لا ادري ما الذي ورطنا في ان نكون كتّاباً أو قراءَ في السياسة فقط، مع التحفظ على كلمة سياسة هذه، كونها لا تتصل، بأي حال من الأحوال، بما نلوكه يومياً في مقايلنا ومواصلاتنا العامة، لكنه في الأخير حكي سياسي او شيء قريب من هذا التوصيف.
لا أسوأ من أن تستخدم المقعد الأمامي لإحدى المواصلات العامة، وتكتشف أنك وقعت ضحية لسائق مهوس بالخوض في السياسة، دون أن يستند، بطبيعة الحال، إلى أي معيار سوى جرأته في الخوض بكل شيء، دون مراعاة مشاعر وعقل من يستمع إليه؛ فيحشرك في جدل حول تغيير علم الجمهورية واستبدال الطير الجمهوري بالهدهد، باعتبار ذلك أحد الحلول السحرية للقضية الجنوبية، وإسكات للمطالبين بالانفصال حسب وصفه.
في مواقع التواصل الاجتماعي، يحدث أن تجرب يوماً كتابةَ منشور عن الحب، جمال رمال الصحراء، او حتى عن فوائد الشاي الأخضر في تخفيف الوزن، لكنك لا تحصد اعجاباً واحداً، وان كان هذا الاعجاب ليس هدفك الأسمى لما تكتب، لكنه في نهاية المطاف يعني ان لا أحد تهمه علاقاته المستقبلية، ولا جمال الطبيعة، ولا حتى صحته، بقدر اهتمامه بمتابعة أخبار السياسة.
في هذه البلاد التي نُهبت، بكل ما تعنيه كلمة نهب من معنى، ترك النظام السياسي للناس حرية الخوض في أمور السياسة، أو الشأن العام، دون أن يكون لكل هذه المساحة من الأحاديث تأثير على صنع القرار السياسي.
هذه الخدعة التي كان النظام السياسي يروج لها، ويعتبرها منجزاً عظيماً من منجزاته الوهمية، ويستدل على ذلك بدول أخرى أكثر سوءاً منه في تكميم الأفواه وانتهاك الحريات.
نجح رأس الهرم في النظام السياسي إيهام الناس بخدعة الحريات هذه، واستمرأ الناس هذا الوضع سنين عديدة، نتيجة تفريغ شحنات الغضب أو « فشة غل».
أجاد النظام السابق مهارة إدارة الغضب بين أفراد المجتمع، ونجاحه هذا لا يعني انه وضع حلولاً لقضايا الوطن، بقدر ما هو تنويم أو مسكنات آنية؛ لذا كان يتعامل مع كل مشكلة من خلال تشكيل لجنة، تكتل، أو اتحاد، في سبيل امتصاص غضب الناس، دون أن يستفيدوا من تلك الحلول في شيء.



شارك برأيك