الاستثنائيون في موفنبيك!

في بلادنا بإمكان أي أحد من "أولاد الذين" أن يفعل ما يشاء، ومتى شاء، وأينما شاء، كونه ضمن قائمة "مجموعة الاستثناءات" المعمول بها في البلد.

 

من حقه أن يغلق الشارع ليقيم عرس نجله، وأن يُعلّق لوحات ضوئية، تبشر بقدوم الوالد من الحج أو العمرة، وكأن البلد يجب أن يتوقف ليتحركوا.

 

بمجرد مروره من الشارع العام، يفترض أن تتعطل الحركة، وان تُنحّى السيارات جانباَ، وأن تستجيب إشارة المرور لمزاج "الاستثناء"، كونه على موعد غداء في بيت "الاستثناء زعطان" في حي فلتان، وكل أحيائنا فالتة طبعاً!

 

تتقدمه وتتبعه شاص، مدججتان بالسلاح والمسلحين المقعّشين، وكلمة "المقعشون" هذه فيها رمزية للتضحية بكل شيء، يعترض طريقها، حفاظاً على روح "الاستثناء" المقدسة.

 

في موفنبيك، حيث ينعقد مؤتمر الحوار الوطني الشامل يُشارك معظم الاستثنائيين، يتبادلون الابتسامات والقبلات مع بعضهم، وتستهويهم كاميرات الصحفيين وحواراتهم وحفظ أرقامهم.

 

يلبسون بدلات إيطالية وربطات عنق متناسقة الألوان، لكنهم في حقيقة الأمر متناقضون تماماً مع ما يدعون إليه من دولة مدنية أو مواطنة متساوية، إذْ هم ضمن "مجموعة الاستثنائيين" التي تهدد مستقبل هذا البلد.

 

خارج قاعة المؤتمر، وأمام بوابة الفندق، تقف مليشيات مدججة بأحدث أنواع الأسلحة، يلوكون تساؤلا واحداً حول ما إذا كانت الجلسات انتهت أم لا، استعداداً للعودة، بما تعنيه من "هنجمة" و"نخيط " فوق عباد الله.

 

قلت لأحد مشايخ القبائل المشاركين في مؤتمر الحوار: هل لديكم استعداد يا شيخ للانخراط ضمن دولة مدنية، يصبح فيها الشيخ مواطناً عادياً؟ قال لي بالحرف الواحد: "أنا مستعد، شريطة أنْ يضع الآخرون سلاحهم (يقصد مشايخ آخرون خاض وإياهم حروباً)، وإلا فلن أكون أنا وحدي ضحية الدولة المدنية". توقفت، للأمانة كثيراً، عند كلمة ضحية هذه، لكنني أيقنت أن الرجل كان صادقاً في إجابته، إذْ الدولة المدنية لا تعترف بــ "مجموعة الاستثناءات" هذه، فالكل سواسية وفقاً لنظام الدولة المدنية.

 

وجود دولة مدنية، وتفعيل دور المؤسسات، هو واحد من المخاوف التي يضعها "الاستثنائيون" في حسبانهم، ويصنعون العراقيل في طريقها، لأنهم يعتقدون بأنها الوحيدة القادرة على سحب البساط من تحت أقدامهم، لصالح القوى المدنية.

 

وفي اعتقادي أن مشاركة "مجموعة الاستثناءات" هذه في مؤتمر الحوار ما هي إلا من باب إثبات مدى قدرة هذه القوى على فرض وجودها وحضورها في أي فعالية وطنية، وأنها ما تزال رقماً يصعب تجاهله، وليس من أجل شيء آخر.

 



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك