استحمار وتغابي!

إن الأحداث التي تجري هذه الأيام في جامعة صنعاء، (جامعتنا الأم)؛ بمثابة نذير شؤم على التعليم الجامعي في اليمن بوجه عام، وعلى جامعة صنعاء تحديداً.


حيثُ حاولت يوم أمس الأول الخميس (20/9/2012 م) الجماعة العلمية في الجامعة، ممثلة بغالبية أعضاء هيئة التدريس ممارسة حقها في انتخاب قياداتها الأكاديمية، بدءاً برئيس الجامعة ونوابه، مروراً بعمداء الكليات ونوابهم. وانتهاءً برؤساء الأقسام العلمية.


إلا أن عملية الانتخابات قد توقفت؛ بسبب تعرض بعض الزملاء من أعضاء هيئة التدريس لاعتداء من قبل أنصار رئيس الجامعة السابق، والقائم بأعمال رئيسها الحالي ومحاولتهما منع هذه الانتخابات، بدعوى أنها مخالفة قانون الجامعات اليمنية، الذي ينص على تعيين القيادات الأكاديمية لا انتخابها.


وفي هذا السياق، أقول:
رغم إنه يُسمح لكل يمنية و يمني بلغ من العمر 18 عاماً، (وإنْ لم يكن يتقن القراءة والكتابة)؛ أن ينتخب رئيس دولته، وممثليه في البرلمان، والمجلس المحلي.


بينما أنا أحمل شهادة دكتوراه في العلوم السياسية، وفي الخمسينيات من عمري، ولا يُسمح لي بانتخاب رئيس جامعتي، وعميد كُليتي، ورئيس قِسمي العلمي!

 

نعم لانتخاب القيادات الأكاديمية في جامعاتنا لا لتعيينها؛ لأن المُعيِن يفرض شروطه، عادة على المُعيَّن.


أما التحجج بقانون الجامعات اليمنية، المُعدَّل، الذي أهدر حق الانتخاب، (الذي كان معمولاً به في منتصف تسعينيات القرن الفائت) وأقر التعيين؛ فإنه، للأسف،لا يُطبق، حتى بصيغته الراهنة المُعدَّلة، ومازال يُنتهك من قبل المُعيِن والمُعيَّن في آن!


فما بال البعض يتغابى، ويستحمر؛ باستحضار (المشروعية القانونية)، المُهمشة، بل الغائبة والمُفترى عليها!


وفي هذا الصدد، تحضرني، بحزنٍ شديد، الوصاية الدولية لليمن، وتبعية حكامنا وسياسيينا للخارج. وما (المبادرة الخليجية) إلا أحد شواهد هذه الوصاية والتبعية وتجلياتهما!


فقد همشت هذه المبادرة وآليتها التنفيذية الدستور، وقوضت المشروعية القانونية.


ألم ينص البند الرابع من بنود ما عُرف بالآلية التنفيذية لهذه المبادرة الخليجية المزمنة، والموقعة في الرياض بتاريخ 23 / 11 / 2011 م على أنه (يحل الاتفاق على المبادرة الخليجية وآلية تنفيذها محل أي ترتيبات دستورية أو قانونية قائمة ولا يجوز الطعن فيهما أمام مؤسسات الدولة)!


وفي هذا الصدد، مازال يحضرني تساؤلٌ، بل يستفزني، ويكاد يصرخ في وجه المنطق، والمسلمات، والبديهيات؛ ومفاده:
كيف يُسمح للأُمي أن ينتخب رئيس دولته ودولتي. وأنا أحمل شهادة دكتوراه، ولا يُسمح لي بانتخاب رئيس جامعتي، وعميد كُليتي، ورئيس قِسمي العلمي؟!


يا هؤلاء: هو ليس بنبي، وأنا لستُ بغبي!


وتجنباً لسوء الفهم، الذي قد يتولد لدى البعض، حول العلاقة بين الأُمي والمتعلم؛ فأنا أتحدث هنا، عن مفهوم أهلية أستاذ الجامعة وقدرته على الانتخاب.


بمعنى كيف يُسمح للمواطن البسيط الذي حُرِم من التعليم، أن ينتخب رئيس الدولة، وهو منصب هامٌ وخطير، وعضو مجلس النواب، الذي من وظائفه التشريع للقوانين، وإقرار الموازنة وغيرها، ولا يُسمح لأستاذ الجامعة الذي حصل على قدرٍ من المعارف والعلم، أن يمارس حقه في انتخاب قياداته الأكاديمية.


لا أقصد هنا، التعالي، أو المفاضلة في المواطنة والإنسانية بين المتعلم والأمي. حاشا لِله.


يا هؤلاء: شرعية الغلبة، مازالت هي لسان حال بلد الحكمة! وكأني بـ(أبو تمام) يردد:(السيفُ أصدقُ إنباءً مِنَ الكُتُبِ).


إنهُ تغابي ما بعدهُ تغابي، واستحمار ما بعده استحمار!

 

المصدر أونلاين 



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك