(جمعــة، امرأة من الماضي، صعدت فجــأة من قاع الذاكرة، حيث نامت هناك ما يزيد على خمس وثلاثين ســنة. لكن نومها هناك لم يمنعها من أن تعبر الزمان والمكان في رحلة العمر المتشــظي بحوافز الخوف والأوجاع والظلم والأحزان).
بهذا الصعود تبدأ رواية الدكتور ياسين سعيد نعمان «جمعة» والتي أعيد طباعتها مؤخراً ضمن كتاب مجلة الرافد الثقافية الذي يوزع مجاناً، أما الرواية فقد صدرت قبل سنوات من الآن، كما يبدو بجهد ذاتي من المؤلف، وقدم لها الدكتور سلطان الصريمي.
حسناً فعلت المجلة الإمارتية التي يرأس تحريرها اليمني الدكتور عمر عبدالعزيز، حيث تواصل دورها التنويري في نشر الكتاب وتوزيعه.
فإضافة إلى الأهمية الأدبية لهذا الرواية، فهي تجعلنا نكتشف جوانب أخرى في شخصية المفكر السياسي ياسين سعيد نعمان، وقد أضافت إلى جانب اسم الرواية الأصلي في طبعتها الأولى «جمعة» .. «ذات الأسماء الخمسة».
كانت قراءتي للرواية متزامنة مع أيام الثورة.. الأيام التي بها ضاقت الوسائل التي تصلنا بالعالم بسبب انطفاءات الكهرباء المزمنة وأمعن صالح في تمثل الشر، أهدى لي الرواية أحد الأصدقاء وبدأت بقراءتها.
قاومت محاولات الذاكرة، إحالتي إلى شخص الروائي وخلفيتي عنه، وترصُّد قصده من تلك الناحية حين كان يحكي عن بطلة الرواية «جمعة» التي تزوجت لأكثر من مرة، وكل زوج اختار لها اسماً جديداً وساعدني في ذلك ما لمسته من تدفق سردي مميز.
تفاجأت مما كتبه الدكتور ياسين، وكنت أحسبه غير قادر على إدهاشي وأنا أحيله قبل القراءة إلى عمله في السياسة وإلى فكره .. وكنت أكثر الكثير أتوقع سرداً يقترب من السياسة وقد حدث معي العكس.
يأخذنا الروائي إلى عالم مختلف لكن أماكنه معروفة، شوارعه نمر بها كل يوم، ويمكننا استنطاقها شارع علي عبدالمغني، حارة الخساف في كريتر، وكأنه يعيد استكشافها من جديد لم نرها نحن الذين مررنا بها!.
حين يلتقي العاشقان القديمان كنقطة يبتدئ منها الحكي يأخذهما ذهول اللقاء، فتجيب «جمعة ذات الأسماء» على ذلك الصوت الذي ناداها باسمها الأول، «كيف الدينا صغيرة، ووفية لما تشــتي تكون وفية»! إنه جدل يفنده العاشق في موضع آخر ليترك أسئلة في كل منعطف في الحكاية.
يدهشنا الدكتور ياسين وهو يحكي بسلاسة فقد تكون «جمعة» قصة فتاة، قصة وطن، وهي قصة العبور بحثاً عن ذات ما.
جمعة، بطلة نتعاطف معها، ولقصتها شبيه في كل مدينة وبيت، وداخل كل شخص، في كل وطن، أصبحت جمعة «جوهرة»، «فضيلة» و«آلاء» و«عهدة»، و«أصيلة»، وكل اسم يمثل مرحلة جديدة ومختلفة من حياتها.
حين تنتهي من الرواية التي لا تدعك حتى تكملها تردد مع بطل الرواية قائلاً: الأوقات الجميلة تمر بسرعة، إنها رواية جديرة بالقراءة وبتتبع نموذج يجمع بين الفكر السياسي والأدب.







شارك برأيك