بعد عقود من التهميش القسري والتجويع والنهب، يبدو أن الأقدار في طريقها لإنصاف مدينة الحديدة، بعد أن خذلتها كل الحكومات المتعاقبة. الاضطرابات التي تعيشها مدن الجنوب، وخصوصاً عدن، عاد بالنفع الكبير على الحديدة. المدينة التي كان النظام السابق ينظر إليها باعتبارها دائرة انتخابية مغلقة فقط، ولا يتذكرها اليمنيون سوى باعتبارها "محافظة المجاري"، تستفيد من تردي الأوضاع في عدن، وتنافس بعد سنوات من الموت.
الهاربون من البرد كل عام، مثل هذه الأيام الى عدن، اكتشفوا هذا العام ان هناك مدينة، وعروس البحر الأحمر، تمتلك نفس مواصفات ثغر اليمن الباسم: روعة الجو واعتداله، شواطىء أجمل، وفوق ذلك الأمان. ميناء الحديدة الذي كان قد تحول الى مخزن، عادت اليه روحه هذه الأيام وبات يستقبل السفن. حتى تجار المحافظة الذين كانوا ينقلون بضائعهم الى ميناء عدن وينقلونها الى الحديدة بواسطة شاحنات، تذكروا ان محافظتهم تمتلك ميناء أيضاً. الفنادق أيضاً باتت ممتلئة بالسياحة الداخلية، والشواطئ كأنها في يوم عيد.
لو حصلت الحديدة على ربع الاهتمام الذي حظيت به عدن، وثُمن الاعتمادات التي تحصل عليه أمانة العاصمة، لأصبحت مدينة شتوية للوطن العربي وليس لليمن فقط، ولتحولت الى ميناء اقتصادي عالمي، وستسحب البساط على عدن بهدوء. هذا ليس استغناء عن خدمات عدن مع الاضطرابات الحاصلة، لكنها فرحة بعودة الروح للحديدة المدينة المطبوعة في أذهاننا بانها موطن "العُشش"، باتت أكبر مدن الجمهورية التي تضم مشاريع مدن سكنية ضخمة. في الحديدة عشرات من رؤوس الأموال البارزة، لكن للأسف جميعهم كانوا حيتاناً.
كل تاجر يبتلع في معدتة مديرية كاملة دون أن يرويها حتى بقطرة ماء، يكفي أنها في كرشة. كل تاجر حوت كبير يسحق ويدهس الحيتان الصغيرة. بعد الاضطرابات الأخيرة، والفدرلة المنتظرة، سيعرفون ان الحديدة حق. لكن لا بد من الاهتمام بها أكثر. حتى تعود للحديدة روحها، لابد من إعادة كل الأراضي المنهوبة، والمزارع التي ابتلعوها. في كل بقعة من السهل التهامي جرح غائر، وفي كل متر مربع بصمة ناهب. حتى المحافظ أحمد الحجري، الذي قاد المحافظة لأشهر فقط، قام بتسليم نجله العاطل عن العمل جبالاً كاملة ومساحات واسعة في الصليف من أجل الاستثمار في الملح. أنصفت الأقدار الجديدة مبدئياً، فمتى سيتم الاقتصاص لها بشكل تام، وإعادة كل ما نهب منها، وإعادة الاعتبار لها كلياً، كمستقبل للبلد، أو لنصف البلد ان مرت السكين؟



شارك برأيك