الجنوب يحتاج الكل!

لا أجد مبررا للحملة التي يتعرض لها «المؤتمر الوطني لشعب الجنوب» (مع تحفظي على التسمية)، الذي اختتم أعماله مؤخراً في العاصمة عدن، ومازالت آثارها وتداعياتها مستمرة بصورة تفصح عن حقيقة قبولنا بالآخر المختلف عنا في طريقة التفكير والأدوات المستخدمة والآليات المتبعة، ومدى قابليتنا لما يحملها من أفكار وما يعبر عنها من آراء.

 

اختلفت مع اللجنة التحضيرية للمؤتمر منذ لحظات تشكيلها، واعتذرت عن قبول عضوية اللجنة الإعلامية؛ لسبب بسيط يتمثل في تمسكي برؤية مؤتمر القاهرة المنعقد خلال الفترة 20-22 نوفمبر 2011، تحت شعار «معاً من أجل حق تقرير المصير لشعب الجنوب»، وهو المؤتمر الذي تفرق بعض أعضاءه بين مؤتمرات وتشكيلات أخرى، ليس لعدم اقتناعهم بـ«الرؤية السياسية الإستراتيجية لحل القضية الجنوبية» التي خرج بها المؤتمر، وإنما لرغبة تسكنهم في تسجيل حضور ذاتي في مختلف الفعاليات والتكوينات.

 

في سياق النضال المشروع لأبناء الجنوب لاستعادة دولتهم الضائعة، وفي إطار التنوع والتعدد الذي ننشده يحق لأي شخص أن يتأطر في المكون الذي يريد دون تعبئة أو توجيه أو وصاية، وله أن يحمل الفكرة التي يقتنع بها، وفي سبيل إقناع الآخرين بفكرته له الحق في استخدام كافة الوسائل المشروعة. ربما يرد احدهم هنا بالقول: نحن في مرحلة لا صوت فيها يعلو على صوت الاستقلال واستعادة الدولة ولا ينبغي لأحد أن يفكر خارج هذا المربع الذي رسمه الشعب. هو قول ينفي الآخر، وللأسف الشديد نجد من يسوّق له، بدلاً من إشاعة ثقافة الاختلاف والتنوع، والتي غُيّبت في الماضي، ويراد لها أن تظل مغيبة لنبقى أسرى للجهل والتعصب المقيت.

 

لو تعاملنا مع المؤتمر ومخرجاته، وقبلهما شخوصه في إطار فكرة التعدد، ووقفنا وقفة علمية ومنهجية أمام مخرجاته، واعتبرناه مكوّن جديد يضاف إلى ما هو موجود على الساحة الجنوبية، لما خرجت لنا تلك الحملة بمفرداتها التخوينية والتسفيهية التي ينبري أصحابها لتشويه كل صاحب رأي مخالف والتحذير منه، وكأنه سيسقط نضالاتنا وتضحياتنا وعلى يديه سيضيع مستقبلنا الذي لا يحرسه إلا شخص واحد، بات هو المخوّل بالحديث نيابة عن الجنوب وأهله، ممسكاً بشرعية لا شرعية لها.

 

اعتقد ان لمصلحة الجنوب ونضاله السلمي أن ينخرط أبناؤه في أشكال نضالية ومدنية مختلفة ومتنوعة والتباري بمشاريع سياسية تحدد أهداف وتطلعات كل منها، بدلاً من الغوص في ذوات بعضهم والتفتيش في الضمائر ونصب المشانق والمحاكم من الآن؛ لأن ذلك يتنافى كلية مع قيم التصالح والتسامح التي لم تتجسد بعد كسلوك حقيقي يضبط إيقاع تصرفاتنا وتعاملاتنا النضالية والحياتية، ويجعل شبح الماضي يلوح في الأفق بسبب سلوكيات كهذه، يفرح بها البعض ويغذيها ويشرب الأنخاب على سماع دويها في الشارع الجنوبي الذي بدأ يتعافى من جراح ماض لا ذنب للأجيال المتعاقبة فيه سوى جني ثمار علقمه.

 

تعدد المؤتمرات وتنوعها ظاهرة صحية تسهم في إخراج المشاريع السياسية والنضالية إلى النور أمام أنظار الجميع؛ لذا لا مبرر لهواجس الخوف، وكيل التهم، وتجريد أصحابها من روح الانتماء للجنوب الذي يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى لجميع أبنائه دون استثناء ليسهموا في رسم مستقبله وتقرير مصيره الذي لا يمكن أن يحدده شخص أو فئة أو منطقة مهما كان حجم التضحيات المقدمة أو قوة الحضور في راهن الفعل الثوري والسياسي الجنوبي، وعلى الجميع أن يعي تلك البديهية... وكفى.



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك