مجرد شغب شعبوي

بالنسبة للفاسدين كانت مجرد مخرج طوارئ إلى منطقة آمنة، بينما لم تعد تبدو للثوار أكثر من الوصول إلى منطقة عامية، رمادية، ضبابية. هذا شعور بإدعاء حكيم -إن جاز التعبير- وإحساس بتكهن مستحب. وإن يشعر الواحد منا بهذا التخبط الصارخ، أكثر من حكومة الوفاق ورئيسها الممسوس بعشق الموقع، إذ لم يعد الشعور مع هذا الجو المكفهر، دون جو سوي؛ مستنقع سياسي آسن وسط مكب نفايات العالم. وإن كان هذا التوصيف الأدق، فما الذي تبقّى يستحق الانتظار –مثلا-  من مؤتمر حوار الطرشان. كما يجري تصديره إلى رؤوسنا وأعصابنا بأنه المخرج، في الوقت الذي لم نوفّق بمن يتحملون المسؤولية بدون تنصّل عن الوطنية الفذّة.  

 

لذلك ما نراه اليوم من إجماع شبه نخبوي عامي على اعتبار ما حدث تغييرا ويجري فقط انتظار مؤتمر الحوار، لننعم في ظل حالة الوفاق المرتقبة. ولا يبدو -حتى اللحظة- ما يبعث على أي اشارات تطمين إيجابية. ما نراه اليوم تخبطا على معظم الاتجاهات، فإذا كُنا أيها الأغبياء لا نعرف أين سنتجه فكيف سنصل أصلا إلى هدفنا المنشود، في ظل هذه العقليات المتردية.  

 

لقد ظللنا وربما سنستمر كالعوام نتبارى في التعظيم، مما حصل من تغيير، ومما سيحصل من حوار، حتى وقعت علينا من الكوارث أفدحها. رئيس هذه الحكومة باسندوة وباقي التشكيلة أصابوا أدمغتنا بالدّوار المزمن. لقد أصابتنا ضرباتهم الوقائية من التغيير الحقيقي في مقتل. إنهم في الطريق لأن  يجهزوا على ما تبقى من أمل مرتقب لموعد يوصف بالحوار الوطني القادم من بعيد. ولا يبدو مع هذه الباقة من المسؤولين اللا متناغمة مع ذاتها حتى، أبعد من قطار مندفع بسرعته القصوى إن تعثر بقشة، لا شك سيحدث كارثة مهولة.

 

 من حقنا، كما كنا وما نزال -نحن الحالمين بالتغيير الحقيقي- ألا نصمت في لحظة عاصفة. تدافع الشباب ليقتلع نظام تغشم عليه سنين، فنجح. لكن وبصراحة لنتكاشف قليلا، ليس هذا الذي طالبنا به أن نقف عند هذا الحد، ويتوقف الطموح. ليس على هذه الشاكلة جاء هذا المنتج المزيّف (حكومة وفاق) باهتة، باتت تتلاعب بحلم الملايين وقوتهم على حساب ثورة التغيير باهظة الثمن، وعلى كل المستويات.

 

اليوم نحاول بالكاد أن نتناسى السقطة الأولى، بالقبول بهذا النصيب المخزي من هذه الحكومة المتغطرسة، لنبدأ في الاستعداد لتلقي الضربة الثانية؛ هذا كثيرا على شعب وشهداء ووطن يا أغبياء. نشهد هذه الأيام التجهيز والتطبيل من جميع الاتجاهات لحفلات "الزار" الأوسع، تحت عنوان "الحوار الوطني الشامل". ليتنا نستطيع تجاوز مأزق التوافق الخادع. فدعكم من كل هذا الهراء المجاني المزعج.

 

لماذا تصرون علينا بأن نقول الآن: إننا ذهبنا بمبالغتنا حد اللا عودة في وصف هذا التغيير، حتى استقر معكم وبكم في نقطة الابتذال، ولا نخفيكم أن هذا صار حقيقة مؤكدة؛ لأننا ساهمنا مشجعين ومهللين ما اعتقدناه الخروج من ورطة صدامات محتملة. فرجمتنا ثورة التغيير بمثلكم حكومة ركيكة عاجزة. وها هي تقفز إلى خيبة أخرى، تباشر تدشين المرحلة الثانية من حفلات التنكر. سنكون أشجع منكم كثيرا.. لن نسكت. العيب أن نستمر في تخليدكم في أذهان الناس على أنكم المنقذ. هذه المرة لن تكون أبعد من أهدافنا المتاحة. سنقتنصكم في كل حين. ولن تفلتوا من اللؤم والعقاب.  

 

كم انتقصنا من عصر التنوير الحقيقي الذي حول أوربا إلى مصنع واسع للتغيير الجاد. ونحن نشرع في المقارنات، وكم انتقصنا منك أيتها الثورة الفرنسية باسم التغيير السلمي وغيرها من التوصيفات المعفرة. حتى حلت بنا كارثة الكوارث؛ هذه الحكومة المسخ، بعناوين متعددة؛ "الثورة" "التغيير"، "الوفاق"، ومؤخرا "الحوار".

 

لقد بتنا نشعر بالسخف ممّا لحق بنا، ونحذّر من القادم. إحساس مر على إثر هذا الاشفاق المطل من وجوه حكومة الوفاق المتخبِّطة؛ إننا نستحق الآن أن نفرز على أساس الرديئين من مخرجي الأفلام. كم قدّمنا هذه الحكومة على نحو قاعدة الساحة ترغب في ذلك، ما يعني "الجمهور عاوز كده"، فها هي فجيعتنا الماثلة في كل اتجاه.

 

إن مثل هذا الكلام الآن لا يعني أننا كُنا نرغب في الماضي المقيت برفقة اسوأ نظام عرفته البشرية، ربما. كما لا يعني أننا ننتقص من دم الشهداء والجرحى، على العكس من هذا وذاك. على هذه الحكومة الغبية أن تشعر المواطن البسيط بالتغيير الحقيقي. فلا يهمّه أن يسافر باقة الوزراء لعقد مؤتمرهم الأسبوع في عدن مثلا، أو تتحدث الحكومة عن طريق "السكك الحديدة" العملاقة.

 

يريد اليمنيون توفير الأمن وإحلال السلامة والهدوء في حياتهم بدلا عن كل هذه الجرائم المجانية المقيمة والمسافرة، بينهم صباح مساء. نريد أن نحصل على أبسط متطلبات الحياة من كهرباء وخبز ودواء. فالهُوّة تتسع بيننا، والطمأنينة بمستقبل أفضل. 

 

دعونا نعترف ولو لمرة واحده بأننا أخطأنا، وأنتم مصيبتنا التي تغنّينا بها ومن أجلها عام ونصف. يجب الآن أن نعترف بأننا قادرونا على نقدكم وتقويمكم -إن أردتم، أو سيجري تقديمكم للعدالة. وعليكم أن تُدركوا كما ساهمنا في دغدغة مشاعر الناس لم نجيد طيلة فترة الثورة وما تلاها غير إثارة المواطنين "بغلو بالغ". مرة لنيل رضاهم وأخرى لتصفيفهم. نقول لكم: إننا نمتلك من الشجاعة من يمكننا من إسقاطكم في وحل أعمالكم وتعريتكم للرأي العام، كما يجب. وبنفس الوسائل.

 

وكما خالطتنا البهجة في نهاية المطاف والجماهير في طريقها لتغيير قدرها، سكون لنا الفخر في استمرار توالد الثورات ضد كل فاسد خان الثورة وبات يتصرف من موقع دكتاتور جديد فاسد.

 

صدقوني بتنا نشعر اليوم عقب كل ذلك التهييج الشعبوي بالخوف أكثر من أي وقت مضى. لقد حصل في غياب المنهج الفعال. ليس بمعنى التنظيم والترتيب في الشكل أو الظاهر، ولكن من حيث المضمون؛ بما يجعل الناس تعرف ماذا تريد! وإلى أين تتجه، وأين ستستقر. أعتقد بأن اللحظة مواتية لأن نتكاشف وحماقة السياسيين الأوغاد، ونقول لهم بالصوت المليان إن لديهم نزوات فجة، إن تهافتهم هو نقيض الوعي، والمناصب هي السقوط في بركة دم الضحايا من الأبرياء. لكن لا يطهر الدم المنتهك من أجل الأوطان والتحرر من يعفر ضميره بالنقائص. لن تتطهروا بدم من سقطوا ودفعوا حياتهم ثمنا للتغيير، الآن عبر الشاشات والمؤتمرات وصالات الفنادق. لقد سلمنا بكل هذا الحس يوم سلمنا للميكرفونات بأن تستغل حناجرنا أن تنطلق في كل ما كان يعتقد بأنه صائب وبأنه من صلب الحقيقة، فيقال. بينما الحقيقية هو أنه ساد الهرج والمرج وجعلنا من ظهورنا وأكتافنا منابر بمنصات مرصعة للمكبرين والمهللين والمزايدين. كل الأصناف المضروبة والصالحة لـ"الثورجية" انطلقت حينها، فها هي تدهشنا اليوم بما تصدّره لنا.

 

المصدر أونلاين



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك