في المرات العديدة التي تمر فيها أكبر أسرتين في القرية بخصام شرس، يتحول الرعية المساكين إلى ملائكة وشياطين عند بعضهم بعضاً، ليس بالضرورة أن يبدوا كذلك حين يلتقون في السوق، ولكنهم في مجلس الأسرة التي يصادف أن يخزّنوا في ديوانها يتحول إخوانهم في مجلس الأسرة الآخر إلى أشرار بينما هم (بالصلاة على النبي) أولياء وقديسون.
في العادة يحدث ذلك كثيراً، ذلك أنه لا تخلو قرية أو منطقة من أسرتين تتنافسان المشيخة على الرعية، وقد تتقاتلان عليها، ويسيل الدم في الغالب من رأس المواطن، وعادة ما تلتقي الأسرتان لتستثمرا الدم المسكوب، وقد تتصالحان أثناء دفن الضحية الذي يذهب دون عودة.
يحدث في البلاد كلها شيء قريب من الذي يحدث في القرية، يتورط الرعية المساكين في صراعات مراكز القوى، ويتحولون بفعل الاستقطاب الحاد إلى شياطين وملائكة دون أن يكلّفوا أنفسهم عناء البحث في إمكانية أن يكون الآخر مجرد بني آدم عادي وليس شيطاناً، أخطأ في التقدير فحسب، وقد تكتشف وأنت إلى جواره في مقيل أنه لا يختلف كثيراً عما تعتقده، وأنه مثلك حزين وساعات فرحه قليلة، وإن كان مزاجك جيداً لن تلبث أن تقول إنه يشبهك كثيراً.
ثم إن القصة كلها ليست في ضرورة أن يتفق الآخر معك، أو يقترب مما تتشيّع له، الفكرة الجوهرية هي في أنه ليس عدواً أو شريراً لمجرد اختلافه معك، أو لأنه ينتمي إلى الطرف الآخر.
أكتب الفقرة الأخيرة بفتور بارد، ولا أملك تعبيراً غيرها، فهي مثل كل ما نكثر الكتابة عنه، يتحول إلى شيء تقليدي غير ذي جدوى. المشكلة ليست في تنبيه الآخر إلى فكرة جديدة، ولكن إلى الدمار الذي يصيبنا في علاقتنا بالآخر اليمني دون أن نكترث لذلك.
في العادة تتحول أكثر القيم الذي نحتاجها بشدة في هذه اللحظات إلى مجرد شعارات ومهرجانات، وكتب الصديق محمد العلائي في صفحته على الفيس بوك: «التسامح مهرجان، العدالة مهرجان، الثورة مهرجان، الدولة مهرجان، الوحدة مهرجان، الحوار مهرجان، فك الارتباط مهرجان.. الحياة في المنطقة محمولة على عجلات التهريج ومشتقاته».
فكرة «الملائكة والشياطين» كانت حاضرة حتى في مهرجان التصالح والتسامح، الذي بدا عظيماً وحاشداً، لكن كما هو الحال في كثير من المناطق التي تشهد حشوداً مماثلة، يوجد دائماً داخل الحشد من يتربص بالآخر ويريد ان يفتك به، الآخر الذي يدعي أنه الفصيل الأحق بتمثيل القضية، أو الآخر الهمجي القادم من جبال الشمال. حدث ذلك في أفضل أوقات الحماس للقيم الكبرى، ففي أيام الثورة في ميدان التغيير دارت كثير من العراكات والاتهامات التي لم تنتهِ بين الرفاق المنادين بالتصالح والدولة الحديثة التي تحترم حرية الناس ومعتقداتهم.
شخصياً كنت أتمنى في ذكرى أليمة تصادف الثالث عشر من يناير أن يلجأ الناس إلى طرق مختلفة للتعبير في مثل هذه المناسبات، مثلما يحدث في المجتمعات التي عانت ذكريات مأساوية، مثلاً في مدينتي ناجازاكي وهيروشسما في اليابان: يتجمع الناس في ذكرى إلقاء القنبلتين، يوقدون الشموع ويصلون لأرواح الموتى، ويعملون على منع تكرار ما حدث.
مع ذلك أتمنى أن يدفع هذا الحشد بالإخوان الذي التقوا فيه إلى الابتعاد خطوة أخرى عن الأسباب التي أدت إلى حدوث الماساة قبل 27 عاماً، وأن يجد الإخوان المتحمسون للانفصال طرقاً جديدة لتحقيق آمالهم بعيداً عن شيطنة الآخر ومراكمة الضغينة لكل ما يمثله الآخر الذي لا يتفق معه.
أخشى دائماً من الاستقطابات الحادة، ومن تصنيف الناس وفق الطريقة المهلكة: «معي أو ضدي»، ومن أحد مذيعي قناة «اليمن اليوم» حين يتحدث عن الوحدة.
الوحدة في تقديري ليست شيئاً مقدساً، هذه «صناعة بشرية تقوم على أساس تحقيق مصلحة للناس، فإذا لم تتحقق هذه المصلحة جاز لهم البحث عن صيغ أخرى يتوافقون عليها لتحقيق مصالحهم» كما يقول الدكتور ياسين.
أخشى فقط من أولئك الذين يظهرون وحدويين أكثر من اللازم، او مطالبين بالانفصال كمسألة حياة أو موت، فقد مات الكثير، ولا داعي للمزيد.



شارك برأيك