العسكر والربيع العربي

إن ما حدث في مصر يوم 30 يونيو و3 يوليو ليس حديثاً عابراً إنما هو امتداد لصراع مرير يخوضه الشعب العربي في مصر لأكثر من سبعين عاماً، وفي طليعته الحركة الإسلامية للتحرر من ظلم وطغيان وعنجهية العسكر.

 

فالقضية لا تتعلق بحركة "الإخوان المسلمين" أو حزب الحرية والعدالة وصعودها إلى سدة الحكم بل تتعداها إلى مسألة هيمنة جنرالات الجيش على المشهد السياسي وبقاء جمهورية مصر العربية الدولة العربية الأكبر والأكثر تأثيراً على مجريات الأحداث في المنطقة والعالم خارج المشهد السياسي والاقتصادي والخوف من نجاح التجربة الديمقراطية الوليدة في مصر ونجاح الإسلاميين من تسخير موارد وطاقات مصر إلى بناء نهضة اقتصادية وصناعية وزراعية كُبرى وتأثيرها على المحيط والعالم، وهذا ما كانت مؤشراته قد بدأت تلوح في الأفق من خلال زيادة إنتاج مصر للقمح خلال عام واحد إلى خمسمائة بالمائة، مقارنة بالأعوام السابقة، وكذلك خطط إعادة تأهيل قناة السويس لرفع دخلها السنوي إلى مائة مليار دولار بدلاً من مليار دولار واحد، وكذا تنمية صحراء سيناء ودمجها كلياً بالوطن الأم وتحويلها إلى رافد اقتصادي وأمني لمصر.

 

وهو بالفعل ما أفزع اليهود والأمريكان والجيران العرب على السواء للأسف البالغ، وما يحدث بمصر هو نموذج عملي لإنجازات حكم العسكر، وأنا أسمع خطابات الفريق السيسي وهو يقول: "جيش مصر بطل، أسد، والأسد ما يأكل أولاده"، ويا للهول، ها نحن نشاهد أسد الجيش المصري البطل يذبح من أبناء شعبه خلال شهرين ما يقارب خمسة آلاف شهيد وعشرين ألف جريح وآلاف المعتقلين؛ أي بطولة تلك يا جيش مصر العظيم ما هذا الفخار!

 

ولو راجعنا تاريخ جيش مصر والجيوش العربية ماذا حققت للأمة خلال القرن العشرين والواحد والعشرين، ترى أن جيش مصر العظيم مع بقية الجيوش العربية الجرارة حققت نكسة 67 تلك الهزيمة النكراء التي لازالت الأمة تجر أذيال الخيبة حتى اللحظة، وتحولت بعدها إلى حارس أمين لحدود الكيان الغاصب لأرض فلسطين، باستثناء نصر محدود حققه الجيش المصري في حرب أكتوبر 73، تحول بعدها النصر إلى هزيمة، وتحول الجيش المعادي إلى صديق حميم.

 

هذه هي الجيوش العربية، وهذا هو حكم العسكر، فتصوّر معي أخي القارئ الكريم أن دولاً عربية مثل ليبيا كانت تعيش على بحيرة من النفط وعدد سكانها لا يتجاوز خمسة ملايين نسمة ومساحته تصل إلى أكثر من مليون كيلومتر، والكثير من أبنائه يعيشون في الصفيح يكسوهم الجوع والفقر والعوز، والعسكري الملهم القائد الفذ ملك ملوك أفريقيا والعالم صاحب الهوس الأخضر كان يبدد أموال شعبه شمالاً ويميناً ليبحث عن الهليمان والجاه لم يأنْ يوماً لأنين شعبه، ولا يسهر يوماً لحاجة أمته، بل إنه عندما انتفض أبناء الشعب الليبي مطالبين بحُريتهم استخف بهم ومثّلهم كمجموعة من الجرذان لا تستحق الحياة، ولولا التدخل الإلهي، وتهيئة الدعم الأوروبي والأمريكي لنصرة الثورة الليبية لذبح شعبه بالملايين - لا قدر الله.

 

وما هو حاصل في مصر وليبيا وسوريا ليس بعيداً عن كثير من الدول العربية، فالجزائر الأرض ولكن ما فيها من ثروات لا تكفي لتملأ جيوب العسكر.

 

وكثير من الدول العربية لديها ثروات طائلة لا تمتلكها شعوبها، فهي بيد إما دكتاتوريات عسكرية أو أسر طائفية أو مشيخات وممالك تمتلك الأرض والإنسان، وليس أمام الشعوب العربية لكي تعيش إلا أن تخضع وتخنع لحكم الطغاة والكهنة والسفاحين راضية بقدرها ومصيرها المحتوم، وإذا فكّرت يوماً أن تعيش مثل بقية شعوب الأرض فالموت والبطش والتشريد ينتظرها.

 

منهم من أمه يهودية، أخواله بنو صهيون، ومنهم من أمه نصرانية، أخواله جيم وبيل، ومنهم من أصوله مجوسية، ومنهم من لا نعرف له نسباً ولا صهراً.

 

ولا أخفيك أخي القارئ الكريم أنّي اشعر بالخجل من نفسي أننا -نحن اليمانيين- أصحاب الحضارة والتاريخ حكمنا عسكري لأكثر من 33 عاماً لا نعرف اسمه ولا نسبه، وسيأتي الزمن بما هو أسوأ عن حكامنا وهوياتهم. فالربيع العربي هو الشمعة المضيئة في وسط الظلام الدامس. والواجب على الأمة جمعاً أن تقف وقفة رجل واحد كي لا ينطفئ الضوء ويعود حكم العسكر من جديد.

 



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك