هل هذا أفضل ما عند الرئيس؟

خلال الأسابيع الطويلة الماضية لم يكن شيء يجلب الإرهاق السياسي أكثر من مقاومة الشعور باليأس من الرئيس هادي. منذ فبراير الماضي، والطريقة التي يدير بها الرئيس البلد لم تكن كافية لتنقذ الآمال الكبيرة للثورة. وكان المتعقلون جداً، والنزقون جداً، الذين لا يتوقفون عن التبرير والتفسير، يثيرون الاحباط والغضب، واستدعاء الجن كلهم في لعنة طويلة على الجميع.

 

عندما أصدر الرئيس هادي قرارات الهيكلة، الأسبوع الماضي، لم يكن يعنيني منها ذهاب القادة العسكريين، "يشلوهم الجن"، لقد جاءت لتنقذ بعض الآمال التي علقتها ذات يوم عند الأخ المشير، وبقيت انتظر ما سيفعل وكأن كل شيء صار متوقفاً عليه.

 

مثل أي بني آدمي في هذا البلد، تحتاج إلى الشعور بالثقة تجاه رئيس الدولة، وبأنّ ما تحمست له ذات يوم وهتفت له لن يموت، وبأن هذا الرجل الذي يمتلك من الشرعية ما يكفي قادر على تهدئة مخاوفك من المستقبل، ومنحك ما يكفي من القرارات والإجراءات لتطمئن، تريد وأنت تمر بأحد الناس الطيبين أن يكون لديك جواب مقنع لسؤال لا يتوقف: "هيا ماعاد فعلتم يا أصحاب الثورة؟".

 

قرارات الهيكلة جيّدة، وتستحق بعضا من الفرح والكثير من التفاؤل، لكنها ليست كل شيء. ينتظر الرئيس قرارات كثيرة؛ ليقول لنا إنه قادر على إدارة البلد بالطريقة الصحيحة، بالوسيلة التي تتجنب على الأقل الأخطاء التي ثار الناس ضدها وقرفوها. أما الظروف التي يمر بها الرجل ومعه البلد والضغوط التي تحاصره من كل طرف والتركة الثقيلة للماضي التي تترصد طريقه وتوقعه في الكمائن والأشراك فهذا قدره، وعليه أن يتعامل مع هذا القدر بالطريقة التي تليق بالأقدار التي صنعها شعبه خلال الفترة الماضية، ثم هو رئيس الدولة وعليه أن يتحمّل مسؤوليته.

 

كتبت ذات مرة أن ثمة طريقةً بسيطةً لإدارة البلد: أن تتذكر ما كان يفعله الرئيس السابق ثم لا تفعل مثله أو تفعل عكسه، وأعرف اليوم أن الأمر ليس بهذه البساطة، هناك طريقة أفضل: وهي أن يستمر الرئيس هادي في معالجة الأخطاء التي ارتكبها صالح في زمنه، والواقع أن أكثر الأشياء التي قررها هادي وتركت انطباعاً مريحاً عند مواطنيه هي تصحيح الأخطاء الكبيرة للعهد الماضي، وإعادة الهيكلة هي معالجة لواحدة من أخطر الأخطاء تلك، وبإمكانه أن يستمر في ذلك.

 

هذا ليس أفضل ما عند الرئيس هادي، ويمكنه أن يستمر في اتخاذ قرارات شجاعة وجريئة، هو يحتاجها لإنجاح الحوار الوطني وتأكيد قدرته، ونحتاجها نحن لكي نشعر بالثقة وأن الأمل في مستقبل جيّد لهذه البلاد أمر ممكن، عبر رئيس لا تحتمل الظروف أن يكون مجرد رئيس فقط، بل صانع تحول تاريخي، في وقت مناسب قد لا يأتي مرة ثانية قبل أن يسيل الدّم مرات أخرى.

 

تقديري أن الأيام المقبلة سوف تشهد المزيد من القرارات، ذات العلاقة بالهيكلة، والمرتبطة بالتهيئة للحوار، وأرجو ألاّ يكون هذا التقدير خاطئاً، فقد سبق وأن توقعنا قرارات الهيكلة في أوقات سابقة، لكنها تأخرت.. مبعث هذا التقدير هو أن الوقت الراهن مناسب للتقدّم خطوات كبيرة في طريق التغيير، وبما يهيِّئ المزاج الشعبي للإيمان بجدوى الحوار، وبالتالي دعمه وتأييده، إذ يبقى هذا الأخير أهم وأخطر الاستحقاقات التي تنتظر اليمنيين في الوقت الراهن، وسيكون من سُوء الطالع الدخول في الحوار دون وجود مزاج متفائل تجاهه يزيد من حدة الخلاف وانعدام الثقة بين الأطراف.

 

مجرد آمال تجاه مستقبل لا يزال غامضاً، غير أن الرجل الذي نعتمد عليه أكثر في هذه المرحلة تصرف بشكل قوي في الأسبوع الماضي وهذا جيّد جداً، لكن لا يجب المبالغة فيه إلا بقدر ما يساعد الرئيس ويساعدنا على بناء الدولة، والخروج من الوضع الذي استدعى ثورة ذهب في سبيلها المئات من الشهداء.



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك