في ذلك الجزء الغربي من اليمن، وعلى بُعد (226) كيلو متراً من العاصمة صنعاء، تقع محافظة الحديدة الساحلية، التي تُشكل نسبة سكانها 11% من سكان الجمهورية اليمنية، وتحتل المرتبة الثانية من حيث عدد السكان بعد محافظة تعز، تختزلها مآسٍ ومعاناة وبؤس وحرمان توازي جبال تهامة الشامخات.
الزائر للمحافظة يدرك حجم المأساة التي يعاني منها أكثر من مليوني نسمة يقطنونها، حيث الفقر والمرض والبطالة والمجاعة، ضمن مساحة تقدر بـ117145 كيلومتراً مربعاً يتوزعون على (26) مديرية .
تستقبلك بوابة فخمة عند دخولك المدينة، ويستقبلك حراستها العسكريون الذين يحدقون في منظرك أكثر من تحديقهم على ما تحمل، نظرات غريبة، ومُريبة.
لا تزال بعض صور الرئيس السابق علي عبدالله صالح مُعلقة على بعض أعمدة الكهرباء والبنايات والجُدران، لكن صورة كبيرة للرئيس الحالي عبد ربه منصور هادي جوار البوابة طغت على كل اللافتات.
هتف أبناء محافظة الحديدة كثيراً للنظام السابق، لكنهم سرعان ما صرخوا في وجهه حين أعلن مجموعة من الشباب اليمني رفضهم للنظام مطلع العام الماضي، وشاركوا في إسقاطه، وهو ما قد يتوقع أن يحدث مع النظام الحالي إن استمر الحال كما هو، دون النظر في ما يعانونه.
الكهرباء والانقطاع المستمر
تطوّق المدينة الجائعة شركات ومصانع يمتلكها تجار أثرياء في البلد، وجدوا أراضي شاسعة ليقيموا عليها مصانعهم العملاقة جوار مساكن فقيرة لا تصل إليها الكهرباء، فيما تلك الشركات فقط تكون الإنارة على مدار الساعة دون توقف.
عند الساعة السابعة إلا رُبع مساءً تجاوزنا البوابة الرئيسية للمحافظة، وكانت شوارعها مظلمة عدا أنوار الدراجات النارية وبعض السيارات، هذا هو الوضع الغالب عليها منذ فترة - حسب قول السكان.
حاجة أبناء الحديدة للكهرباء يُضاهي احتياجهم للماء والأكل، كل شيء هناك حار، ويحتاج للتبريد. يقول سمير، أحد مالكي فندق على شاطئ البحر: "تتعطل مصالحنا ونخسر مئات الآلاف من جيوبنا، بسبب الانقطاع المستمر لخدمة الكهرباء".
جهود الحكومة الحثيثة التي كان آخرها توقيع رئيس حكومة الوفاق الوطني مع ممثلين عن السلطة المحلية بالمحافظة نهاية يونيو الماضي على اتفاقية لتوفير طاقة كهربائية إضافية بقدرة 60 ميغاوات، لم تنقذ مواطني الحديدة من الغرق في الحر، وكأن شيئا لم يحدث.
التسول .. الظاهرة المنتشرة
في حين تبحث الأطراف السياسية اليمنية عن نصيب أكبر يمثلها في مؤتمر الحوار الوطني يبحث غالبية أبناء الحديدة خصوصاً وتهامة عموماً عما يسد رمقهم ويشبع جوعهم.
الفقر الذي يتوغل في أعماق المدينة التهامية دفع بالكثير من الأسر للخروج إلى الشوارع والمطاعم والمنتجعات السياحية للبحث عن كسرة خبزٍ تعيد الحياة إلى أجسادهم النحيلة.
غالبية المتسولين ممن بلغهم الكِبَرُ عتيَّا، عزيزة أحمد التي تبدو في عقدها السادس تتحرك بخطىً متثاقلة في الأماكن العامة لتبحث عن "لقمة أمعيش"، وتضيف بلكنتها التهامية الحزينة ملوحة إلى بعض الأوراق التي تحملها "ابني في مستشفى الثورة بصنعاء مصاب بالصمامات، وأنا أطلب من الناس يهابون لي من حق الله أشقى على جهاله".
الفاقة وقلة المؤنة أجبر عزيزة على المغامرة بنفسها وسط حرارة الشمس الملتهبة مرتدية كوفية مصنوعة من الحصير، وتغطّي نصف وجهها، وهو السبب ذاته أجبر الشيخ المسن الحاج عبدالله قاسم على الاتكاء على عصاته والخروج في ذات المدينة وذات الجو يبحث عن "لقمة أمعيش"، أيضاً، ولا يختلف السبب أبداً عن خروج آخرين بالعشرات بل بالمئات من المحتاجين المعوزين الذين لم نقابلهم أو نصل إليهم.
الدراجات النارية مصدر الرزق الأهم
تشكل الدراجة النارية مصدراً مهماً لتغطية النّفقات الرئيسية لبعض الأسر في الحديدة، وتكتظ شوارع المدينة، وبالذات أمام أسواق القات والمؤسسات العامة والخاصة، بالموتورات التي تعتبر وسيلة نقل مهمّة في ظل نُدرة وسائل النقل الأخرى كـ"الباصات، والحافلات، وغيرها".
تقتات مئات الأسر من الدّخل المحدود الذي يجلبه "الموتور" أو "الدباب"، كما يحلو لهم تسميته، والذي لا يتجاوز 4500 ريال يومياً كحد أعلى -حسب قول أحدهم.
تنتظم تلك الدراجات على نفس الشاكلة التي تنتظم بها الباصات في صنعاء (فرزة)، وتكتسي بشرة سائقيها السواد علامة على المكوث الطويل والعمل الدؤوب في جو شديد الحرارة.
في الحديدة، تركب النساء الموتورات، لكن على نفس الطريقة التي يركبها الرجل في محافظة صعدة، فيما لا يشترط سائق الموتور مبلغاً معيناً عند النقل إلى مكان محدد، وحين يسأله الزبون: كم أهب لك؟ يرد: كم ما تشا؟
صمت حكومي قاتل
ما يضاعف المعاناة الشديدة التي تغلب على أبناء تهامة السكوت الرسمي للحكومة اليمنية، وتباطؤها عن وضع أي حلول للمشاكل المستعصية التي تفتك بالمواطنين (الفقر، المرض، البطالة، الأمية، انعدام الخدمات الأساسية)، كلها قضايا بمقدور الحكومة والجهات الرسمية حلّها أو على الأقل التخفيف منها. فموارد المحافظة (البرية والبحرية)، في حال وجود الإدارة النزيهة والعادلة، كفيلة بإعادة الروح المحشرجة إلى مكانها.
هل تشترط السلطات الحكومية لكي تستمع إلى أنّات وآهات المظلومين في المنطقة وجود حراك يطالب بإقليم تهامي يرفع علماً خاصاً به؟!
لن يصعب إسقاط حكومة تتآكل من الداخل على قبيلة كالزرانيق صاحبة التاريخ والنضال الطويل على الظلم والاستبداد لعقود من الزمن!!








شارك برأيك