اليمن الذي يجهله الأمريكيون

  

حتى وقت قريب، لم يكن غالبية الأمريكيين تعلم أن هناك دولة تدعى اليمن . وحتى بعد أن أصبح اسم اليمن يردد بكثرة في نشرات الأخبار، لا يزال معظم الأمريكيين يجهلون موقع اليمن على الخريطة، وليست لديهم أي فكرة عن جغرافية أو تاريخ أو ثقافة اليمن . مؤخراً، أصبح ذلك البلد، الذي يتسم بطبيعة جبلية ويقع في الركن الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة العربية، يردد بكثافة في وسائل الإعلام الأمريكية التي تصفه ب “ملاذ” الإرهابيين، وتتهم زعماؤه الدينيين باستثارة النشاطات الإرهابية .
 
في أواخر ديسمبر/كانون الأول الفائت، وبعد أيام من محاولة تفجير طائرة ديترويت الفاشلة، التي نفذها شاب نيجيري قيل إن له صلة بخلية للقاعدة في اليمن، طالب السيناتور جو ليبرمان بالقيام بغارات وتوجيه ضربات عسكرية على ذلك البلد المثخن بالفقر . وفي هذا السياق، استطيع القول إن آراء ليبرمان مفرطة في السذاجة . وتعكس جهلاً عاماً وعدم معرفة بمنطقة شبه الجزيرة العربية عامة، واليمن خاصة . وتعبر وجهة نظر ليبرمان المتطابقة مع آراء أخرى شائعة في دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، عن قصر نظر وعجز عن إيجاد حلول وسياسات بديلة للتعاطي مع المنطقة العربية .
وعلى سبيل المثال، اغارت الولايات المتحدة مؤخراً على المتمردين الحوثيين في الشمال، وعلى معاقل القاعدة في الشرق، ونجم عن هذه الغارات مقتل العشرات من المدنيين .
 
ومن المستبعد أن تؤدي مثل هذه الغارات والهجمات الى ازالة القاعدة أو سحق المتمردين الحوثيين . وفي الحقيقة فشلت الغارات على القاعدة في تحقيق هدفها الرئيسي وهو تصفية أنور العولقي . والأمر المؤكد على أية حال، هو أن مثل هذه الغارات تعمل على تقوية العناصر المتشددة في المجتمع اليمني، وتشجع المجموعات المنشقة التي تمتلك مبادئ وأسس ايديولوجية مختلفة على ايجاد هدف مشترك يتمثل في الدخيل الأجنبي .
 
وبالنسبة لي، كانت المرة الأولى التي اتعرف فيها الى اليمن عندما بدأت بمعاشرة المجتمع اليمني الأمريكي، عندما انتقلت مع عائلتي للعيش في جنوب شرق ديربورن بالقرب من مصنع فورد روج، وكان ذلك في العام 1970 . حينذاك أجّرت صاحبة البناية التي كنا نقيم فيها وكانت أمريكية من أصل لبناني غرفتين لرجلين يمنيين . وكان هذين الرجلين “محمد وصالح” يعملان في مصانع السيارات، وكانا يقتران على نفسيهما ويرسلان معظم ما يتحصلان عليه من نقود لأسرتيهما في اليمن . و لما كنت آنذاك انثروبولوجياً طامحاً ذهلت عندما علمت أن اليمن احدى أكثر الدول المجهولة والأكثر فقراً على وجه الأرض . ودهشتي مبعثها انني كنت أرقب الرجلين القادمين من ذلك البلد وهما يعملان بجد واجتهاد، ويتعاونان في الذهاب للعمل بالسيارة يومياً، وكانا يذهبان لعملهما المسائي بعد أن يطهيا طعامهما المكون من اللحم والخبر، ويعودان للمنزل ليلاً ويعاودان الكرة في اليوم التالي، وهكذا كانا يعملان بهذا النهج يوماً بعد يوم بلا كلل أو ملل . وكانا يقضيان عطلتهما الأسبوعية في المقهى يلعبان الورق ويثرثران مع اصدقائهما . وكانا يسافران لليمن كل بضع سنوات، حيث يقضيان أشهر عدة ينفقان فيها كل مدخراتهما ثم يعودان للولايات المتحدة للانخراط في العمل مرة أخرى . وفي النهاية احضر هذين الرجلين أسرتيهما وتحول مجتمعهما من مجتمع رجلين عازبين الى مجتمع عائلي تمدد لأجداد وأحفاد .
في يناير/كانون الثاني ،1974 سافرت برفقة زوجتي وطفلي الاثنين لليمن، لكي أدرس عن قرب أثر تحويلات ونقود المهاجرين في ذلك البلد . وأقمنا في مدينة تعز وظلت تعز قاعدتنا في الأشهر ال 19 التالية . وقد عدنا لليمن مراراً وتكراراً في العقد التالي “عقد الثمانينات” . وفي النهاية امضينا ستة أعوام في تلك البلاد الجميلة الفاتنة . وكل اليمنيين الذين التقينا بهم عدا استثناءات قليلة كانوا كرماء وطيبين، ومتسامحين ومنفتحين . وساعدونا كي نجد منزلاً دائماً لنا، ومدرسة لابنتنا، ورحبوا بنا في مدينة لم تكن حينذاك تضم سوى بضعة عشرات من الاوروبيين . وأعانني الأمريكيون ذوي الأصول اليمنية الذين كانوا يعيشون في تعز، على إجراء بحثي ودعوني لزيارة منازلهم في الريف .
 
وفي فترة لاحقة سافرت لوحدي الى مناطق نائية وقصية في اليمن وكنت اجول فيها مشياً على قدمي، أو استقل سيارة أجرة أو حافلة نقل عام، أو بسيارة رباعية الدفع . خارج المدن اليمنية لا توجد فنادق أو نزل صغيرة “موتيلات”، وقد كان الناس يستيضيفونني بانتظام، وكانوا يغضون الطرف عن هيئتي الغريبة عنهم، شعري وبشرتي الشقراوين، محياي الاسكندنافي، ملابسي المغبرة وتلعثمي في اللغة العربية .
 
وكان اليمنيون لا يبالون بكل ذلك، بل كانوا يقدمون لي أفضل ما عندهم من طعام وإذا هممت باعطائهم نقوداً، كان مستضيفي يعتبر ذلك إهانة بالغة .
 
ولا بد أن اذكر ايضاً أن إحسان اليمنيين كان تقديره مضاعفاً بالنسبة لي، ذلك لأن اليمنيين وعلى الرغم من كرمهم وطيبتهم، إلا أنهم ابعد الناس عن التذلل والخنوع في تعاملهم مع الأجانب . حيث لم يسبق أن صمد احتلال في بلادهم، ويستميت اليمنيون في الدفاع عن حريتهم واستقلاليتهم وينطبق ذلك حتى على حكومتهم المركزية .
 
واليمنيون لا يكرمون أو يستضيفون أحداً بدافع الخوف منه . ويقبلون الناس بناء على ما هم عليه، وليس ما يمثلونه . واليمنيون يحترمون كثيراً من الأشياء التي يقدمها الغرب، ولكنهم لا يحملون أي أوهام مضللة في ما يتعلق بتفوق الحضارة الغربية التي وكما نعلم جميعاً فيها كثير من النقائص والسلبيات .
ولكن ما الذي تغير وجعل بعض اليمنيين أكثر تشدداً؟
 
أحد الأسباب هو أن تعداد سكان اليمن قد تضاعف ثلاث مرات خلال العقود الثلاثة الفائتة، والآن يقترب من ال 23 مليون نسمة ونصف الشعب اليمني من الفئة العمرية ما دون العشرين عاماً . ودخل الفرد اليمني ضعيف، والعطالة مرتفعة وهذا يعني أن كثيراً من الشباب صغار السن فقراء، وعاطلون، ولديهم تصورات متشائمة حول مستقبل حياتهم في اليمن . كما أن فرص هجرتهم للولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، والسعودية، وأي مكان آخر، تناقصت وضعفت بشدة .
 
ولأن موارد اليمن شحيحة وأرضها قاحلة، ظلت الحكومات المركزية ضعيفة . وتعتمد اليمن على عائدات البترول والمساعدات الدولية، ويبدو أن وحدة البلاد خلال العقود الثلاثة السابقة كانت تميل نحو التماسك المصطنع بفضل إعادة توزيع للموارد من القمة للقاعدة .
 
ومع تقلص عائدات البترول وتنامي تعداد السكان، لم يعد لدى الحكومة المركزية الكثير لكي توزعه أو تعيد توزيعه على شعبها الذي يتزايد باطراد، وتزايد بالتالي نفوذ وقوة بؤر القوى القبلية والعشائرية في اليمن حيث المجتمع يقوم أساساً على القبائل والعشائر .
 
وفي الوقت ذاته وفر عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي بيئة وأرضية خصبة، لنمو العناصر والقوى الديماغوجية التي تعد بيوتوبيا مستقبلية، أساسها العودة لأحكام وقواعد الماضي .
 
عدم الاستقرار والقلاقل في اليمن كما في أي مكان آخر في العالم الإسلامي والعربي، تنتج غالباً عن أفعال الولايات المتحدة وحليفتها في المنطقة “إسرائيل” .
 
وعندما يسمع الأمريكيون أن الطائرات الأمريكية قصفت معاقل مشتبهاً فيها للقاعدة في اليمن، أو أن “إسرائيل” قصفت غزة، نادراً ما يعرض التلفزيون الأمريكي صوراً للضحايا الأطفال المضرجين بالدماء، ولا يعرض صور القتلى من النسوة والرجال المسنين . واليوم اخترق التلفاز كل ركن من أركان العالم، ويشاهد اليمنيون في معظم القرى النائية مشاهد يومية لأناس يشبهونهم تماماً يتعرضون للقصف والقتل في العراق، وفلسطين المحتلة، وأفغانستان، وفي بعض الحالات تثير هذه الصور والمشاهد الحنق والسخط، وغالباً تثير الرعب، والحيرة والذهول والحزن .
 
وفي الأسبوع الفائت، التقيت بصديق يمني اعرفه منذ 40 عاماً، قال لي صديقي اليمني: “أنا احب أمريكا، لماذا يكرهنا الأمريكيون؟ حقاً لماذا؟” .
 
استطيع أن اقول، إن الولايات المتحدة تتصرف دائماً من منطلق خوف وقلة معرفة بالأوضاع والظروف المحلية، والعلاقات الاجتماعية والحقائق السياسية . واعتقد أن قوة الولايات المتحدة مهدرة ومنصبة على أفعال انتقامية طائشة وردات فعل لا تصنع شيئاً سوى قتل الأبرياء .
 
واعتقد أن غالبية اليمنيين ظلوا طيبين، كرماء، ومضيافين، ويفضلون السلام على الحرب .
 
سيمون ويل الفيلسوف الفرنسي الذي عاش في القرن السابق، قال أن تحب جيرانك هذا يعني أكثر من مشاعر دافئة خفيفة تكنها لهم، حبك لجيرانك “أو نظرائك” يعني معاملتهم وكأنهم يتمتعون بنفس القوة والمزايا التي تمتلكها . ويمكنني أن اضيف أن حب الآخرين يعني ايضاً ترك البرود واللامبالاة وتقبل تبعات أفعالنا .
والإيمان بأن جيشنا العملاق يجعلنا نتصرف بحرية مطلقة، ونعربد كما نشاء ثم نفلت من أي تبعات أو نتائج، إيمان مضلل متغطرس .
فالولايات المتحدة لا يمكنها قصف أفغانستان، والعراق، وإيران والصومال أو اليمن ثم تنعم هي أو هذه الدول بالسلام . وهذا ما تفعله “إسرائيل” التي تقصف وتقمع الفلسطينيين وتعتقد أنهم سيقبلون احتلال ومصادرة أراضيهم وطمس حياتهم .
 
تجاهل الحقوق الشرعية للفقراء والضعفاء وعدم الاكتراث بمآسيهم وآلامهم، يكلفنا ثمناً باهظاً ويعرضنا لأخطار بالغة في اليمن أو في أي مكان آخر . والانتصار الحقيقي يتحقق عندما تتحلى الولايات المتحدة ويتحلى شعبها بالشجاعة ويقدمان حلولاً وتطلعات ترتكز على العدالة بدلاً من العقاب المبني على الجهل وتوأمه الخوف .
وإذا واصلت أمريكا نهجها الحالي ستخسر الشعب اليمني، كما فعلت في العراق وأفغانستان .
 
باحث في علم الاجتماع والأنثربولوجيا، امضى في اليمن ستة أعوام في الفترة من 1974 حتى ،1984 وفي 1980
•صدر مؤلفه البحثي “الهجرة والتنمية الاقتصادية: اليمن نموذجاً” .
• حالياً يترأس منظمة “سبيلنا” السلمية في ديترويت
 
الخليج

 



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك