على الرغم من الصرامة التي تبدو عليها خطابات محمد مرسي وقراراته، إلا أنه من السذاجة التهور والقول إن الرجل الذي يقبع في مقر الاتحادية يمسك بمقاليد الأمور كرئيس منتخب.
المعارضون لمرسي لا يملون من الحديث عن مكتب الإرشاد والمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين بوصفهم حكام مصر الحقيقيين، وأن مرسي ليس أكثر من مندوب لهم في القصر الرئاسي الذي يتحول شيئاً فشيئاً إلى ثغر إخواني يتم الدّفاع عنه باستماتة غير مبررة. أما المؤيدون للعهد الجديد، فيرون أن الدولة العميقة التي تعبر عن المصالح القديمة غير المشروعة ما تزال تتحكم في مسار الأحداث، وأنها تعمل على عرقلة مسيرة الرئيس والديمقراطية معا.
دعونا لا نركن لمثل هذه الحجج التي يرفعها معسكرا التأييد والرفض، فهي شعارات أكثر منها حقائق، ولنسأل من الذي يحكم مصر؟. ودون أن يكون في الأمر جنوح نحو الفكاهة، يمكن القول إن التلفزيون في الوقت الراهن هو الحاكم الفعلي لمصر. ها كم أمثلة على ما قد يؤكد هذه الحقيقة المفزعة، أوقفت الحكومة المصرية قراراً بإغلاق المحلات التجارية عند الساعة العاشرة مساءً بعد حملة إعلامية شرسة، كذلك تراجع الرئيس المصري عن إصدار قانون الضرائب الذي شمل تعديلات ضريبية على خمسين سلعة بعد ساعات قليلة من الإعلان عنه بعد انتقادات قاسية وُجهت للقانون، ومع أن الرئاسة المصرية اعتبرت هذا التراجع بمثابة استجابة للمواطنين إلا أن الحقيقة تشير إلى أن هذا حدث بسبب الضغط الإعلامي الهائل الذي استغل الاحتقان الذي يسود الشارع المصري نتيجة صدور الإعلان الدستوري وإصدار قرار بإجراء الاستفتاء على الدستور المتنازع عليه بين القوى السياسية المصرية المختلفة، ومما يؤكد ذلك، أن القانون صدر ليلاً وتم تجميده ليلاً أيضا.
القوى السياسية هي الأخرى تبدو مرتهنة للابتزاز الذي تمارسه بعض التليفزيونات الخاصة المملوكة لبعض رجال الأعمال الذين لا يشعرون بارتياح لتصدر الأحزاب الإسلامية المشهد. لقد تعرض السياسيون الذين ينتمون إلى أحزاب ليبرالية ويسارية الذين قرروا الانفتاح على الإسلاميين لحملات تشويه وانتقاص، وتحت تأثير هذه الحملات تراجع العديد منهم عن أفكاره، بل إن البعض صار أكثر تشدداً في مواقفه، متبنياً دعوات فاشية، كالقول يجب "ترحيل الإسلاميين من مصر".
استطراداً، دخلت التلفزيونات الدينية في هذه اللعبة وأصبحت تتبنّى خطاباً سياسياً واضحاً يؤثّر على قرارات السياسيين الإسلاميين بشكل لا تخطئه عين. لقد اضطُر عدد من أعضاء الجمعية التأسيسية لوضع الدستور المنتمين للتيار السلفي للدفاع عن أنفسهم وانجازاتهم في الدستور، وبأنهم لم يفرطوا بالشريعة في القنوات الدينية بصورة مبالغ فيها.
وإذا كان هذا حال السياسة والسياسيين، فإن مؤسسة أمنية، كالشرطة، قررت هي أيضاً عدم ممارسة مهامها في التصدِّي للفوضى المنتشرة في البلاد خوفاً من مقدِّمي البرامج التلفزيونية، هذا ما يقوله علناً مسؤولو وزارة الداخلية المصرية.
وفي ظل تنامي سطوة التلفزيون وتأثيرها الكبير على مسارات السياسة، ربما سيحتاج المصريون وقتاً طويلاً للتخلّص من استبداد التلفزيون الذي يحاول أن يبدو قائداً ديمقراطياً فيما هو يأخذ شيئاً ليس من حقه، وهو العمل السياسي والتداول السلمي للسلطة، وقيادة الحكومات.



شارك برأيك