حنبة.. الفيدرالية!

ها هي الفيدرالية؛ وهي ما تزال في عالم الغيب؛ تصير مشكلة يمنية بعد أن كان يقال لنا: إنها الحل الأبلج، واقبلوا بها وإلا سيأتي يوم تندمون عليها.. فلما قبلتها الأغلبية اتضح أن الفيدرالية مثل الأبواب السحرية.. كلما فتحت باباً وجدت بعده باباً.. وهكذا دواليك حتى نجد أنفسنا.. في رواندا أو جنوب السودان!

 

وإذا صح ما نشر عن مواقف الأحزاب الرافضة للاتفاق الأخير لتقديم حلول حاسمة للقضية الجنوبية من خلال تحديد عدد الأقاليم؛ فهذا معناه أن الفيدرالية سوف تكون سبباً في عرقلة الحوار لمصلحة الرافضين للانتهاء منه وليس لمصلحة من يزعمون أنهم حريصون على إنصاف الجنوب والجنوبيين مما تعرضا له من تهميش وإقصاء.. أو كما يقولون!

 

  في الخبرة الإنسانية إنه طالما هناك خلافات عميقة حول شكل الفيدرالية؛ فإن الموقف السليم والأقل كلفة هو إغلاق النقاش حولها، وتحويل الخلاف إلى خلاف سياسي تحسمه الأيام والبرامج الانتخابية من خلال الأدوات الديمقراطية؛ بمعنى آخر: فطالما أن الجميع في مؤتمر الحوار يؤمنون بالوحدة فليحتفظ كل برأيه حول شكل الدولة المفضل عنده، وليبقَ نظام الدولة على أساس الحكم المحلي الحقيقي وزيادة لكل محافظة، وعلى المتمسكين بخيار الفيدرالية من أي نوع أن يناضلوا سياسياً وسلمياً لتحقيق أهدافهم، ويجعلوها على رأس  خطابهم السياسي والإعلامي، والبند الأول في برامجهم الانتخابية بوضوح ودون فلسفة (من حق دماج!) حتى إذا حصلوا على الأغلبية الشعبية في الانتخابات التي تمكنهم من تعديل الدستور على مقياس مشروعهم الفيدرالي؛ عملوا على تنفيذه كما يريدون، وحينها لن يقول لهم أحد: كخ!


هذا هو السبيل السليم لتجاوز العقدة الآن طالما أن الأغلبية لا توافق على فيدرالية الإقليمين ولا على مشروع المؤتمر.. وعلى الأخوة في الاشتراكي والمؤتمر ألا يضعوا عقبة في الطريق، ويعلنوا أنهم لن يكونوا عقبة أمام الأغلبية لكنهم سوف يناضلون لتحقيق أهدافهم سلمياً؛ أحدهم لتطبيق فيدرالية الإقليمين، والآخر لإلغاء الفيدرالية القائمة أياً كان عددها!

 •••

لا أحد يدري ماذا سيأتي به المستقبل؛ فقد يكتشف الناس أن الخير في غير كل هذه المشاريع المطروحة، ومن العيب أن نكرر أخطاء الماضي فيتمترس البعض خلف بيضته وإلا هدد وتوعد، وبشر بالرعب والمخاوف إن لم يستجب لرأيه!

 

ومن المفارقات أن الفصيلين اللذين ظهر بالأمس أنهما يرفضان حل الفيدرالية من حيث المبدأ أو تلك ذات الأقاليم الستة أو الخمسة هم الذين كان لهم شرف التأسيس الفاشل لسلطة ما بعد وحدة 22 مايو.. ولو لم ينفردوا بالسلطة والثروة يومها، ولو لم يُقْصُوا ويهمشوا الآخرين.. ولو تواضعوا يومها وأشركوا الجميع في ترتيبات الوحدة والنظام الجديد بنيات سليمة تسمو على المصالح الحزبية والخاصة.. لو حدث كل ذلك لما كنا في هذا الوضع البائس الذي وصلنا إليه.. والمصيبة أنهم هم الذين يعاندون اليوم ويريدون تكرير فشل الأمس، وكل طرف منهم يظهر أنه الأحرص على الوطن والوحدة، وان مشروعه هو الذي لا يأتيه الباطل من الشمال أو الجنوب!

 

لو أنصف هؤلاء الأخوة شعبهم ووطنهم من أنفسهم لما أصروا على العناد والمكابرة وكرروا فعلتهم القديمة، ولفعلوا كما فعلت الأم الحقيقية في قصة النبي سليمان مع المرأتين اللتين تنازعت كل واحدة منهما أمومة الطفل، فقضى سليمان الحكيم بأن يقطع الطفل إلى قسمين لتأخذ كل واحدة قسماً منه؛ لكن الأم الحقيقية رفضت هذا الحل القاتل وتنازلت عن طفلها لخصمها حفاظاً على حياة ولدها.. وهؤلاء لو كانوا حريصين على الوحدة والفيدرالية لقبلوا برأي الأغلبية ولو كانت لا ترضيهم طالما أنها تبقي الوحدة وشكلاً من الفيدرالية، وعملوا كما سلف على تحقيق أهدافهم وقناعاتهم بالأسلوب السياسي السلمي؛ فربما اقتنع الشعب مستقبلاً أن مشروع هذا الطرف أو ذاك يستحق التجربة.. وربما اقتنعوا هم أن الواقع أفضل للجميع!

•••

الجرائم تحيط باليمنيين من كل جهة؛ من تنظيم القاعدة إلى الحوثيين إلى بقايا النظام السابق إلى الحراك المسلح الانفصالي! وأسوأ ما فيها أن بعضها يجد من يخفيه عن الأنظار إعلامياً! ومن هذا النوع ما يقوم به الفوضويون في المحافظات الجنوبية من تعدٍّ على الأبرياء، وإحراق إطارات السيارات في الشوارع وتلويث الهواء والمواطنين، وكأن القضية الجنوبية تنتصر بذلك، والتعدي على ممتلكات الناس من أبناء المحافظات الشمالية، وفرض ما يسمى بالعصيان المدني بالقوة والترهيب، وإغلاق المدارس والمصالح الحكومية غصبا عن أي سلمية!


هذه الممارسات يقوم بها طرفان؛ عصابات الحراك المسلح التي يؤتى بها من المديريات المقدسة، وعصابات النظام السابق التي يمولها قيادي مؤتمري يحشد فيها المهمشين بألفي ريال للواحد!

 

أسوا هذه الممارسات وأكثرها حقداً ضد أهالي عدن: تعطيل الدراسة وإغلاق المدراس في الوقت الذي يسمع الناس أن مدراس المحافظات الأخرى المقدسة تعمل كالعادة.. وقد وصل الجنون إلى حد غير مسبوق في أي بلد.. أقصد إلى العناية الطبية الأولية.. فالأطباء الذين ضربوا أروع الأمثلة في التفاني لخدمة المرضى يجبرون أحياناً على الخروج من غرف العمليات.. وفي الأسبوع الماضي؛ الأحد 15 ديسمبر؛ اقتحم ممرضون ومعهم مرافقون مسلحون غرفة الطوارئ في المستشفى الجمهوري، ومنعوا الممرضين من تقديم خدمات الطوارىء لثلاثة من المرضى كان واحد منهم في حالة حرجة جداً بل كان يحتضر، وقاموا بإخراج إسطوانات الأكسجين وحاملات المحاليل ووضعها في غرفة وإغلاقها بحجة أنهم مضربون عن العمل لعدم استلامهم التسويات (التي لم يستلمها معظم موظفي الدولة منذ 2005)، ودون تقدير أن العمل قد يحتاج إليها في لحظة ما! وقد حدث أنهم رفضوا إحضار ملاية لستر مريض أحتاج لعملية قسطرة بول أعزكم الله فاضطر مرافقه أن يغطيه بالمشدة!

 

 هذه معلومات مؤكدة أهديها لأصحاب العنتريات في مؤتمر الحوار الذين يبدو أنهم يحاورون على طريقة: علينا وعلى أعدائنا يا يمن، ويريدون أن يحققوا كل أهدافهم الخاصة اليوم وإلا فالدمار حق على اليمن واليمنيين!

   



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك