كانت ثورة 25 يناير 2011م علامة فارقة في تاريخ مصر لأنها أول ثورة تأتي برئيس شرعي منتخب من الأوساط المدنية، لذلك كان يطمح ويأمل المواطن المصري بل وكل مواطني العالم العربي بأن تكون تجربة مدنية خالصة بعيداً عن حكم العسكر الذي عاشه من قبل بل عاشه آباءهم قبل ذلك!، ويكفي أنها كانت في مصر ومعروف كم هي مكانة مصر في العالم العربي والإسلامي على حد سواء!..
وبغض النظر عن أن الرئيس المنتخب من جماعة الأخوان أو كان من غيره، فشعبه هو من اختاره ولذلك كان لزاماً – كم في كل نظام ديمقراطي - أن يمارس الرئيس المنتخب مهامه حتى انتهى فترة ولايته، رغم كل المؤامرات والدسائس التي واجهها الرئيس الشرعي محمد مرسي منذ توليه الحكم، ولم يكن أولها المحاكمة الصورية لرئيس النظام السابق وأركان حكمه وتبرئة أولاده وهم من غرقوا بالفساد حتى مفرق شعورهم، والمظاهرات التي كانت شبه يومية والجيش الذي لم يكن تحت أمرته بالمرة وجماعات الإرهاب المسماة البلاك بلوك وصنع الأزمات كقطع الماء والكهرباء حتى يبدو الرئيس فاشلاً أمام العالم وشعبه!.
وقد كانت خيوط مؤامرة الانقلاب تتضح يوماً بعد أخر، حتى توجت بإنقلاب ناعم قاده الفريق السيسي وزير الدفاع وكانت هناك أيدي خفية تعمل من تحت الكواليس للأنقلاب ضد الرئيس الشرعي لعل أبرزها محمد البرادعي والذي صرح لصحيفة الشرق الأوسط بأنه جاهد خلال الفترة السابقة ( قبل 30 يونيو) بإقناع أمريكا وأوربا بأن مرسي خطر على النظام الديمقراطي في مصر!. ولم تقتصر الخيانة على الداخل بل شاركت فيها دول إقليمية وعربية وكان لبعض قادة دول الخليج – للأسف الشديد- موقف مخزي جداً ولعل أبرز تلك الأدوار المخزية كان للأمارات والسعودية والكويت!.
قد يكون لبعض دول الجوار مبرر للوقوف ضد الرئيس الشرعي المنتخب كإسرائيل مثلاً بسبب العداوة التاريخية بين البلدين، وبسبب العلاقة القوية بين جماعة الأخوان المسلمين وبين حماس على اعتبار ان الرئيس مرسي جاء من بوابة الأخوان، وقد كانت السياسة المصرية بعد فوز مرسي داعمة بصورة علنية لحماس، وقد كان فتح معبر رفح بصورة دائمة أمام الفلسطينيين أول علامات تغيير السياسة المصرية أمام القضية الفلسطينية، وهو ما كانت تراقبه إسرائيل بحذر وتتحين الفرصة لإزاحة هذا الكابوس المسمى مرسي الجاثم على صدرها!، لكن ما ليس مبرراً هو وقوف بعض دول الخليج، إمام هذه التجربة الديمقراطية الوليدة، والتي كان نجاحها هو نجاح لهذه الدول بالمقام الأول، ولكن بما أنها أنظمة تسلطية في الأساس وغارقة في العمالة حتى الثمالة، فقد حاربت تلك التجربة محاربة شديدة منذ أول يوم أعلن فيه عن فوز مرسي، ولعل تصريحات قائد شرطة دبي ضاحي خلفان العدوانية ضد مرسي وجماعته منذ اللحظة الأولى لتسلمه السلطة في مصر يكشف ضيق قيادات تلك الدول بالسلطة الجديدة في مصر!.
كل ذلك العداء من تلك الدول يعتبر شيئاً مفهوماً ولكن غير المفهوم هو سلبية السلطة الشرعية في مصر ممثلة بالرئيس المنتخب محمد مرسي من كل تلك الأحداث والمؤامرات التي سبقت انقلاب 30 يونيو بقيادة الفريق السيسي، ورغم كل ما قيل ويقال عن فشل مرسي في مواجهة الانهيار الاقتصادي والمشاكل التي رافقت حكمه وهو ما عجّل بقيام ثورة 30 يونيو كما يقول مناوئوه، إلا أن ذلك ليس مبرراً لذلك السقوط السريع لمرسي. من وجهة نظري فأن الرئيس مرسي كان يعلم بخطورة الوضع في الشارع المصري، ويعلم أيضاً بقوة خصومه، ولكنه كان يثق بأن الأمور لن تصل إلى حد الانقلاب على حكمه على اعتبار أنه رئيس شرعي منتخب وقد جاء عبر انتخابات نزيهة وشفافة شهد لها العالم أجمع بذلك، وكان يرى أن تلك المشاكل والأزمات يمكن حلها عبر الحوار وأن أربع سنوات - وهي فترة ولايته -كافية لحل كل تلك المشاكل، ومما يؤكد كلامنا أنه بعد بيان الجيش والذي طلب من القوى السياسية إيجاد حل توافقي خلال 48ساعة وإلا فأنه سيتدخل (تدخل الجيش بعد ذلك ولكن لصالح طرف على حساب طرف أخر!)، وبعد إجبار السيسي للرئيس مرسي على التنحي صرخ مرسي بصورة هستيرية: (هذا إنقلاب)!. كم أكد بعض من حضر تلك اللحظة، وهو ما يدل على أن مرسي لم يكن يتوقع أن تصل الأمور إلى درجة الانقلاب العسكري!
مشكلة مرسي هو أنه ظن كما هو حال كثير من الطيبين أن خصومه يؤمنون بالديمقراطية والانتقال السلمي للسلطة، لذلك لم يعط الأمور حقها من اليقظة والصرامة فكان ما كان!. أو أنهم يؤمنون بديمقراطية على مقاسهم هم، أو كما عبر عنها الإعلامي الكبير فيصل القاسم متهكماً: نعم لدخول الإسلاميين الانتخابات، لا لفوزهم فيها!.
الوضع في مصر مرشح للتصعيد أكثر وأكثر، خاصة وأن هناك معلومات حول أن الرئيس المحتجز محمد مرسي قد دخل مرحلة الإضراب عن الطعام، وأنصاره يملئون ساحات المحافظات ولن يعودون إلا بعودته كما يقولون، رغم كل الإرهاب والقمع الذي يمارس ضدهم، يقابله الدعوة الحمقى التي وجهها الفريق السيسي للمواطنين المناوئين لمرسي بالخروج يوم الجمعة الماضية للرد على ما أسماها «دعوات العنف والإرهاب» كما زعم، وهي دعوة للفتنة بين أبناء الشعب الواحد من رجل كان ينبغي أن يكون أخر من يدعو لذلك!.. بقي سؤال يحيرني: أين الرئيس المؤقت عدلي منصور من كل ذلك؟!.



شارك برأيك