أسابيع من غيابي اقتربت صدفة من أحداث جمهورية مصر العربية «الدستورية» الأخيرة، وهي تعصف بالفعل بالبلد المؤثر.. وتلقي بظلالها على مقارنات واقع ما بعد الثورة في اليمن.
يتفق الجميع مع فكرة أن لا أحد يستطيع قيادة أي بلد منفرداً بعد ثورة قام بها شعب بكافة أطيافه.. ضد نظام أهلك الحرث والنسل ولم يترك سوى بقايا دولة ينخر فيها الفساد والتفكك على مستوى المجتمع الذي انهارت قيمه، إنها مهمة قد تبدو مستحيلة نتيجة التشوهات في الأرض والإنسان؛ بسبب سياسات متعمدة وغير متعمدة صبغت كل واحد منا السلبية في كل شيء، وهذا ما يتناساه البعض وخاصة من يحكم مصر اليوم.
ما يهمني الآن هو الطرف الحاكم، وليس المحكوم؛ لأننا أمام قوتين معنويتين وماديتين غير متكافئتين بالتأكيد، والمسؤولية في طرف الحاكم أكبر من مسؤولية الطرف الآخر.
فما فعله الحاكم في مصر متمثلاً في الإخوان المسلمين، هو أنه ظل طوال الوقت يستعرض أمام الجميع بقوته، ولم يكن منصفاً حين ترك الحبل على الغارب لأنصاره ومؤيده في فعل ما يفعله الآخر حتى لو كان فعلاً خاطئاً بالأساس.. ولم يحاول أن يظهر هويته السياسية المختلفة بل انجر مع الآخر يفعل ما يفعل ويعبر بنفس الطريقة، كما إنه لم ينتبه لأن سنوات من التشويه له من قبل الأنظمة المتعاقبة قد نكتت في قلوب الناس وتحتاج لسنوات طويلة لتبديد تلك الصورة، وهذا ما أدركته قوى إسلامية أخرى في بلدان عربية، أدركت عواقب النظر إلى ما تحت قدميها فاتجهت تنظر إلى الأمام بطريقة استراتيجية حتى لا تتيح لمن تربص أو يتربص بها لا ستهدافها، إضافة كما يبدو إلى إيمانهم أن عليهم تغيير أنفسهم والتعامل بما يتناسب وعهد جديد.
في لحظة كان من المهم أن يكون الإخوان في رئاسة بلد كمصر لكن أخطأوا حين تعاملوا مع ما هو مسؤولية وواجب «الحكم» على أنه حق لهم، فالواجب أنت محاسب عليه، أما الحق فلا يحق لأحد أن يحاسبك عليه. لهذا ابتعدوا عن الناس، لقد اعتقدوا بالحق في مكان غير مناسب في مكان الواجب.
أستطيع القول: إنهم اغتروا بالكثرة، والكثرة لا تجعل أي طرف قويا بل قضيته العادلة، لقد طلعوا علينا بأساليب أشعرتنا بأنهم النظام السابق، فهموا الديمقراطية بأنها الغلبة ليس فقط في السياسة والحكم بل حتى في الفكر والثقافة والاعتقاد والفن..إلخ، فخرجت أصوات منهم أو تحالفت معهم تقذف وتشتم وتقدم صورة مشوَّهة عنهم، ولا أحد يستنكرها، اعتمدوا الصراخ لا الحجة والإقناع ، ويتضح أنهم طوال تلك الفترة ظلوا ينتقمون من الماضي الذي لم يستطيعوا تجاوزه.. ماضي المضطهد، الذي إن تمكن اعتقد أن الجميع يتآمر عليه، وأنه مازال وحيداً والكل يكرهه، مثلهم مثل قوى أخرى قد تعيش على أمل عودة الماضي الذي تسرب من بين أصابعها فجأة نتيجة تغير الحياة.
تلك مرحلة سلبية عشنا جميعاً في ظلها، ابتدأت منذ قرن ويزيد، بدأت بالسقوط الحضاري ثم بالاستعمار ثم بالاستبداد، علينا أن نتخلص منها من داخلنا أولاً، وفي اعتقادي أن أول طريقة للدواء من تلك هي الشراكة، حتى تهدأ العاصفة، ويترتب البيت الداخلي، عندها سيبدو كل شيء طبيعياً، وسنكون قادرين والآخر على تحديد الطريق الصحيح وما عداه، وعلى أن نتطبع بطباع القبول بالآخر والعيش المشترك. وعلى أن نتنافس في خدمة الوطن لا أن نتصارع لتقاسمه.



شارك برأيك