لجان التحقيق!!

لم يحدث أن لجنة تحقيق أعلن عن تشكيلها لتقصي الحقائق في حدث ما، استأثر اهتمام الرأي العام، انجزت مهمتها وأعلنت نتائجها، ما يوحي ان اللجان المعلن عنها ليست اكثر من فرملة للاهتمام الشعبي تعويلا على عامل الزمن الكفيل بإدخال القضايا طي النسيان، لتؤكد فقط استمرار غياب الدولة..

امس الاول كشف وزير الداخلية الدكتور عبدالقادر قحطان عن احالة قضية محاولة اغتيال الدكتور ياسين سعيد نعمان الى القضاء، والقبض عن ١٣ متهما بجريمتي السبعين والشرطة، فيما يستمر التحقيق في اغتيالات طالت عشرات الضباط الامنيين والعسكريين خلال عام..

وحتى لا ينزعج الوزير قحطان فإن ما يحدث قد لا يكون انفلاتا أمنيا بقدر ما هو رخوة أمنية بامتياز يمكن تجاوزها برفع كفاءة وهيكلة اجهزة الامن وضبط عملها.

عموما، يحدث أن تدفن بعض القضايا لسنوات لتبعث في دهاليز المحاكم، لكن بعد أن تضيع خيوطها بفعل عوامل التعرية البشرية..

كثيرون لازالوا بانتظار نتائج التحقيق في بعض الوقائع الفظيعة التي شهدتها البلاد خلال ثلاثة أشهر مضت، ووجه الرئيس عبدربه منصور هادي بالتحقيق في ملابساتها، وأكدت السلطات أن النتائج ستعلن في غضون بضعة أيام..

مثلا لاحصرا: ما هي نتائج التحقيقات في انفجارات مخزن أسلحة الفرقة الأولى مدرع، وتحطم طائرة الانتينوف ومقتل طاقمها في الحصبة، وشحنة المسدسات التركية..

وما الذي استجد بشأن مقتل قاسم عقلان الموظف في السفارة الامريكية؟

في قضية كهذه، أدرك يقينا أن السلطات الأمنية تواصل السفارة بمستجدات التحقيق خيطاً خيطاً، مهما كانت بسيطة، خلافا للرأي العام، وستكون المشكلة أدهى وأمر لو كانت لجان التحقيق تتعامل مع مخصصات وميزانيات فقط، وترفع تقاريرها للرئيس بنتائج عقيمة كتحصيل حاصل..

المشكلة مع السلطات الرسمية أنها لا تحترم عقول المواطنين، وتتعامل مع الرأي العام كمخلوق فضائي لا وجود له، دون أن تدرك أنه ذاته كان أساسا لقلب موازين قوى البلد العام الماضي، رغم سلبيته وتخاذله في قضايا كثيرة..

تلك السلطات تتعامل بخفة لا تنم عن مسؤولية أو التزام تجاه الرأي العام الذي أصبح شريكا في بعض القضايا، على أن هذا لا ينتقص حقها بحفظ بعض المعلومات السرية بما يخدم التحقيق ولا ينتهك خصوصيات أيا من أطرافها..

التعامل المسؤول مع الرأي العام في مختلف القضايا مهما بدت صغيرة ليس مجرد معرفة ترفية أو ”فضول”، بل هو حق أصيل يدخل في صميم عمل أجهزة الدولة.

تدرك قيادة وزارة الداخلية مثلا أن التخلي عن التزاماتها بكشف نتائج التحقيقات في قضايا بسيطة يكلفها الكثير في القضايا التي تحوز الاهتمام الشعبي والاعلامي والرسمي..

تتذكر جيدا قيادة الوزارة كيف أنها سعت لإثبات جدارة طارئة في حادثتي السبعين وكلية الشرطة، لتقع في خطأ فادح باتهام أشخاص لا علاقة لهم بالجرائم، ما كلفها اعتذارا انتقص سمعتها تماما كهيبة الدولة..

كان ثمنا باهظا لاستمراء استغفال الرأي العام وعدم استشعار مسؤوليتها تجاهه ابتداء، ولو انها تمرست هذه المسؤولية لكانت اكثر حنكة في إدارة النوازل الأكثر إثارة..

أظن الرئيس هادي فطينا بما يكفي ليدرك أهمية المصداقية مع الرأي العام في قضايا عامة اهتم بها رغم اجندته المزدحمة، إذ من شأن ذلك أن يعزز ثقة الناس بنظامه وأجهزة دولته، ويزيدها حضورا واحتراما، مهما كانت النتائج أو ملابسات الأحداث فاضحة لجانب من غياب مزمن للدولة التي وعد هادي باستعادتها كأولوية لم يلتزم بغيرها للناس..

قائمة طويلة من لجان التحقيق ينبغي أن تعلن نتائجها المعلقة منذ أشهر وسنوات، في مختلف الجوانب وليس الأمنية وحدها، كمقدمة للارتقاء بأداء أجهزة الدولة وتجاوز السلبيات على الأقل..حينها سنطمئن أن نواة دولة تحترم مواطنيها بدأت تتخلق في البلاد.
 

 



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك