احتمالات «غزوة» السفارة

تأخرت في كتابة هذا المقال لمعرفة ما الذي ستسفر عنه التداعيات والتحقيقات الأمنية بشأن اقتحام «الغاضبين الجدد» للسفارة الأمريكية بصنعاء، فقد كانت مشاهد الخميس قبل الماضي غاية في الخزي، نتيجة ذلك النوع من الجهاد «النزق».. فثمة أحاديث تدور عن «أنصار جدد» باتوا ليلة الخميس في صالة المدينة السياحية المقابلة للسفارة، بانتظار صفارة «الجهاد» والهجوم على الكفار والفرنجة!


كل ما قالته الداخلية حتى الآن: إن القتلى أربعة والجرحى 48 آخرين، بينهم 10 رجال أمن، وأنها ضبطت 13 متهماً باقتحام السفارة، وأن السيارات المهشمة 80، والمحروقة 18، وواحدة «لاند كروزر 2010» مسروقة... كل ذلك نتاج غزوة السفارة، من أجل نصرة الرسول الكريم، تم حرق ونهب ممتلكات جهة غير مسئولة عما حدث من إساءة.


«الداخلية» حتى الآن لم تقدم توضيحاً لعملية اقتحام السفارة، لكن العميد طارق صالح المُقال من قيادة اللواء الثالث حرس خاص، قال لصحيفة «وول ستريت» الأمريكية إن السبب هو استبعاد الكوادر الأمنية المؤهلة من أبناء العائلة، وحاشية العائلة، وقال: «أخي يحيى في إجازة ولو كان موجوداً لنبه الداخلية ووجه بعمل التدابير الأمنية اللازمة، ومنع حدوث ما حدث»، مع العلم أن كتيبة الأمن المركزي المكلفة بحماية السفارة انسحبت بالكامل أمام المتظاهرين، ولم تطلق رصاصة واحدة في الهواء لتفريق الجموع، فالتعليمات القادمة من بقايا العائلة تقتضي ذلك.


حادثة اقتحام سفارة واشنطن بصنعاء يفتح الباب أمام احتمالات متعددة: فمن ناحية أراد «طرف سياسي» أن يضع أشواكاً وعراقيل في طريق رحلة الرئيس هادي إلى واشنطن المقررة أواخر هذا الشهر، وتقديمه للإدارة الأمريكية كرجل عاجز عن حماية مصالح وطنه وشعبه، وحماية مصالح وسفارة الولايات المتحدة، وبالتالي لا ينفع أن يكون رجل المرحلة، وهذا ما يفسر طلب الرئيس أوباما بنقل سفارة بلاده إلى جيبوتي، ولولا إصرار هادي لما عاد أوباما في اتصاله الهاتفي الثاني وقرر الإبقاء على الدبلوماسيين الأمريكيين بصنعاء.


فقد أوضح له هادي أن ذلك لن يكون غير تحفيز للدول الأوروبية على سحب سفرائها من اليمن، وبالتالي غياب المراقب الدولي الفاعل في المرحلة الحرجة، وهو ما يعني ترك اليمن ساحة مفتوحة أمام طموحات صالح وعائلته بالعودة إلى الحكم، وبالتالي الاصطدام مع قوى الثورة، وتفجير الوضع، أو إفساح المجال أمام الجماعات المسلحة المنسقة مع بقايا عائلة صالح للعبث بأمن واستقرار اليمن، وهو ما يهدد أمن واستقرار المنطقة برمتها، وهذا الاحتمال هو الأكثر ترجيحاً.


ومن ناحية ثانية لا يُستبعد أن للسفارة الأمريكية يد في تراخي الحماية الأمنية، فالسفير «جيرالد فايرستاين» من جنرالات البنتاجون الداعمين بقوة للحزب الجمهوري، وخياراته الأكثر عسكرية وشراسة، وأمريكا مقبلة بعد أقل من شهرين على انتخابات رئاسية سيخوضها «أوباما» مع منافسه الجمهوري «ميت رومني» وضرب السفارات الأمريكية في ليبيا ومصر وتونس واليمن سيضع إدارة أوباما الديمقراطية أمام الناخب الأمريكي في صورة العاجز عن حماية المصالح الأمريكية، وهنا لا يُستبعد أن يكون فيلم «محارب الصحراء» المسيء للرسول الكريم صنيعة نفذها (Section dirtytasks) قسم العمليات القذرة في الحزب الجمهوري، ووجود قسم بهذه التسمية موجود في أكثر من حزب غربي، أبرزها حزب العمال البريطاني، وهو قسم يعمل بدهاء وخبث كبيرين في مواسم الانتخابات، وقد استفاد الحزب الوطني المصري في عهد مبارك من تجارب «العمال» البريطاني كثيراً.


وثمة احتمال ثالث لحوادث السفارات الأمريكية، أرادت به دوائر الاستخبارات الأمريكية الإسرائيلية وبالتعاون مع دول في المنطقة أن تضع حكومات دول الربيع العربي في مأزق خطير أمام شعوبها، لأنها دول صعد فيها الإسلاميون إلى السلطة، وهم لا يروقون لإدارات تلك الدول، فتم استخدام مادة الفيلم المسيء، والدفع بمقاطع منها عبر «الانترنت» والعمل على تحريض الشارع العربي في دول الربيع ضد سفارات وسياسة أمريكا، وبالتالي إذا ما خرجت قوات لمكافحة ومنع تلك التظاهرات من الوصول إلى سفارات أمريكا، يكون الرد جاهزاً وسريعاً: ها هم الحكام الإسلاميون يقمعون شعوبهم ارضاءً لأمريكا، وإلا بماذا نفسر أن تكون المظاهرات العارمة كلها في دول الربيع فقط، بينما دولة مثل لبنان لم تخرج فيها مظاهرة واحدة ينظمها «حزب الله»، وتهجم على سفارة أمريكا «الشيطان الأكبر».

 

عن الناس.



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك