بذلك، حينها باشر بالتنفيذ.
كشف هدف فكرته من وراء هذا التصرف، وعليه يدفع بأسرته إلى التقدم بطلب إلى وزارة الخارجية اليمنية في صنعاء بأن رب الأسرة فارق الحياة، وأن الموظف لديكم قد توفي.
بدأت الأسرة قبل عدة سنوات بإجراءاتها، حصلت على المبلغ (10.000$) دولار.
ما يقارب الأربع السنوات، غابت الحكاية.. ومعها أخذ الرجل وأسرته يتمتعون بما يقارب (مليوني ونصف ريال) خلال فترة موته الخادع، لتبقى تفاصيل قصة عبدالحميد كما هي (حياً في القرية، ميتاً في الوظيفة).
تكر السنون، ينفق الرجل وعائلته المال طيلة سنوات “موته المُعلن” حتى عاودت مجدداًَ حالة الإفلاس.
وكما اتخذ عبدالحميد قراره بالموت لم يحتر طويلاً، ومجدداً يقرر أن يسلك الطريق الذي غادر منه حياة العمل، عائداً إلى مقر وزارة الخارجية.
زملاء العمل لم يكونوا على موعد مع مفاجأة من نوع مختلف؛ البعض يسأل”مش أنت ميت”، وآخر يكتفي بأخذه بالأحضان من شدة وقع اللحظة،
حينها ضجت الوزارة بمن فيها، وبدأت التساؤلات عن حقيقة ما حدث.
وينكر مرؤوسوه أنه عبدالحميد؟، وهذا هو من عاود إلى مكتبه، حاول الرجل تبرير ما يجري ولم ينجح. الكثير من الغموض يحيط بالحكاية.
يخرج الجميع بفكرة أخرى، وعلى(المرحوم)عبدالحميد إثبات حياته ووجوده. كان اختيار المحكمة هو الفيصل في ذلك. يتقرر على الرجل أن يبدأ مشواراً إضافياً.عليه أن يتقدم بطلب إلى المحكمة يطلب عبره أنه هو (عبدالحميد)عمل في هذه الإدارة. بعد أن جاء إلى صنعاء منذ سنين، وانتسب إلى هذا السلك.
وحده الحكم القضائي الذي أصدرته المحكمة أثبت حقيقة حياته، خلصه من القصة الغريبة. معه استطاع إنكار موته. والعام الفائت تعين عبدالحميد ضمن بعثة دبلوماسية خارج اليمن. وصار زملاؤه ينادونه منذ حدثت حكايته وحتى اليوم بالمرحوم.







شارك برأيك