كان الثائر ينام في ساحات الحرية والتغيير، وكانت القبائل المرابطة على تخوم العاصمة صنعاء، وبقايا مدن اليمن، يتقاسمون السهر، حرارة الشمس، وشظف العيش.
لقد دفعت القبيلة اليمنية ثمناً غالياً نتيجة وقوفها إلى جانب عملية التغيير، وقدّمت الكثير من أبنائها في سبيل حماية ثورة الشعب السلمية.
لذا، فالأصوات المنادية اليوم بحل القبيلة أو بـ«شيطنتها» هي تهدف في الأساس إلى تقويض هذا المكوِّن الاجتماعي، الذي غالباً ما ناصر الحق، ووقف في وجه الباطل، في أكثر من موقف على مدى تاريخنا اليمني القديم والحديث.
في المقابل، هناك من ينادي بإصلاح القبيلة وصهرها في إطار الدولة، وهذا مطلب يلتف حوله الكثيرون إذْ لا يمكن القبول أن تبقى القبيلة أقوى من الدّولة، أو أنْ تشكّل دولة داخل دولة، بل من الواجب أن تخضع القبيلة لسلطة القانون، وأن يُنظم موضوع المشيخ في شخصيات وطنية ومشهود لها بالانتماء الحقيقي لهذا الوطن، وأن تحدد صلاحياتها بحيث لا تتعارض مع الدستور والقانون.
وفي الكثير من البلدان العربية، ما تزال القبيلة حاضرة وبقوة، حتى في المشهد السياسي كالكويت والأردن مثلاً، لكن الفارق بيننا وبين أولئك أن سلطة الدولة هناك قوية لذا لا تحضر القبيلة إلا في حدود ما يسمح لها القانون ودستور البلد به.
في اليمن لا تشكّل القبيلة عقبةً في وجه دولة المؤسسات، بل بالعكس، فغياب الدولة هو ما جعل أعراف القبيلة هي الحاكم الفعلي، ولولا وجود أسلاف القبيلة لتعطلت حياة الناس، هذا ليس مبالغةً، فالقبيلة تحل ما نسبته 70% من قضايا الناس عرفياً، وهذه ليست مشكلة القبيلة، ولا حتى المشايخ، بل هي مشكلة غياب سلطة الدولة وغياب تفعيل دور القضاء العادل والنزيه.
لقد ظُلمت القبيلة كثيراً في مجتمعنا، رغم أنها بريئة من كل ما علق بها جراء تصرفات بعض المشايخ الذين فرضتهم السياسة على القبيلة، وكثيرٌ من هؤلاء لم تتفق القبيلة على تنصيبهم، وإنما نصّبهم المال السياسي الذي كانت تنفقه «عصابة المركز» لتتويج هؤلاء حتى يضمنوا من خلالهم أصواتاً انتخابية فقط.
وخلاصة القول، إننا محتاجون، في مجتمع تتفشى فيه الأمية، إلى القيام بدور تنويري لهذا المكوّن الكبير من مكوِّنات شعبنا وهو القبيلة، لكنها ليست بهذا السّوء الذي يحاول البعض أن يلصقه بها.



شارك برأيك