يفترض أن تقوم الثورات بخلق واقع جديد, وتغيير جذري شامل , لا يقتصر فقط علي النظام السياسي للدولة و النخبة الحاكمة, بل يمتد إلي العقول في اسلوب التفكير و الثقافة والممارسات اليومية, من أهم المصاعب التي تواجه أي ثورة مسألة تغيير اسلوب التفكير والثقافة وتركيبة العقول -خاصة في المجتمعات التي عاشت لعقود طويلة تحت الإستبداد والفساد.
لو غير الثوار النظام السياسي و النخبة الحاكمة وأتوأ بحكومة ونظام جديدين فلن يكون هنالك تغيير حقيقي طالما ظلت الثقافة و الأفكار السائدة كما هي. فإنها مسألة وقت لان يعود الاستبداد والفساد مرة أخري لأن الثقافة و الأفكار التي يعتنقها المجتمع نشأت و تكونت في ظل عقود الإستبداد والفساد ستعيد إنتاجه مرة اخرى، الاستبداد أكبر من ديكتاتور، والفساد أكبر من شخص, إنهما طريقة تفكير , أسلوب حياة, وتراث طويل تكوّن عبر عقود الفساد و الظلم.
كثيرين هم من ينغمسون فى محاولات إصلاح البلد.ولكننا نسينا الأهم والذى بدونه لن تر البلد أي إصلاح حقيقى..ألا وهو إصلاح أنفسنا,عقولنا إذ كيف يمكن للكل أن يصبح سليما معافى إذا كانت الأجزاء التى يتكون منها هذا الكل غير سليمة؟!
إن أي مجتمع إنسانى يتكون من أفراد يشكلونه, لذلك ينبغي على هؤلاء الأفراد معرفة أنفسهم جيداً حتى يستطيعون معرفة أي شيء آخر بعد ذلك.. بدون معرفتك لنفسك سوف تنعكس الأحداث من حولك على عقلك ليفسرها بشكل خاطئ.. فالحياة في الأصل هى ما تشعر بحدوثه من حولك ويقوم بالتأثير عليك من خلال حواسك الخمسة.. بدون هذا التأثير لن تشعر بالحياة. وإذا لم يكن عقلك قادر على استقبال كل تلك المؤثرات وفهمها وبالتالي التعامل معها بشكل صحيح .ستكون أشبه ب \"جهاز رسيفير \"ليس مضبوطاً بالشكل الصحيح فتصل الصورة إلى جهاز تلفزيونك الدماغي مبهمة ومشّوشة وغير واضحة.
فالعقل هو جهاز استقبال وإرسال فى نفس الوقت..يستقبل كل المؤثرات والأحداث ومايدور حوله,ثم يرسلها إلى العالم على هيئة تصرّفات وأقوال وأفعال. وبناءاً عليه لا ينبغى أن نتحدث عن إصلاح البلد بدون التحدث عن إصلاح المجتمع . كما أنه أيضا لا ينبغى أن نتحدث عن إصلاح المجتمع بدون التحدث عن إصلاح الأفراد الذين يشكّلون هذا المجتمع, البلد لن تصبح متطورة الأ اذا تطّورت عقول الناس وليس العكس . لهذا.. احرصوا على بناء العقل.. فهو القادر على بناء البلد.. إذ كيف نبنى بيتاً بدون الحصول على الأحجار السليمة التي سوف يتكون منها هذا البيت؟!
ليس بالضرورة أن نصبح جميعا سياسيين وقادة لكى تنجح الثورة.. ولكن ينبغي أن نصبح جميعا حقيقيين وصادقين مع أنفسنا ومخلصين لما نفعله لكى تنجح الثورة ويتغّير حال البلد. أنت طالب في المدرسة أو الجامعة؟ركّز واهتّم بدراستك لتخرج شخصاً مؤهلاً قادراً على خدمة وطنة.أنت موظف؟.اهّتم بعملك وأخلص فيه واعمل بضمير وحب لوطنك. تحب العلوم؟ ركز فى موهبتك وتخصصّك وتجاربك وأنتج شئ يفيد البلد. تحب الكتابة ؟ أكتب مايفيد الناس ويعمل على إصلاح المجتمع. تحب الإعلام؟ فكّر في عمل غير مسبوق يتبنى قضايا الناس وهمومهم ويسلط الضوء على الظواهر السيئة وأعمل على إصلاحها. بدلاً من تزييف وعي الناس وتخريب عقولهم. ! وهكذا يجب أن يعمل كل فرد حسب موقعه.
الثورة يجب أن تعلّمنا أننا مجرد «أجزاء».. ينبغى أن تكون سليمة حتى يصبح «الكل» الذى تشكلت منه هذه الأجزاء سليماً.







شارك برأيك