مقالات نهاية العام 2013

مقالات نهاية العام 2013

ينشر «المصدر أونلاين» مجموعة مقالات كتبها مسؤولون كبار حول العالم لُتشكل وجبة دسمة لمحبي الاطلاع على الأحداث في العالم وقراءة آراء النخبة فيه بمناسبة انتهاء العام 2013.

 

المقالات، التي نشرتها في الأصل صحيفة «الجريدة» الكويتية بالتعاون مع مؤسسة «بروجيكت سنديكيت»، كتبها نخبة من القادة ورؤساء الحكومات والمفكرين والكُتاب والسياسيين والخبراء الاستراتيجيين والاقتصاديين البارزين على مستوى العالم.

 

ويُقيم الكُتاب أحداث عام 2013 وأزماته وتطوراته، ويرصدون من خلال المقالات تداعيات الأحداث وأبعادها وتأثيراتها الاستراتيجية والجيوسياسية والاقتصادية والمالية على العالم الذي استقبل عامه الجديد 2014.

 

وهذه الدفعة الأولى من المقالات التي يُعيد «المصدر أونلاين» نشرها:

 

ما الذي تريده إيران؟

حسن روحاني

عندما خضت حملتي الانتخابية مرشحاً لمنصب رئيس إيران، وعدت بتحقيق التوازن بين الواقعية والسعي إلى تحقيق المثل العليا للجمهورية الإسلامية- وقد حصلت على دعم الناخبين بفارق كبير. وبحكم التفويض الشعبي الذي حصلت عليه، فأنا ملتزم بالاعتدال والحس السليم، وهو ما تسترشد به كل السياسات التي تنتهجها حكومتي. وقد أدى هذا الالتزام بشكل مباشر إلى الاتفاق الدولي المؤقت الذي تم التوصل إليه في نوفمبر في جنيف بشأن برنامج إيران النووي. وسيستمر هذا الالتزام في توجيه عملية صنع القرار في إدارتنا في عام 2014.

 

وفي ما يتصل بالسياسة الخارجية، فإن حكومتي تنبذ أي نهج متطرف. فنحن نسعى إلى إقامة علاقات دبلوماسية فع�'الة وبناءة ونركز على بناء الثقة المتبادلة مع جيراننا والمنظمات الإقليمية والدولية الفاعلة، وهو ما من شأنه أن يمكننا بالتالي من توجيه سياستنا الخارجية نحو التنمية الاقتصادية في الداخل. وتحقيقاً لهذه الغاية فسنعمل على إزالة التوترات في علاقاتنا الخارجية وتعزيز روابطنا مع الشركاء التقليديين والجدد على حد سواء. ومن الواضح أن هذا يتطلب بناء الإجماع في الداخل وتحديد أهداف شفافة- وهي العملية التي تجري حالياً.

 

وفي حين نحرص على تجنب المواجهة والعداوة، سنسعى بنشاط أيضاً إلى تحقيق مصالحنا الأكبر. ولكن لأن العالم أصبح مترابطاً على نحو متزايد، فلن يتسنى لنا مواجهة التحديات إلا من خلال التفاعل والتعاون النشط بين الدول. ولن تتمكن أي دولة بمفردها -بما في ذلك القوى الكبرى- من معالجة التحديات التي تواجهها بفعالية.

 

والواقع أن لحاق الاقتصادات النامية والناشئة السريع بالركب يشير إلى أن الثِقَل الاقتصادي الكلي لهذه الاقتصادات يوشك أن يتجاوز نظيره الذي يتمتع به العالم المتقدم. فمن المرجح أن تشكل البلدان النامية والناشئة اليوم ما يقرب من 60 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2030، مقارنة بنحو 40 في المئة في عام 2000، وهو ما من شأنه أن يمكنها من الاضطلاع بدور أكبر كثيراً على الساحة العالمية.

 

وفي هذه الفترة الانتقالية، تستطيع إيران أن تعزز من دورها العالمي. وقد أظهرت انتخابات هذا العام، التي شهدت إقبالاً من الناخبين اقترب من 75 في المئة، كيف تقترب ديمقراطيتنا الدينية من النضوج. وبفضل الثقافة الإيرانية وحضارة إيران القديمة، واستمرار الدولة لفترة طويلة، والموقع الجيوسياسي، والاستقرار الاجتماعي في وسط الاضطرابات التي تشهدها المنطقة، والشباب الجيد التعليم، يصبح بوسعناً أن ننظر إلى المستقبل بثقة، ونطمح إلى الاضطلاع بالدور العالمي الكبير الذي يستحقه شعبنا- الدور الذي لا يستطيع أن يتجاهله أي طرف فاعل في السياسة العالمية.

 

ونحن ندرس أيضاً كيفية إعادة بناء وتحسين علاقاتنا الثنائية والمتعددة الأطراف مع أوروبا وأميركا الشمالية على أساس من الاحترام المتبادل. وهذا يتطلب تخفيف حِد�'َة التوترات وتنفيذ نهج شامل يتضمن العلاقات الاقتصادية.

 

وبوسعنا أن نبدأ بتجنب أي توتر جديد في العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه نسعى جاهدين إلى إزالة التوترات الموروثة التي تستمر في تلويث العلاقات بين بلدينا. ورغم أننا قد لا نكون قادرين على نسيان عدم الثقة والشكوك التي طاردت نظرة الإيرانيين لحكومات الولايات المتحدة على مدى الأعوام الستين الماضية، فيتعين علينا الآن أن نركز على الحاضر، وأن نتطلع إلى المستقبل. وهذا يعني الارتفاع فوق مستوى السياسات التافهة وحمل زمام الريادة بدلاً من التبعية لجماعات الضغط في البلدين.

 

وفي اعتقادنا أن التعاون في ما يتصل بالقضايا ذات الاهتمام المشترك من شأنه أن يساهم في تخفيف التوترات في منطقتنا أيضاً. وهذا يعني مواجهة أولئك في الولايات المتحدة ومنطقتنا الذين يسعون إلى صرف الانتباه الدولي عن القضايا التي يتورطون فيها بشكل مباشر، ويحاولون منع إيران من تعزيز مكانتها الإقليمية. ومن خلال تقليص احتمالات التوصل إلى اتفاق تفاوضي دائم بشأن برنامجنا النووي، فإن مثل هذا السلوك يزيد من احتمالات استمرار المواجهة بين إيران والولايات المتحدة.

 

إن منطقتنا تتصارع أكثر من أي وقت مضى مع الطائفية، والعداوات، والأرض الخصبة الجديدة المحتملة للتطرف والإرهاب. ومن ناحية أخرى، فإن استخدام الأسلحة الكيماوية أخيراً في سورية من الممكن أن يطارد شعوب المنطقة سنوات عديدة. ونحن نعتقد أن صوت الاعتدال في المنطقة من الممكن أن يؤثر في مثل هذه الظروف على مسار الأحداث بشكل بن�'اء وإيجابي.

 

لا شك أن الاضطرابات في البلدان المجاورة تؤثر على مصالح العديد من الأطراف الإقليمية والعالمية، والتي يتعين عليها أن تعمل بشكل متناغم من أجل ضمان الاستقرار الطويل الأمد. والواقع أن إيران بوصفها قوة إقليمية كبرى على استعداد تام للتحرك في هذا الاتجاه، ولن تدخر جهداً لتسهيل الحلول. لذا فإن أولئك الذين يصورون إيران كأنها تمثل تهديداً ويسعون بالتالي إلى تقويض مصداقيتها الإقليمية والعالمية لابد أن يكفوا عن ذلك- لمصلحة السلام والهدوء في المنطقة وخارجها.

 

وإنني أشعر بانزعاج شديد إزاء المأساة الإنسانية في سورية والمعاناة الهائلة التي تحملها الشعب السوري لما يقرب من ثلاث سنوات. والواقع أن حكومتي التي تمثل شعباً عانى فظائع الأسلحة الكيماوية أدانت بشدة استخدامها في الصراع السوري. ويساورني القلق أيضاً من تحول بعض المناطق في سورية إلى أرض خصبة لتوليد الايديولوجيات المتطرفة ومنطقة تجمع للإرهابيين، وهو ما يذكرنا بالوضع الذي كانت عليه حدودنا الشرقية في تسعينيات القرن العشرين. وتشكل هذه القضية أهمية كبرى بالنسبة لبلدان أخرى كثيرة أيضاً، والتوصل إلى حل سياسي دائم في سورية يتطلب التعاون وبذلك الجهود المشتركة.

 

ولهذا، يسعدنا أن تكون الغَلَبة في عام 2013 للدبلوماسية في مواجهة التهديدات بالتدخل العسكري في سورية. وينبغي لنا أن نبني على هذا التقدم، وأن ندرك أن سورية في حاجة ماسة إلى الجهود الإقليمية والدولية المنسقة. ونحن على استعداد للمساهمة في جلب السلام والاستقرار إلى سورية في سياق مفاوضات جادة بين أطراف إقليمية ومن خارج المنطقة. وهنا أيضاً، يتعين علينا أن نمنع المحادثات من التحول إلى لعبة محصلتها صفر.

 

ولا يقل هذا صدقاً عندما نتحدث عن برنامج الطاقة النووية الإيراني السلمي، والذي خضع لقدر هائل من الضجيج والمبالغة في العقود الأخيرة. فمنذ أوائل التسعينيات، كانت التكهنات تلو الأخرى بشأن مدى اقتراب إيران من امتلاك القنبلة النووية تبرهن على أنها كانت بلا أي أساس من الصحة. وطوال هذه الفترة، حاول محترفو التهويل والتخويف رسم صورة لإيران كأنها تمثل تهديداً للشرق الأوسط والعالم.

 

ونحن نعرف جميعاً من هو المحرض الرئيسي، وما الأغراض التي يخدمها تضخيم هذه القضية. ونحن نعلم أيضاً أن هذا الادعاء يتقلب بالتناسب مع كم الضغوط الدولية الرامية إلى وقف بناء المستوطنات وإنهاء احتلال الأراضي الفلسطينية. ولكن تستمر هذه الإنذارات الكاذبة رغم تقديرات الاستخبارات الوطنية الأميركية التي تؤكد أن إيران لم تقرر بناء سلاح نووي.

 

والحق أننا ملتزمون بعدم العمل على تطوير وإنتاج قنبلة نووية. وكما أعلنت الفتوى الصادرة عن المرشد الأعلى آية الله على خامنئي، فإننا نعتقد بقوة أن تطوير وإنتاج وتخزين واستخدام الأسلحة النووية يخالف تعاليم الإسلام. ونحن لم نفكر حتى في خيار امتلاك الأسلحة النووية، لأننا نعتقد أن مثل هذه الأسلحة قد تعمل على تقويض مصالحنا الأمنية الوطنية؛ ونتيجة لهذا فإن الأسلحة النووية لا مكان لها في العقيدة الأمنية الإيرانية. وحتى مجرد التصور بأن إيران قد تنتج الأسلحة النووية قد يضر بأمننا ومصالحنا الوطنية في المجمل.

 

أثناء حملتي الانتخابية، ألزمت نفسي ببذل قصارى جهدي للتعجيل بالتوصل إلى حل للمواجهة بشأن برنامج الطاقة النووية الإيراني. وللوفاء بهذا الالتزام والاستفادة من نافذة الفرصة التي أتاحتها الانتخابات الأخيرة، فإن حكومتي على استعداد تام لبذل كل الجهود الممكنة في السعي إلى التوصل إلى حل دائم مقبول لدى جميع الأطراف. وكمتابعة لاتفاق نوفمبر المؤقت فنحن على استعداد لمواصلة العمل مع مجموعة (الخمسة زائد واحد) (البلدان الخمسة الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإضافة إلى ألمانيا) وغيرها بهدف ضمان الشفافية الكاملة لبرنامجنا النووي.

 

إن القدرة النووية السلمية التي نجحنا في بنائها ستستخدم في إطار ضمانات معترف بها دولياً، وستكون متاحة للمراقبة المتعددة الأطراف من قِبَل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما كانت الحال في السنوات القليلة الماضية. وبهذه الطريقة يصبح بوسع المجتمع الدولي ضمان الطبيعة السلمية الخالصة التي يتسم بها برنامجنا النووي. نحن لا نعتزم التخلي أبداً عن حقنا في الاستفادة من الطاقة النووية؛ ولكننا على استعداد للعمل نحو إزالة أي غموض والإجابة عن أي سؤال معقول عن برنامجنا.

 

بيد أن استمرار الضغوط ولي الذراع والتخويف وفرض التدابير الرامية إلى منع إيران من الوصول إلى نطاق كامل من الضرورات - من التكنولوجيا إلى الأدوية والمواد الغذائية- من غير الممكن أن يفضي إلا إلى تسميم الأجواء وتقويض الظروف اللازمة لتحقيق التقدم.

 

كما أثبتنا في عام 2013، فإن إيران على استعداد تام للانخراط بجدية مع المجتمع الدولي والتفاوض مع محاورينا بكل النوايا الحسنة. ولا نملك إلا أن نتمنى أن يكون نظراؤنا أيضاً على استعداد للاستفادة من هذه الفرصة السانحة.

------------------

 

هل تغيرت إيران؟

تركي الفيصل*

مع إقبال عام 2014، لم يعد هناك سؤال في الدبلوماسية العالمية أكثر أهمية من هذا: هل تغيرت إيران؟ منذ انتخابه في شهر يونيو أظهر الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني موقفاً أكثر اعتدالاً في علاقات بلاده الدولية، ولكن الحذر مطلوب- الآن وفي السنوات المقبلة. الواقع أن إيران ثانية أكبر منتج للنفط في العالم، والتي نصبت نفسها زعيمة للإسلام الشيعي والثوريين المسلمين المناهضين للغرب في كل مكان، تظل تشكل تهديداً ليس للمملكة العربية السعودية فحسب، بل للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط وخارجه، أيضاً.

 

هناك تخوفان كبيران يؤرقان المملكة العربية السعودية بشأن الجمهورية الإسلامية: سعيها إلى امتلاك الأسلحة النووية وتدخلها في شؤون جيرانها.

 

فبادئ ذي بدء، تشكل الجهود الإيرانية الرامية إلى إنتاج الأسلحة النووية خطراً هائلاً، وإذا تُرِكَت هذه الجهود بلا ضابط أو رابط فمن المرجح أن تكون سبباً في إشعال شرارة موجة من الانتشار النووي في أنحاء الشرق الأوسط المختلفة، ففي مواجهة إيران المسلحة نووياً، لن تجد بلدان مجلس التعاون الخليجي، على سبيل المثال، بُداً من وزن خياراتها بعناية ودقة- وربما الحصول على قوة ردع نووي.

 

ورغم أن كل البلدان لديها الحق في تطوير برنامج نووي مدني- نحن السعوديين لدينا برنامج خاص بنا- فإن محاولات إيران الرامية إلى امتلاك الأسلحة النووية لم تجلب إلى البلاد شيئاً سوى المشقة والبلاء، ومن المؤسف أن العقوبات الاقتصادية المتزايدة الشدة التي يفرضها المجتمع الدولي على إيران فشلت حتى الآن في ردع طموحات زعمائها، وإذا أثبت روحاني أنه غير راغب أو غير قادر على هندسة تغيير المسار، فما الذي يمكن القيام به غير ذلك؟

 

إن شن ضربة عسكرية أحادية الجانب قد ينطوي على عواقب وخيمة، ونظراً للطريقة البائسة التي يتعاطى بها الرئيس الأميركي باراك أوباما مع الأزمة في سورية، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد يقرر أنه لا خيار أمامه سوى التحرك منفرداً، والواقع أن المتشددين في إيران قد يرحبون بضربة إسرائيلية، بل قد يسعون حتى إلى استفزازها، كوسيلة لحشد تأييد الشعب الإيراني لهم.

 

ولكن هناك وسيلة أفضل لمنع انتشار الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل في المنطقة: إنشاء "منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل" تقوم على نظام للحوافز يتضمن تقديم الدعم الاقتصادي والفني للبلدان التي تقرر الانضمام للمنطقة، فضلاً عن ضمانات أمنية تقدمها الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وينبغي للمنطقة أيضاً أن تفرض عقوبات اقتصادية وسياسية على الدول التي تختار البقاء خارجها، هذا فضلاً عن- ومرة أخرى بدعم من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن- فرض عقوبات عسكرية على الدول التي تحاول إنتاج أسلحة الدمار الشامل.

 

إن حيازة إيران الأسلحة النووية تفضي بالضرورة إلى مضاعفة التخوف الرئيسي الثاني لدى المملكة العربية السعودية: سياسة الحكومة الإيرانية في زعزعة استقرار البلدان المجاورة. كانت إيران تستخدم مثل هذه التكيكات منذ عام 1979، عندما تولى آية الله روح الله الخميني السلطة وبدأ بتصدير ثورته الإسلامية إلى أنحاء العالم الإسلامي المختلفة، وقد استهدف النظام الإيراني تحديداً البلدان ذات الأغلبية الشيعية، مثل العراق والبحرين، وتلك التي تضم أقليات شيعية كبيرة، مثل الكويت ولبنان واليمن، وتحتل إيران أيضاً ثلاث جزر إماراتية في الخليج (وهي السياسة التي ترفض مناقشتها) كما بدأت فعلياً غزواً لسورية.

 

ومن عجيب المفارقات أن إيران هي أول دولة تؤكد مبدأ عدم التدخل عندما تشتبه في تدخل دول أخرى في شؤونها الداخلية، وينبغي لها أن تمارس ما تعظ به، فإيران ليس لديها أي حق في التدخل في الدول الأخرى، وبوجه خاص كل الدول العربية.

 

كان تأثير هذه السياسة مدمراً، ففي أعقاب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة، تحول العراق، البلد الذي يتمتع بشعب متنوع واسع القدرات والذي قد يعود ذات يوم إلى دوره المحوري في المجتمع العربي، إلى ملعب للنفوذ الإيراني، والآن أصبح عدد كبير للغاية من العراقيين مدينين تماماً بالفضل للجمهورية الإسلامية، فنحن نعرف، على سبيل المثال، أن جنرالاً إيرانياً بعينه كان يتفاوض بالنيابة عن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لدعم الشيعة والفصائل الكردية.

 

ولا يبشر هذا النفوذ بالخير بالنسبة إلى مستقبل العراق كدولة متنوعة عرقياً ودينياً، ولا يمكن السماح له بأن يستمر، والواقع أن هذا أحد الأسباب التي دعت المملكة العربية السعودية إلى الحفاظ على مسافة متساوية من كل الفصائل العراقية، والسبب وراء كوننا البلد الوحيد الذي لم يرسل سفيراً دائماً إلى إيران، ورغم ذلك فإننا سوف نعمل مع الشعب العراقي بكل ما نملك من سبل لتشجيع نهوض العراق عضواً مستقراً بن�'اءً ومستقلاً في العالم العربي.

 

وكان النفوذ الإيراني في البحرين، أقرب جاراتنا، مدمراً على نحو مماثل، فكان "حزب الله" في البحرين، والذي أنشأه الخميني، مصدراً للدعاية الإيرانية في برامج مذاعة موجهة إلى البلاد، والواقع أن المسؤولين الإيرانيين كثيراً ما يعلنون أن البحرين محافظة إيرانية، وقد دعمت المملكة العربية السعودية المفاوضات السلمية مع المحتجين في الشوارع في البحرين، كما قدمت للبلاد مساعدات اقتصادية كبيرة لتحسين الحياة هناك، ولكننا لن نقبل أبداً استيلاء إيران عليها.

 

والصورة أشد قتامة في سورية، حيث بلغ الدعم الإيراني للرئيس بشار الأسد منذ بداية الحرب الأهلية في البلاد حد العمل الإجرامي الذي يستوجب محاكمة قادة إيران في المحكمة الجنائية الدولية، كما أصبح لبنان جار إيران الغربي خاضعا على نحو متزايد للنفوذ الإيراني، حيث يدفع "حزب الله" المدعوم من إيران هناك البلاد إلى شفا حرب أهلية أخرى.

 

والسؤال الرئيسي الآن هو ما إذا كان روحاني جديراً بالثقة؛ لقد رحب العاهل السعودي الملك عبدالله بانتخاب روحاني وتمنى له التوفيق، على أمل أن يسمح له هذا بالإفلات من براثن حاشية المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي المتطرفة والحرس الثوري.

 

لكن قوى الظلام في إيران راسخة، ولا يزال إرث طموحات الخميني التوسعية قوياً كأي وقت مضى، حتى إذا كانت نوايا روحاني صادقة فإن جهوده، كتلك التي بذلها الزعيمان الإصلاحيان السابقان محمد خاتمي وأكبر هاشمي رافسنجاني، قد تُحبَط بفعل الأيديولوجية المتشددة التي لا تزال تهيمن على طهران، ونحن على استعداد للتعامل مع أي من الاحتمالين، وينبغي للعالم أيضاً أن يكون مستعداً.

 

* رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وقد شغل سابقاً منصب مدير عام المخابرات العامة في المملكة العربية السعودية في الفترة 1977- 2001، وكان سفير المملكة إلى بريطانيا والولايات المتحدة.

---------------------

 

المكسيك تجتاز مرحلة حرجة

 إنريكو بي�'نا نييتو

كانت سنوات من المشاحنات السياسية والحكومات المنقسمة سبباً في إضعاف مؤسسات الدولة في المكسيك، الأمر الذي أعاق بشكل كبير من قدرتها على الوفاء بالتزاماتها لمواطني البلاد: في تعزيز النمو الاقتصادي، وخلق فرص عمل مجزية، وتوفير التعليم الجيد والخدمات الاجتماعية، وضمان السلامة العامة، لكن كل هذا بدأ يتغير بفضل الإبداع السياسي الذي وح�'د الزعماء السياسيين في المكسيك حول أجندة إصلاح مشتركة.

 

في عام 2012 خضت حملة الانتخابات الرئاسية على وعد بتحويل المكسيك إلى دولة أكثر حداثة وديناميكية وقدرة على المنافسة، دولة قادرة على المنافسة والنجاح في القرن الحادي والعشرين، ومن أجل تحقيق هذه الغاية فقد وعدت بإصلاحات بنيوية كبرى. وبعد فترة وجيزة من دعم أغلبية الناخبين في المكسيك لترشيحي في صندوق الانتخابات، التقى فريقي مع زعماء القوى السياسية الرئيسة الثلاث في البلاد لتحديد أجندة إصلاح مشتركة ووضع إطار تعاون لتنفيذها، وكانت النتيجة التوصل إلى اتفاق سياسي حول خطة عمل واضحة وشاملة تتألف من 95 نقطة، والمعروفة الآن باسم "ميثاق من أجل المكسيك".

 

تنص بنود الميثاق على تنفيذ إصلاحات بنيوية كبرى اتفقت كل الأطراف على دعمها عند بداية عمل الإدارة الحالية، وستعمل حزمة الإصلاحات التعليمية، التي وافق عليها الكونغرس بالفعل، على تحسين جودة التعليم وتشكيل رأس المال البشري في أنحاء البلاد المختلفة، وسيتم تقييم المعلمين وإدارة المدارس بقدر أعظم من الاستقلالية، وستعمل لجنة مختصة بالتميز الأكاديمي كعمود فقري لنظام التعليم العام.

 

وبنفس القدر من الأهمية، ستعمل إصلاحات قطاع الاتصالات على توسيع التغطية وخفض أسعار المستهلك وتحسين جودة الخدمات، ومن خلال السماح بنشوء أسواق أكثر انفتاحاً وتمهيد الساحة للجميع على قدم المساواة، فإننا نسعى إلى زيادة الإنتاج وضمان قدرة الشركات العاملة في المكسيك على الوصول إلى المدخلات الاستراتيجية.

 

وفي ما يتعلق بالإصلاح المالي، وافق مجلس النواب بالفعل على تشريع (من المقرر مناقشته قريباً في مجلس الشيوخ) يعد بتعزيز النمو الاقتصادي وتحسين الإدماج المالي. وبتمكين المؤسسات المالية من منح المزيد من القروض بأسعار فائدة أكثر ملاءمة يصبح بوسع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم أن تمتلك السبل اللازمة لتحقيق النمو والازدهار.

 

وأخيراً، سيضمن الإصلاح الضريبي الذي وافق عليه الكونغرس أخيراً سلامة الموارد المالية العامة وتعزيز النمو من خلال زيادة الاستثمارات العامة في البنية الأساسية والتعليم، ومشاريع البحث والتطوير، وخدمات الرعاية الاجتماعية (بما في ذلك معاشات التقاعد الشاملة والتأمين ضد البطالة).

 

لكن على الرغم من أن الميثاق أدى إلى تطورات تشريعية مهمة، فإن بعض البنود الرئيسة على الأجندة لا تزال معلقة، وأكثر هذه البنود أهمية- الطاقة والإصلاح السياسي- خاضعة للدراسة الآن في الكونغرس.

 

ونحن ندرك أن العديد من الناس ينتظرون بفارغ الصبر إصلاح قطاع الطاقة بشكل خاص، والواقع أن الإصلاح في هذا القطاع من الاقتصاد مرغوب وضروري، فاليوم لم يعد من الممكن فنياً ولا اقتصادياً أن تستفيد المكسيك بشكل كامل من مصادر الطاقة لديها من دون إدخال تعديلات على التشريعات، ويشكل إصلاح قطاع الطاقة أهمية بالغة إذا كنا راغبين في تعزيز أمن الطاقة وزيادة إنتاجية اقتصادنا، ويسمح اقتراحنا بالمزيد من الاستثمار الخاص في قطاع الطاقة، في حين يضمن احتفاظ المكسيك بحقوق الملكية لمواردها الطبيعية الهائلة.

 

وأنا أعتقد جازماً أن المكسيكيين سيتمكنون، بتنفيذهم هذه الإصلاحات البنيوية، من حل المشاكل الأكثر إلحاحاً التي تعانيها البلاد وبناء دولة أكثر ازدهارا وشمولاً وإنتاجية.

 

لقد علمنا الميثاق من أجل المكسيك بالفعل درساً مهماً مفاده أن الأولويات الوطنية والولاءات الحزبية لا تتعارض بالضرورة، وأن الاتفاق العريض على حزمة إصلاح جريئة أمر ممكن، ومن المؤكد أن الانتخابات ستظل ساحة عالية التنافسية، كما هي الحال في أي ديمقراطية حقيقية أخرى؛ ولكن رغم اختلافاتنا فإن الأغلبية العظمى من المكسيكيين- بصرف النظر عن انتماءاتهم الحزبية- يشتركون في رغبة عارمة في بناء مستقبل أفضل للمكسيك، وأتمنى للبلدان الأخرى التي تكافح الشلل السياسي بشكل منتظم أن تجد طرقاً مماثلة للإصلاح.

----------------

 

رواد اللقاح في العالم الناشئ

بيل غيتس

إن اللقاحات تجترح المعجزات، فهي تمنع الأمراض من إصابة الناس، وهذا أفضل كثيراً من معالجة هذه الأمراض بعد حدوثها. وهي أيضاً رخيصة نسبياً ويسهل تسليمها إلى المحتاجين إليها. ورغم هذا فإن الملايين من الأطفال لا يحصلون عليها. وكانت هذه الحقيقة مذهلة بالنسبة لي دوماً. فعندما أنشأنا "مؤسسة غيتس" قبل خمسة عشر عاماً، افترضنا أن كل الخطوات الواضحة كانت تتخذ بالفعل، وأننا لابد أن نلاحق حلولاً مكلفة أو لم يَثبُت نجاحها. والواقع أن تسليم اللقاحات الأساسية لايزال يشكل واحدة من أعلى أولوياتنا.

 

عندما أتطلع إلى عام 2014، أشعر بقدر من التفاؤل أكبر من أي وقت مضى بشأن التقدم الذي يمكننا إحرازه باستخدام قوة اللقاحات لمنح كل الأطفال- أينما كانوا- الفرصة لبداية صحية لحياتهم. فنحن نستعين الآن بموارد جديدة من مانحين أسخياء من أنحاء العالم المختلفة. كما نعمل على تطوير لقاحات جديدة وأفضل لحماية الأطفال من الأمراض القاتلة، ونبحث عن سبل مبتكرة لتسليمها، خصوصاً في المناطق التي يصعب الوصول إليها.

 

يتلخص أحد أكثر التطورات إثارة - والتي يتم تجاهلها غالباً- في الجهود العالمية الرامية إلى منح كل الأطفال القدرة على الوصول إلى التحصين في الدور المتنامي الذي تؤديه شركات توريد اللقاحات في البلدان الناشئة. فقد واجهت بلدان مثل البرازيل والصين والهند العديد من التحديات الصحية والإنمائية، وحققت تقدماً هائلاً. وهي الآن تستخدم خبراتها وقدراتها الفنية لمساعدة بلدان أخرى في تحقيق تقدم مماثل.

 

ولعلك لم تسمع قط بالعديد من شركات الأدوية - "معهد الأمصال" في الهند، و"بهارات للتكنولوجيا الحيوية"، و"بيولوجيكال إي"، و"المجموعة الوطنية للتكنولوجيا الحيوية" في الصين، و"بيو مانغوينهوس"، على سبيل المثال لا الحصر- التي أصبحت من بين شركائنا الأعظم قيمة في مجال الصحة العالمية. وعن طريق تسخير نفس روح الابتكار التي حولت الأسواق الناشئة إلى مراكز تصنيع لكل شيء من السيارات إلى أجهزة الكمبيوتر، أصبحت هذه الشركات رائدة في تزويد العالم بلقاحات عالية الجودة ومنخفضة التكاليف.

 

فبفضل المنافسة المتزايدة والتوجهات الصناعية الجديدة التي أنشأتها هذه الشركات أصبح من الممكن حماية أي طفل من ثمانية أمراض رئيسية- بما في ذلك التيتانوس (الكزاز)، والسعال الديكي، وشلل الأطفال، والسل- في مقابل أقل من 30 دولاراً. وينتج "معهد الأمصال" كمية من اللقاحات أعلى من تلك التي تنتجها أي شركة أخرى في العالم، كما لعب دوراً رئيسياً في خفض التكاليف وتعزيز الكميات.

 

وبفضل الجهود التي يبذلها هؤلاء الموردون وشراكتهم الوثيقة مع "التحالف العالمي من أجل اللقاحات" GAVI Alliance، وشركات تصنيع اللقاحات المتعددة الجنسيات، والجهات المانحة الدولية، فإن أكثر من مئة مليون طفل- وهو رقم أكثر من أي وقت مضى- يتم تلقيحهم سنوياً الآن. ومع دخول المزيد من الموردين إلى السوق وتحفيز المنافسة بأساليب تصنيع إبداعية، فمن المرجح أن تحقق الأسعار المزيد من الانخفاض.

 

ولنتأمل هنا التقدم الذي تم إحرازه مع "اللقاح الخماسي" المنقذ للحياة، والذي يحمي الطفل ضد الدفتريا والتيتانوس والسعال الديكي والتهاب الكبد الوبائي B، والإنفلونزا المستدمية من النوع ب (المستدمية النزلية) بجرعة واحدة. وعندما قدم "التحالف العالمي من أجل اللقاحات" هذا اللقاح الخماسي لأول مرة عام 2001، كان هناك مورد واحد وكانت التكلفة 3.5 دولارات للجرعة الواحدة. ومع تزايد الطلب على اللقاح، شجع "التحالف العالمي" موردين آخرين على دخول السوق، وهبط السعر إلى حد كبير. والآن هناك خمسة موردين، كما أعلنت شركة "بيولوجيكال إي"، الهندية المتخصصة في الأدوية، في وقت سابق من هذا العام أنها ستقدم اللقاح بسعر 1.19 دولار فقط للجرعة.

 

كما شهدنا بعض البلدان الناشئة الكبرى تستثمر في تكنولوجيا الطب الحيوي لتزويد البلدان النامية بلقاحات جديدة. فقد أعلنت "إدارة التكنولوجيا الحيوية" الهندية وشركة "بهارات للتكنولوجيا الحيوية" هذا العام عن خطط لإطلاق لقاح جديد ضد "فيروس الروتا"- الذي تسبب في قتل مئات الآلاف من الأطفال-  يكلف دولاراً واحداً للجرعة، وهذا أرخص كثيراً من اللقاحات الموجودة بالفعل. وعلى نحو مماثل، حصلت شركة صينية تعمل في مجال التكنولوجيا الحيوية على موافقة منظمة الصحة العالمية WHO في أكتوبر لتسويق لقاح محسن يحمي الأطفال مما يعرف بـ"التهاب الدماغ الياباني". وفي الشهر نفسه، أعلن "مركز بيو مانغيونهوس"، وهو أكبر مركز بحوث وتطوير في مجال الطب الحيوي في البرازيل، بالشراكة مع "مؤسسة غيتس"، عن خطط لإنتاج لقاح مشترك للحصبة والحصبة الألمانية.

 

عندما بدأت العمل في مجال الصحة العالمية قبل خمسة عشر عاماَ، كان هذا النوع من التصريحات نادراً. وكان مجال اللقاح خاضعاً لهيمنة حفنة تعد على أصابع اليد من شركات الأدوية المتعددة الجنسيات في البلدان الغنية، وكان القطاع بالكامل يعاني الافتقار إلى المنافسة. واليوم، تنتج شركات التصنيع في البلدان الناشئة نحو 50 في المئة من اللقاحات التي تشتريها وكالات الأمم المتحدة لاستخدامها في العالم النامي، بعد أن كانت النسبة أقل من 10 في المئة في عام 1997.

 

إن إسهامات منتجي اللقاح في البلدان الناشئة تعمل غالباً كمكمل لعمل نظرائهم في البلدان المتقدمة. والواقع أن بعض الأفكار الأكثر إبداعاً تأتي من الجهود المجمعة لهذه البلدان. وقد دعمت "مؤسسة غيتس" شراكة كبرى بين "معهد الأمصال" الهندي وشركاء "سينكو بيو"، وهي الشركة الهولندية المنتجة للقاحات، لإنتاج لقاح منخفض التكلفة لحماية أكثر من 450 مليون طفل في إفريقيا من التهاب السحايا. وهذا العام، أعلنت شركة "بيولوجيكال إي" عن تأسيس شراكتين كبيرتين مع شركات متعددة الجنسيات مصنعة للقاحات. وسوف تنتج شراكة مع شركة "جلاكسو سميث كلاين" لقاحاً سداسياً يحمي الأطفال من شلل الأطفال وأمراض معدية أخرى؛ وهناك شراكة أخرى مع "نوفارتيس" تهدف إلى إنتاج لقاحين يحميان الملايين من البشر في العالم النامي من التيفود والبارا تيفود.

 

وبرغم كل هذا التقدم فلابد من بذل المزيد من الجهد لاستهداف 22 مليون طفل، أغلبهم في البلدان الأكثر فقراً، لا يمكنهم الوصول إلى اللقاحات المنقذة للحياة. ومن دون توفير الحماية ضد الأمراض القاتلة مثل الحصبة والالتهاب الرئوي و"فيروس الروتا"، فإن العديد من هؤلاء الأطفال يحرمون من الفرصة في نشأة صحية، والالتحاق بالمدرسة، والحياة المنتجة. وستخسر البلدان التي ينتمي إليها هؤلاء الأطفال أيضا. فالأمراض تسرق من الدول الفقيرة طاقة أهلها ومواهبهم، وتزيد من تكاليف العلاج، وتعوق النمو الاقتصادي.

 

إننا نعيش في عالم حيث نملك القدرة على تصحيح هذا الظلم. ونحن نملك أيضاً المعرفة اللازمة لإنتاج لقاحات فعالة وتسليمها بتكاليف معقولة للأطفال الذين يحتاجون إليها. ويشكل منتجو اللقاحات في البلدان الناشئة جزءاً بالغ الأهمية في هذه العملية. فبفضل مساهماتهم أصبحنا الآن أقرب إلى اليوم الذي يصبح فيه بوسع الأطفال جميعاً أن يستمتعوا ببداية صحية لحياتهم.

------------------

 

«الوعكة العظمى» مستمرة

جوزيف استيغليتز

شعور كئيب ينتابني كلما اضطررت إلى الكتابة عن خلاصة العام على مدى نصف العقد الماضي منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية في عام 2008. صحيح أننا نجحنا في تجنب "الكساد العظيم" الثاني، ولكن لم يقدنا هذا إلا إلى الانزلاق إلى "الوعكة العظمى"، حيث كانت الزيادات في دخول نسبة كبيرة من المواطنين في الاقتصادات المتقدمة ضئيلة للغاية، وبوسعنا أن نتوقع نفس الحال في عام 2014.

 

في الولايات المتحدة واصلت الدخول المتوسطة تراجعها العنيد؛ فبالنسبة إلى العاملين الذكور انخفض الدخل إلى مستويات أدنى من تلك التي تحققت قبل أكثر من أربعين عاماً، وفي أوروبا انتهى الركود المزدوج في عام 2013، ولكن لا أحد يستطيع أن يد�'َعي بأي قدر من المسؤولية أن التعافي جاء عقب الخروج من الركود، فقد ظل أكثر من 50% من الشباب في إسبانيا واليونان عاطلين عن العمل، ووفقاً لصندوق النقد الدولي فإن إسبانيا من الممكن أن تتوقع معدل بطالة أعلى من 25% لسنوات قادمة.

 

إن الخطر الحقيقي الذي يتهدد أوروبا يتلخص في أن الشعور بالرضا الزائف قد يتمكن منها، فمع مرور هذا العام، كان بوسع المرء أن يستشعر تباطؤ وتيرة الإصلاحات المؤسسية المهمة في منطقة اليورو.

 

 على سبيل المثال، يحتاج الاتحاد النقدي إلى اتحاد مصرفي حقيقي- بما في ذلك ليس الإشراف المشترك فحسب، بل التأمين المشترك على الودائع وآلية الحل المشتركة أيضاً- وإلى سندات اليورو أو أداة مماثلة لتبادل الديون، ولم تصبح منطقة اليورو أقرب كثيراً إلى تنفيذ أي من هذه التدابير مما كانت عليه حالها قبل عام.

 

وبوسع المرء أن يستشعر أيضاً التزاماً متجدداً بسياسات التقشف التي أدت إلى الركود المزدوج في أوروبا، والواقع أن الركود المستمر في أوروبا أمر سيئ بالقدر الكافي؛ ولكن هناك أيضاً خطر كبير يتمثل باحتمال اندلاع أزمة أخرى في دولة أخرى من بلدان منطقة اليورو، إن لم يكن في العام المقبل، في المستقبل غير البعيد.

 

والأمور أفضل بشكل طفيف فقط في الولايات المتحدة، حيث كانت الفجوة الاقتصادية المتنامية- في ظل مستويات تفاوت أعلى من نظيراتها في أي دولة متقدمة أخرى- مصحوبة باستقطاب سياسي شديد، ولا يملك المرء إلا أن يتمنى أن يقرر المتهورون في الحزب الجمهوري، الذين أرغموا الحكومة على التوقف الجزئي عن العمل ودفعوا البلاد إلى حافة العجز عن سداد الديون، عدم تكرار هذا الأداء المزري.

 

لكن حتى إذا فعلوا، فإن الانكماش المرجح بفعل الجولة التالية من التقشف- التي تكلف بالفعل نقطة إلى نقطتين مئويتين من نمو الناتج المحلي الإجمالي في عام 2013- يعني أن النمو سيظل هزيلاً، ويكاد لا يتمكن من توليد فرص العمل اللازمة للداخلين الجدد إلى سوق العمل، ولا يكفي "وادي السليكون" الديناميكي المتهرب من الضرائب وقطاع الهيدروكربون المزدهر للتعويض عن ثِقَل التقشف.

 

وبالتالي، فرغم بعض الانخفاض في مشتريات مجلس الاحتياط الفدرالي (البنك المركزي) الأميركي من الأصول الطويلة الأجل (أو ما يسمى بالتيسير الكمي)، فإن التحرك بعيداً عن أسعار الفائدة التي بلغت الحضيض ليس بالتحرك المتوقع قبل عام 2015 في أقرب تقدير.

 

ولن يكون إنهاء أسعار الفائدة المنخفضة الآن معقولاً، ولو أن الاقتصاد الأميركي ربما لم يستفد من التيسير الكمي إلا قليلاً، وربما أدى إلى رفع المخاطر في الخارج، وكانت الهزات التي أصابت الأسواق المالية العالمية نتيجة للمناقشات في وقت سابق من عام 2013 حول الخفض التدريجي للتيسير الكمي دليلاً على مدى الترابط المتبادل في الاقتصاد العالمي.

 

وكما أن تقديم التيسير الكمي سببٌ في تغذية ارتفاع قيمة العملة، فإن الإعلان عن إنهائه تدريجاً كان سبباً في انخفاض قيمتها، والنبأ الطيب هنا هو أن أغلب البلدان الناشئة الكبرى كانت حريصة على تكديس احتياطيات ضخمة من النقد الأجنبي، وكانت تتمتع باقتصادات قوية بالقدر الكافي لتحمل الصدمة.

 

ورغم هذا فإن تباطؤ النمو في الاقتصادات الناشئة كان مخيباً للآمال، وبشكل أكبر لأن هذا التباطؤ من المرجح أن يستمر خلال عام 2014، وذهبت كل دولة إلى إنتاج سرد خاص بها: فقد أُرجِع الانكماش في الهند على سبيل المثال إلى مشاكل سياسية في نيودلهي، وتخوف البنك المركزي بشأن استقرار الأسعار (ولو أنه لم يكن هناك من الأسباب ما قد يجعلنا نتصور أن زيادة أسعار الفائدة قد تفعل الكثير في ما يتصل بأسعار البصل، وغير ذلك من السلع والبنود الكامنة وراء التضخم الهندي).

 

وقد أوضحت الاضطرابات الاجتماعية في البرازيل أن الطريق أمام البلاد لا يزال طويلاً من أجل تحقيق الرخاء المشترك على نطاق واسع، رغم التقدم الملحوظ في الحد من الفقر والتفاوت بين الناس على مدى العقد الماضي، ومن ناحية أخرى، فإن موجة الاحتجاجات أظهرت النفوذ السياسي المتنامي الذي اكتسبه أبناء الطبقة المتوسطة المتوسعة في البلاد.

 

وقد خلف تباطؤ نمو الاقتصاد الصيني تأثيراً كبيراً في أسعار السلع الأساسية، وبالتالي في صادرات السلع الأساسية في أنحاء العالم المختلفة، لكن التباطؤ في الصين لابد أن يوضع في سياقه الصحيح: فحتى نموها الأقل يظل موضعاً لحسد بقية العالم، وتحركها نحو المزيد من النمو المستدام، حتى لو كان بمستويات أدنى، من شأنه أن يخدم الصين- والعالم- في الأمد البعيد.

 

وكما كانت الحال في السنوات السابقة، فإن المشكلة الأساسية التي تبتلي الاقتصاد العالمي في عام 2013 تتلخص في الافتقار إلى الطلب الكلي العالمي، وهذا لا يعني بطبيعة الحال غياب الاحتياجات الحقيقية، إلى البنية الأساسية على سبيل المثال، أو على نطاق أوسع لإعادة تهيئة الاقتصادات في كل مكان في استجابة للتحديات المتمثلة بتغير المناخ، ولكن النظام المالي العالمي الخاص يبدو غير قادر على إعادة تدوير الفوائض العالمية لتلبية هذه الاحتياجات، وتمنعنا الأيديولوجية السائدة من التفكير في ترتيبات بديلة.

 

إن اقتصاد السوق العالمي لا يعمل كما ينبغي، وهناك احتياجات غير مشبعة وموارد غير مستغلة بالقدر الكافي، والنظام غير قادر على تسليم الفوائد لشرائح كبيرة من مجتمعاتنا، وأي توقعات بحدوث تحسن كبير في عام 2014- أو في المستقبل المنظور- تبدو غير واقعية، وعلى المستويين الوطني والعالمي، تبدو الأنظمة السياسية عاجزة عن تقديم الإصلاحات التي قد تخلق آفاقاً لمستقبل أكثر إشراقاً.

 

ولعلنا نشهد أداءً اقتصادياً عالمياً أفضل قليلاً في عام 2014 مقارنة بعام 2013، أو قد لا يتحسن الأداء، وإذا نظرنا إلى الأمر في السياق الأوسع المتمثل باستمرار "الوعكة العظمى"، فبوسعنا أن نقول إن العامين لن يكونا أكثر من زمن من الفرص المهدرة.

------------------

 

اليابان و«مفاجأة الأجور» المقبلة

شينزو آبي

شهد عام 2013 اجتياز الاقتصاد الياباني محنته بعد عقدين من الركود، وسيصبح المستقبل أكثر إشراقاً مع ظهور ما نسميه "مفاجأة الأجور".

 

كانت المناقشات المكثفة منذ سبتمبر بين الحكومة اليابانية والشركات والقيادات العمالية موجهة نحو تحريك دورة حميدة صاعدة تؤدي زيادة الأجور من خلالها إلى المزيد من النمو القوي، وقد شاركت في اثنين من الاجتماعات الأربعة التي عُقدت حتى الآن، منضماً إلى وزراء المالية والاقتصاد والعمل، فضلاً عن القيادات الصناعية والعمالية مثل أكيو تويودا رئيس شركة "تويوتا موتورز"، ونوبواكي كوجا الذي يتولى زعامة الاتحاد الكونفدرالي للنقابات العمالية، وفي كل مرة، كنت أخرج من الاجتماع وأنا أشعر بالثقة والنشاط.

 

علينا أن نواجه الحقائق. لقد استمرت الضغوط الانكماشية في اليابان- وفي اليابان فقط- أكثر من عقد من الزمان، وفي بداية شغلي لمنصب رئيس الوزراء، أطلقت ما أطلق عليه المراقبون "اقتصاد آبي"، لأنه في اليابان فقط ظل مستوى الأجر الاسمي سلبياً لفترة طويلة للغاية.

 

وقد أصابني الذهول عندما رأيت الإحصاءات أول مرة: فمنذ عام 2000 استمر مستوى الأجور في الهبوط بمتوسط سنوي بلغ 0.8%، مقارنة بمتوسط نمو في الأجور الاسمية بلغ 3.3% في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، و2.8% في فرنسا، وفي عام 1997، كان العاملون بأجر في اليابان يحصلون على 279 تريليون ين ياباني في الإجمال؛ وبحلول عام 2012، هبط الإجمالي إلى 244.7 تريليون ين.

 

بعبارة أخرى، خسر العاملون بأجر في اليابان 34.3 تريليون ين على مدى العقد ونصف العقد الماضيين، وهو مبلغ أضخم من الناتج المحلي الإجمالي السنوي للدنمارك وماليزيا وسنغافورة، وعندما ينعكس هذا الاتجاه فقط سيكون بوسع اقتصاد اليابان أن يستأنف مساراً صاعداً طويل الأجل.

 

ومن ناحية أخرى، لم تعد الشركات اليابانية سيئة التمويل، وأنا أذكر شخصياً كيف كانت نسبة القيمة الصافية للشركات اليابانية منخفضة قبل خمسة عشر عاماً- أقل من 20%، مقارنة بأكثر من 30% في أوروبا والولايات المتحدة، ونتيجة لهذا فإن سلوك الشركات اليابانية، كما قال الخبراء، سيتسم بالإفراط في الاقتراض.

 

ولكن هذه الحال تبدلت، فبفضل الارتفاع المستمر في ربحية الشركات وجهود تقليص المديونيات المستمرة خلال العقد ونصف العقد الماضيين، تراجعت المديونية بشكل كبير، ومن حيث نسبة صافي القيمة، أصبحت اليابان الآن على قدم المساواة مع أوروبا والولايات المتحدة.

 

وأشعر بالفخر عندما أقول إن "اقتصاد آبي" كان ناجحاً بمعنى آخر أكثر جوهرية: فقد أعدنا تشغيل الروح الجماعية في اليابان، وخلال العام الذي مر منذ تولت حكومتي السلطة، ذهبت عقلية الاستسلام وحل محلها عقلية تتطلع إلى احتمالات غير محدودة- التحول الذي تجسد في نظر كثيرين في فوز طوكيو بتنظيم دورة الألعاب الأولمبية للمعاقين في عام 2020، ونتيجة لهذا فقد صدق العديد من المستثمرين في وول ستريت سردنا الجديد، واتجهوا إلى الاستثمار الطويل الأجل في اليابان.

 

وهذا هو ما حققه أول سهمين في جعبة "اقتصاد آبي"- السياسة النقدية الجريئة والسياسة المالية المرنة- حتى الآن، ولكن ماذا عن السهم الثالث، مجموعة من السياسات الرامية إلى تشجيع الاستثمار الخاص حتى يصبح بوسع نمو الإنتاجية دعم تعافي اليابان على المدى البعيد؟

 

يقول البعض إن السهم الثالث، خلافاً للسهمين الأول والثاني، هو الأصعب، وأنا لا أختلف معهم في هذا: فبحكم التعريف، تستغرق الإصلاحات البنيوية وقتاً أطول من الوقت الذي يستغرقه تغيير السياسة النقدية أو المالية، وستحتاج إصلاحات كثيرة تشريعات جديدة، والتي أمضى زملائي في البرلمان الكثير من وقتهم على مدى الشهرين الماضيين لإعدادها، ولا ينبغي للمراقبين خلال هذه العملية، بما تنطوي عليه من مناقشات معقدة لا تنتهي، أن يشغلوا أنفسهم بالتفاصيل الصغيرة فيغفلون عن الصورة الكاملة.

 

ومن الانضمام إلى مفاوضات الشراكة عبر المحيط الهادئ إلى تقديم المناطق المحررة خصيصاً (والتي سوف يشرف مكتبي على تنفيذها)، تلتزم حكومتي بتحفيز التعافي الاقتصادي بكل السبل الممكنة. وهنا تبرز مفاجأة الأجور، لأنه فقط عندما تستعاد الحلقة المفقودة منذ فترة طويلة بين ربحية الشركات والأجور فسيصبح الاستثمار في المساكن والسيارات وغير ذلك من البنود المعمرة والاستهلاك الأسري في العموم قادراً على تخليص اليابان أخيراً من الانكماش ووضع اقتصادها على مسار النمو المستدام.

 

والواقع أن مفاجأة الأجور تستمد الإلهام من هولندا، حيث نشأ إجماع في أوائل ثمانينيات القرن العشرين على أن دعم تشغيل العمالة بشكل مستدام يتطلب مشاركة أرباب العمل والعاملين في ترويض التضخم المستشري.

 

والآن تشهد اليابان نشوء إجماع وطني مماثل أو الإجماع الهولندي معكوساً: شعور مشترك بأن الحكومة والصناعات الكبرى والقيادات العمالية المنظمة لابد أن تعمل بشكل تعاوني جماعي من أجل زيادة الأجور والمكافآت (مع تسهيل الحوافز القادرة على تعزيز الإنتاجية).

 

وغني عن القول إن مستويات الأجور لابد أن يتم تحديدها بواسطة الإدارة والعاملين، ولكن من الصحيح بنفس القدر أن الإجماع الناشئ بين الحكومة وكبار رجال الأعمال والنقابات العمالية دفع بالفعل عدداً متزايداً من الشركات إلى الوعد بأجور ومكافآت أعلى كثيراً.

 

وهذا هو جوهر مفاجأة الأجور، وسوف تكون ظاهرة جديدة تماماً، الظاهرة التي إلى جانب التحفيز المالي الضخم الذي يبلغ 5 تريليونات ين أكثر من كافية للتعويض عن الأثر السلبي المحتمل نتيجة لزيادة الضريبة على المبيعات، والأمر الأكثر أهمية هو أن هذا كفيل بوضع الاقتصاد الياباني على مسار النمو المستدام، وأنا على يقين من هذا.

--------------------

 

إصلاح فرنسا

جان مارك آيرولت

قبل أن ينتهي هذا العام، من المقرر أن يستن�' البرلمان الفرنسي قانوناً للإصلاح الشامل للمعاشات، والذي يشكل ضرورة أساسية ليس فقط لوضع الموارد المالية العامة في فرنسا على مسار سليم ومستدام، بل لتعزيز الثقة أيضاً بمنطقة اليورو في عام 2014 وما يليه. وعلاوة على ذلك فإن كيفية تنفيذ الإصلاح لا تقل أهمية عن الإجراء ذاته.

 

والواقع أن التركيبة السكانية في فرنسا أكثر إيجابية من مثيلاتها في أغلب البلدان الأوروبية. ورغم هذا فإن الأمر كان يتطلب بذل المزيد من الجهود لتعزيز نظام معاشات الدفع الفوري بما يعادل نقطة مئوية واحدة من الناتج المحلي الإجمالي، وبالتالي فإن مدة الاشتراك ستزداد تدريجياً لكي تصل إلى 43 سنة بحلول عام 2035.

 

واكتسبت هذه الجهود قبولاً شعبياً واسعاً لأنها عادلة، إذ سيساهم في هذا النظام كل من المتقاعدين والعاملين، فضلاً عن الشركات والأسر. وقد وضِعَت الاحتياجات المالية والاجتماعية في الحسبان على حد سواء، في حين ستتم معالجة عيوب النظام الحالي، بحيث تعود فوائده على النساء، والأشخاص الذين كانت حياتهم المهنية متقطعة، وأولئك الذين يعملون في مهن شاقة بشكل خاص، والمتقاعدين من ذوي الدخل المنخفض.

 

والأمر الأكثر أهمية هو أن إصلاح نظام معاشات التقاعد تم تنفيذه في فرنسا للمرة الأولى بالتشاور المستمر مع جمعيات أصحاب الأعمال والنقابات العمالية، وكان العديد من الناس يتوقعون مواجهة، ولكن ما حدث بدلاً من ذلك هو أن الأجواء البناءة كانت الغالبة على المفاوضات.

 

بعبارة أخرى، كان المفتاح إلى النجاح هو العدالة والتوازن والحوار المجتمعي. في سبتمبر، قال أحد المسؤولين الرواد في الاتحاد الأوروبي عن أحد التدابير المقترحة: "هذا إصلاح على الطريقة الفرنسية!" وبرغم أن المقصود بذلك كان الانتقاد، فقد اعتبرته مجاملة. إن بعض الأوروبيين يتصورون أن الإصلاح الجيد هو فقط ذلك الذي يتسبب في أضرار وآلام. وهذه ليست رؤيتي للأمر: صحيح أن التحديث مطلوب في سياق العالم المتغير، ولكن ليس بالضرورة أن يكون التحديث سبباً للانقسام.

 

إن التحدي الذي يواجه أوروبا الآن يتمثل في التقدم على الطريق من دون انهيار. وهذا يعني تزويد مواطني أوروبا بشعور متجدد بالأمل وإتاحة الفرصة. وكانت فرنسا تساعد بنشاط في تثبيت استقرار منطقة اليورو من خلال تشجيع التقدم البنيوي، مثل إنشاء اتحاد مصرفي أوروبي. ونحن في احتياج أيضاً إلى تعزيز التماسك الاجتماعي في القارة. وهذا هو كل الغرض من التكامل القائم على التضامن، والذي دعا إليه الرئيس فرانسوا هولاند.

 

والواقع أن مراجعة المجلس الأوروبي هذا الشهر لتوجيهات تسجيل العمال، والذي ينطبق على الموظفين الذين يتم إرسالهم مؤقتاً للعمل في دولة أخرى من البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، تشكل بداية طيبة، لكن ينبغي لنا أن نذهب إلى ما هو أبعد من ذلك. وقد يرسل وضع حد أدنى للأجور على نطاق الاتحاد الأوروبي كله إشارة قوية إلى المواطنين مفادها أن أوروبا واقع اجتماعي حقيقي.

 

في فرنسا، وبعد عشرة أعوام من الانحدار في أسواق التصدير، شرعت حكومتي في تنفيذ استراتيجية جريئة لاستعادة القدرة التنافسية لبلدنا. وهذا العام قمنا بتنفيذ خفض الضرائب على الرعاية الاجتماعية بما قد يبلغ نحو نقطة مئوية واحدة من الناتج المحلي الإجمالي، وسيتم ذلك تدريجياً ليكتمل بحلول عام 2016. كما تعهدت فرنسا بإصلاحات طموحة تستهدف الحد من ازدواجية سوق الوظائف ومنح أرباب العمل قدراً أكبر من المرونة فضلاً عن توفير قدر أعظم من الأمان للعاملين.

 

علاوة على ذلك، فإن إصلاح نظام معاشات التقاعد المقبل يُعَد بمنزلة التتويج لثمانية عشر شهراً من الخطوات الجادة نحو الاندماج المالي والتي نجحت في تحسين فعالية الإنفاق العام في حين مولت أولوياتنا: التعليم، والانتقال إلى اقتصاد أقل استهلاكاً للكربون، وتشغيل العمالة، والرعاية الصحية، والأمن. وكانت جهودنا غير مسبوقة، حيث أسفرت عن خفض العجز بنحو 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2012، وبنحو 1.7% في 2013، وما يقدر بنحو 0.9% في عام 2014. ومن المفترض أن يعتمد خفض العجز بالكامل على خفض الإنفاق بحلول عام 2015.

 

وبرغم استجابتنا لحالات الطوارئ في هذه الفترة، فإننا لم نضح�'ِ بقدرتنا على المضي قدماً في تنفيذ المزيد من الإصلاحات في المستقبل. والواقع أن استعادة الحوار الاجتماعي باعتباره أداة يمكن من خلالها صياغة إجماع طويل الأمد تمثل تحولاً ثقافياً عميقاً يبشر بالخير بالنسبة لمثل هذه الجهود.

 

والعديد من هذه الجهود جارٍ بالفعل: الإصلاح الشامل للتدريب المهني، ووضع إطار لتبني مصادر جديدة للطاقة، وأخيراً وليس آخراً الإصلاح الكامل لنظامنا الضريبي لمصلحة خلق فرص العمل والنمو.

 

وفي نهاية المطاف، سيستند الحكم عليناً إلى كفاءة إصلاحاتنا على الصعيد الاقتصادي وعدالتها الاجتماعية. وتتلخص مهمتنا في البرهنة على قدرتنا على إصلاح الحكومة، وتقديم الخدمات العامة العالية الجودة- على سبيل المثال التعليم والرعاية الصحية- للجميع وبتكلفة معقولة، والتحكم في الإنفاق العام من أجل استعادة قدرتنا على خفض الضرائب من دون إعاقة جهود خفض الديون.

 

ويتلخص طموحي في إنشاء "نموذج فرنسي جديد" يضع التضامن المستدام في القلب منه، مع إدراك كل المواطنين لحقوقهم وواجباتهم. والواقع أن مثل هذا النموذج- حيث تعمل الحكومة على تمكين مبادرات القطاع الخاص وتخفيف التوترات الاقتصادية والبيئية الكبرى في عصرنا- يقدم الفرصة للجميع، كما يعتمد على قوة العمل الجماعي.

 

وبفضل هذه القيم، والإدراك التام لما يمكن تحقيقه من خلال التوافق بين الجهود الفردية والجماعية، كانت فرنسا تتمكن دوماً من إيجاد الموارد الضرورية لإعادة البناء والتحديث. وبالصدق مع أنفسنا، والانفتاح على العالم، تصبح أصواتنا مسموعة في أوروبا وخارجها.
------------------

 

ظلال وأضواء اقتصادية

محمد شيمشك

إذا صَح أننا نعيش في "قرية عالمية" وأننا جميعاً تربطنا علاقات تجارية ومالية واجتماعية، فمن الصحيح أيضاً أن النشاط الاقتصادي غير الرسمي في أي جزء من العالم يخلف تأثيراً سلبياً في أماكن أخرى، وهذا يعني أن إضفاء الطابع الرسمي على كل نشاط اقتصادي لابد أن يُنظَر إليه باعتباره منفعة عامة عالمية، ويتعين على مجموعة العشرين وغيرها من الكيانات الدولية أن تكون في طليعة الجهود الرامية إلى ضمان القدر اللازم من التنسيق والتعاون لتحقيق هذه الغاية.

 

إن المواطنين العاديين هم أكبر الخاسرين من الاقتصاد غير الرسمي، لأن عدم التقيد بالتنظيمات الرسمية يعوق النمو الاقتصادي الطويل الأجل ويبدد مكاسب الإنتاجية؛ ويخلق منافسة غير عادلة؛ ويعرقل نمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم (المصادر الرئيسة للعمالة)؛ ويحرم ملايين العاملين من حقوقهم الأساسية، مثل التأمين الصحي ومعاش التقاعد، وهو يؤدي أيضاً إلى خسائر كبيرة في العائدات الضريبية، وانحدار الخدمات العامة من حيث الكم والكيف، هذا فضلاً عن توسيع فجوات التفاوت بين الناس وتفاقم المظالم الاجتماعية على نحو ثابت.

 

إن الحد من نطاق الاقتصاد الرسمي قد يبدو مهمة وطنية؛ ويتعين على الحكومات أن تسارع إلى التحرك حقاً، فلابد أن تقلل من الأعباء الضريبية وأن تعمل على تبسيط الأنظمة الضريبية وخفض تكاليف الامتثال التنظيمي، والحرص في الوقت نفسه على تعزيز سبل التنفيذ، وعلى نحو مماثل، يتعين عليها أن تعمل على إزالة الحواجز التي تعوق المنافسة، وتبسيط عمليات التسجيل التجاري، وزيادة شفافية آليات التعيين العامة، وتحسين القدرة على الوصول إلى الائتمان.

 

ولكن مكافحة الاقتصاد غير الرسمي تتطلب التعاون الدولي أيضا، فوفقاً للمفوضية الأوروبية، تتكبد بلدان الاتحاد الأوروبي أكثر من تريليون دولار من العائدات كل عام بسبب المناطق "غير المتعاونة" و"غير الشفافة"، والمعروفة أيضاً بالملاذات الضريبية الآمنة، ومن غير الممكن أن تتم السيطرة على المخاطر التي تفرضها هذه المناطق وتقليصها إلا على المستوى العالمي.

 

وهنا تستطيع هيئات دولية، مثل "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" OECD ومجموعة العشرين G20، أن تلعب دوراً بالغ الأهمية، وتقدم "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" (أويسيد) بالفعل دعماً حيوياً في تعزيز التعاون الدولي بشأن الضرائب، فالمادة (26) من اتفاقية "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" لنموذج الضرائب على الدخل ورأس المال تنظم مضمون التبادلات الثنائية للمعلومات الضريبية وممارساتها، والذي يشكل ضرورة حاسمة في مكافحة التهرب الضريبي ومكافحة المنافسة الضريبية الضارة.

 

وعلى نحو مماثل يتولى منتدى "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية العالمي للشفافية وتبادل المعلومات لأغراض ضريبية" قيادة عملية مكثفة من مراجعة الأقران للأطر القانونية وتنفيذ المعايير، وأخيراً أصدرت "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" خطة عمل مكافحة التآكل القاعدي وتحويل الربح، والتي تحدد تدابير بعينها لمكافحة ازدواج الإعفاء الضريبي وإنشاء معايير شاملة وشفافة للضريبة العادلة.

 

والواقع أن تركيز قمم مجموعة العشرين على التهرب الضريبي العالمي في الأعوام الأخيرة يشكل أيضاً علامة مشجعة، فعندما اجتمع زعماء مجموعة العشرين في لوس كابوس بالمكسيك في يونيو 2012، أكدوا التزامهم تعزيز الشفافية والتبادل الشامل للمعلومات الضريبية، كما أكدوا الحاجة إلى منع التآكل القاعدي وتحويل الأرباح.

 

وعلاوة على ذلك، أطلقت مجموعة العشرين جهوداً لتشجيع كل المناطق الضريبية على التوقيع على الاتفاقية المتعددة الأطراف بشأن المساعدات الإدارية المتبادلة في المسائل الضريبية التي أبرمت بالاشتراك بين مجلس أوروبا و"منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية". ولكن لابد من بذل المزيد من الجهد لمكافحة الاقتصاد غير الرسمي، وبوسعي أن أتصور بسهولة إبرام اتفاقيات ثنائية- ثم وضع ترتيبات متعددة الأطراف- تؤسس لإنشاء هويات ضريبية عالمية فريدة ID لكل دافعي الضرائب.

 

وفي تركيا، تتضمن خطة شاملة للحد من نطاق الاقتصاد غير الرسمي 14 مؤسسة عامة رئيسة، بما في ذلك وزارة المالية، وقد تم وضع آليات استباقية في تحصيل الضرائب لتحسين الالتزام الضريبي الطوعي. على سبيل المثال، ساعد النظام الذي تم تطويره في التعامل مع أصحاب الأراضي والعقارات لمضاعفة أعداد دافعي الضرائب المبلغين عن إيراداتهم الريعية، كما عملت تركيا على تحسين عمليات إنفاذ القيود التنظيمية، وأسست مجلساً للتدقيق الضريبي الأكثر فعالية، واستثمرت في رأس المال البشري والتكنولوجيا.

 

كما ساعدت إصلاحات الاقتصاد الكلي في الحد من "اقتصاد الظل" في تركيا، ففي عام 2006، تم خفض معدل الضريبة على الشركات من 33% إلى 20%، كما تم تخفيض معدلات ضريبة الدخل الشخصي، حيث هبط أعلى معدل من 49.5% إلى 35% وأدنى معدل من 22% إلى 15%، وعلاوة على ذلك، في عام 2008 تم تحديد عبء ضريبة الدخل على أصحاب الحد الأدنى للأجور عند مستوى صفر، اعتماداً على الحالة الاجتماعية وعدد الأطفال. وبالإضافة إلى هذا، تم خفض معدل ضريبة القيمة المضافة إلى الصحة والتعليم والملابس والسياحة من 18% إلى 8%، في حين أصبح معدل ضريبة القيمة المضافة إلى البنود الغذائية الرئيسة الآن 1% فقط.

 

أخيراً وليس آخراً، نفذت السلطات التركية إصلاحات كبرى تهدف إلى تحسين بيئة الأعمال، ويتضمن هذا إدخال كود تجاري جديد وتشريعات خاصة بالديون، والآن يدرس البرلمان قانون ضريبة الدخل الجديد، فضلاً عن تقديم قانون الإجراءات الضريبية قريباً.

 

كما ركز صناع السياسات الأتراك على التعاون الدولي والتنسيق في تمهيد الساحة للجميع على قدم المساواة عالمياً، والآن أصبح لدى تركيا اتفاقيات خاصة بالازدواج الضريبي مع 82 دولة واتفاقيات تبادل معلومات مع خمس دول.

 

ونتيجة لهذه الجهود، انخفضت معدلات التوظيف غير الرسمي في تركيا بنحو 14.5 نقطة مئوية منذ عام 2002 حيث هبط إلى 37.6% في أبريل 2013، وعلى نحو مماثل انخفض الاقتصاد غير الرسمي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بنحو ست نقاط مئوية خلال هذه الفترة ليصل إلى 26.5% في عام 2013.

 

بيد أن هذه النسب تظل مرتفعة للغاية، ويتلخص هدف السلطات في الأمد المتوسط في خفض نسبة الاقتصاد غير الرسمي في الناتج المحلي الإجمالي بمقدار خمس نقاط مئوية، وخفض العمالة غير الرسمية في القطاعات غير الزراعية بمقدار خمس نقاط مئوية أيضاً.

 

إن مثل هذه الجهود الحازمة لا غنى عنها لتبديد الظلال التي تحتجب خلفها الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية، ولكن صناع السياسات الوطنية لا يمكنهم أن يحملوا المصابيح وحدهم.

--------------------

 

إعادة اختراع العلاقات بين الكوريتين

بارك جين هيوي

في الثاني عشر من فبراير 2013، نفذت كوريا الشمالية ثالث تجاربها النووية في الفترة التي سبقت تنصيب الإدارة الجديدة- بقيادتي- في الجنوب، وحول ذلك الوقت، تبنت لجنة الانتقال الرئاسي "عملية بناء الثقة على شبه الجزيرة الكورية" كسياسة أساسية للإدارة الجديدة، بهدف خلق ديناميكية جديدة في العلاقات بين الكوريتين، ورغم أن التجربة النووية في الشمال خلقت ضغوطاً لإعادة النظر في عملية بناء الثقة، فقد أوضحت أنني سألتزم بالمسار، والواقع أن عملية بناء الثقة كان المقصود منها على وجه التحديد كسر الحلقة المفرغة من الاستفزاز والمكافأة.


وقد صيغت عملية بناء الثقة للتغلب على القيود المفروضة على سياسات الاسترضاء والسياسات المتشددة: وفي حين كانت سياسات الاسترضاء تعتمد كلياً على حسن نوايا كوريا الشمالية الشحيحة، فإن السياسات المتشددة كانت تعني ضمنياً ممارسة ضغوط مستمرة فحسب. إن عملية بناء الثقة، استناداً إلى قوة الردع الهائلة، تهدف إلى بناء سلام دائم على شبه الجزيرة الكورية من خلال جعل الشمال يدفع ثمناً باهظاً نظير أعماله العدوانية، وفي الوقت نفسه ضمان فرص التغيير والمساعدة إذا كان الشمال راغباً في التحول إلى عضو مسؤول في المجتمع الدولي.


منذ تولت إدارتنا السلطة، صع�'َدَت كوريا الشمالية تهديداتها العسكرية وخطبها العنترية ضد الجنوب، ففي شهر أبريل 2013، اتخذ الشمال الخطوة المتطرفة الأحادية الجانب المتمثلة بمنع عمال كوريا الجنوبية من دخول "مجمع غايسونغ الصناعي"، وهو رمز التبادل والتعاون بين الكوريتين، وسحب جميع موظفيها.


وفي أعقاب إغلاق "منشأة غايسونغ"، اقترح البعض عرض بعض الحوافز على الشمال من خلال الاتصالات عبر القنوات الخلفية لتحسين العلاقات بين الكوريتين، ولكن من منطلق إدراكي لحجم التأثيرات السلبية التي خلفتها مثل هذه الاتصالات مع الشمال في الماضي، فقد اخترت أن أطرح اقتراحاً شفافاً بالدخول في حوار.

 

وقد أكدت مراراً وتكراراً للشمال أن الثقة لا يمكن أن تبنى إلا من خلال التعاون في مشاريع صغيرة ولكنها ذات مغزى والالتزام بالوفاء بالوعود- ولفت الانتباه إلى السلوكيات الشائكة- على طول الطريق. كما شرحت أيضاً للمجتمع الدولي مصداقية وضرورة ترسيخ سياستنا في عملية بناء الثقة، لتأمين الدعم من العديد من البلدان.


وأخيراً أتت كوريا الشمالية إلى طاولة الحوار في منتصف يوليو، وبعد شهر وافقت على تطبيع عملية تشغيل "مجمع غايسونغ" بطريقة بناءة. وكتدبير لتعزيز المتابعة، تم إنشاء أمانة للإدارة المشتركة للمنشأة، وبدأ مسؤولون حكوميون من الكوريتين الانخراط في اجتماعات يومية. وكانت هذه خطوة صغيرة ولكنها مهمة إلى الأمام، عندما نعلم أن الحوار بين الكوريتين كان شبه معدوم على مدى السنوات الخمس الماضية، وأن التوترات التي أججها الشمال بلغت ذروتها في الأيام الأولى من عمر إدارتي.


ولكن الطريق لا يزال طويلاً للوصول إلى التطبيع الكامل لـ"منشأة غايسونغ"، ناهيك عن العلاقات بين الكوريتين في العموم، فالشمال لا يزال عازفاً عن عقد حوار متابعة لمناقشة مرور العمال، والاتصالات، والتخليص الجمركي، وكل هذا يشكل ضرورة أساسية.


وبالإضافة إلى ذلك، فقد ألغت كوريا الشمالية من جانب واحد اتفاقية لم شمل الأسر المشتتة، التي أبرمت بشق الأنفس، فكسرت بذلك قلوب أولئك الذين انتظروا طويلاً وبفارغ الصبر تنفيذ هذه الاتفاقية، ثم استأنفت كوريا الشمالية افتراءاتها وتهديداتها لنا. والواقع أن مثل هذا السلوك محبط للغاية، ويذكرنا بمدى صعوبة بناء الثقة مع الشمال،


على مدى الأشهر العشرة الماضية، سعينا إلى الالتزام بالمعايير الدولية في تنفيذ سياستنا في التعامل مع كوريا الشمالية، في حين أخذنا بعين الاعتبار توقعات جماهير الناس. وسنلتزم بهذه المبادئ الأساسية ونحدد أولوياتنا التالية في سياستنا في التعامل مع كوريا الشمالية في المستقبل.


فبادئ ذي بدء، سنحتفظ بقوة ردع قوية، لأن الأمن المحكم يشكل الأساس للسلام الحقيقي، وانطلاقاً من ذلك، سنسعى جاهدين إلى صياغة سلام دائم من خلال الحوار والتبادل والتعاون، ويتعين على الكوريتين أن تعملا على ترسيخ الثقة المتبادلة من خلال مناقشة الأمور بحكمة واحترام متبادل، والوفاء بالوعود حول ما تم الاتفاق عليه بالفعل. وآنئذ فقط يصبح بوسعنا تمهيد الطريق إلى السلام والوحدة وبالتالي تحسين نوعية الحياة لكل الكوريين وإسعادهم.


وستعمل سيول أيضاً على تعزيز التعاون مع المجتمع الدولي في هذه العملية. من المؤكد أن اتحاد الكوريتين أمر يقرره الشعب الكوري، ولكن لا بد من تحقيق هذه الغاية في سياق من الإجماع بين البلدان المجاورة، وبالتالي ضمان استفادة كل الأطراف في المنطقة من الاتحاد.


ثانياً، سنسعى جاهدين إلى رفع مستوى عملية بناء الثقة على شبه الجزيرة الكورية، ونظراً للشكوك العميقة الجذور بين الكوريتين، فإن استعادة الثقة لن تكون بالمهمة السهلة، ورغم هذا فإننا سنواصل جهودنا الحثيثة لتحسين العملية وحث الشمال على تغيير مساره.


وستستمر المساعدات الإنسانية في الوصول إلى الشمال، وسنقوم أيضاً بابتكار تدابير متنوعة لتوسيع نطاق الحوار والتعاون بين الجنوب والشمال، مع مواصلة الجهود الرامية إلى تحقيق لم شمل الأسر المشتتة وحل مسألة أسرى الحرب والمختطفين الذين يستبقيهم الشمال.


سنعمل على زيادة شفافية سياستنا في التعامل مع كوريا الشمالية، بطبيعة الحال، ونظراً لطبيعة العلاقات بين الكوريتين فلن يكون بوسعنا الكشف بالكامل عن كل الأمور، ولكن تقديم معلومات دقيقة قدر الإمكان لعامة الناس يشكل الوسيلة الأفضل لضمان الدعم الشعبي الراسخ لهذه السياسات وتنفيذها الفع�'ال.


ثالثاً، ستسعى كوريا الجنوبية إلى نزع السلاح النووي في الشمال كوسيلة لتحقيق التقدم المشترك في شبه الجزيرة الكورية وشمال شرق آسيا، والواقع أنه من دون نزع السلاح النووي لدى كوريا الشمالية، فإن عملية بناء الثقة لن تكتسب أي زخم، ولن تتقدم العلاقات بين الكوريتين إلا عندما يتخلى الشمال عن برنامجه النووي وينضم إلى الجنوب في شراكة قائمة على الثقة المتبادلة.


وفي ضوء التعاطي مع البرنامج النووي الإيراني الآن عبر مفاوضات جديرة بالثقة، فإن المجتمع الدولي يحول انتباهه نحو كوريا الشمالية، ويتعين على الشمال أن يغتنم هذه الفرصة، فإذا أظهر التزاماً راسخاً بنزع السلاح النووي واتخذ خطوات عملية نحو تحقيق هذه الغاية، فسنبادر إلى أخذ زمام المبادرة في تأمين دعم المجتمع الدولي للمساعدات الفع�'الة في تنمية الشمال اقتصادياً، وسنسعى جاهدين إلى تحقيق التقدم على شبه الجزيرة بالتعاون مع جيراننا في شمال شرق آسيا.


وقد أظهرت كوريا الشمالية أخيراً اهتمامها بإقامة مناطق تنمية اقتصادية خاصة، لكن لن تجازف أي دولة، بما في ذلك كوريا الجنوبية، بالاستثمار في كوريا الشمالية إذا أصرت على تطوير برنامجها النووي، وإذا كان الشمال صادقاً في اهتمامه بمستقبل شعبه وأمته، فلابد أن يتخلى عن هدفه المزدوج غير الواقعي والمتمثل بالتمسك ببرنامجه النووي وملاحقة التنمية الاقتصادية في الوقت نفسه، بل يتعين على الشمال أن يصبح شريكاً عالمياً من خلال الالتزام بالمعايير الدولية وتحسين علاقاته بجيرانه.


يشكل إدماج واستيعاب كوريا الشمالية عنصراً أساسياً في سياستنا الخارجية في العموم. ومن هنا فقد اقترحت المبادرة الأورو آسيوية، التي تقوم على ربط الشبكات اللوجستية المقسمة في القارة وإزالة العقبات التي تعوق التجارة، وبالتالي خلق كيان واحد قابل للحياة، بيد أن المبادرة الأورو آسيوية، التي ترتبط بخطتي الخاصة بمبادرة السلام والتعاون في شمال شرق آسيا، من غير الممكن أن تنجح إلا إذا فككت شبه الجزيرة أولاً جدار عدم الثقة الذي يقسمها، ذلك أن كوريا تُعَد البوابة بين أوراسيا ومنطقة المحيط الهادئ.


إن مشروع بناء "متنزه للسلام العالمي" في المنطقة المنزوعة السلاح التي تقسم شبه الجزيرة الكورية من الممكن أن يشكل نقطة انطلاق طيبة، ومن هنا، يتعين على البلدان المجاورة، جنباً إلى جنب مع الكوريتين، أن تعمل على بناء الثقة وتعزيز التعاون في أنحاء المنطقة المختلفة.


وبهذه الطريقة فإن شبه الجزيرة الكورية تصبح قادرة على التخلص من دورها القديم كحجر عثرة والتحول بدلاً من ذلك إلى نقطة انطلاق للسلام في أوراسيا، وشمال شرق آسيا، وخارجهما. وستتعاون كوريا الجنوبية بقوة وثبات مع المجتمع الدولي في الجهود الرامية إلى إقناع كوريا الشمالية باختيار الطريق الصحيح والسير معنا في هذه الرحلة.

---------------------

 

عصر الاختراق

 دومينيك بارتون*

لقد نقل عام 2013 العالم مسافة أكبر داخل العصر الرقمي- حقبة عالمية من التغيرات التي سيكون تأثيرها المحتمل على الاقتصاد العالمي أعظم بنحو مرتين إلى ثلاث مرات من تأثير الثورة الصناعية. فقد شهد العامان الماضيان فقط خلق نحو 90 في المئة من إجمالي البيانات على مستوى العالم. وقد تبلغ كمية البيانات المخزنة بحلول عام 2020 خمسين ضعف ما كانت عليه في عام 2010. وينظر العديد من الخبراء إلى هذا الانفجار الهائل في البيانات باعتباره النفط الجديد، بل حتى فئة جديدة من الأصول.

 

وتتغذى هذه الوفرة من البيانات على شبكة الإنترنت التي أصبحت في كل مكان تقريباً. ومن المتوقع أن تعمل الهواتف الذكية على توصيل وربط 2 إلى 3 مليارات مواطن عالمي إضافيين بحلول عام 2020، في ظل المليارات من أجهزة الاستشعار الآلية التي تراقب عمل كل شيء من الجرارات الزراعية إلى محركات الطائرات النفاثة، فضلاً عن المزيد من التطورات المفاجئة في القدرة الحاسوبية التي ستعمل على تمكين زيادات هائلة في القدرة على تخزين وتحليل البيانات.

 

وفي هذه البيئة، فإن سلاسة عملية إدارة البيانات والتحليلات وتدفقها ستشكل أهمية بالغة في إدارة المنظمات الناجحة. وقد توصلت دراسة نشرت في عام 2011 بواسطة إيريك براينغولفسون وزملائه من "معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا" إلى أن الشركات التي تبني عملية صنع القرار على البيانات كان معدل الإنتاجية لديها أعلى بنحو 5 في المئة إلى 6 في المئة مقارنة بتلك التي لا تفعل ذلك. فالآن أصبحت القدرة على التقاط البيانات، وتنظيمها، واستخلاص الأفكار منها، بمنزلة مقومات أساسية في كل صناعة وعبر كل قطاع.

 

تنتشر الاختراقات الناتجة عن البوتقة الجديدة للبيانات والتحليلات عبر كل من القطاعين العام والخاص. ويستغل موقع الفيديو الشهير "نتفليكس" قاعدة بياناته الضخمة من المستخدمين وعمليات بحثهم على الموقع ووجهات نظرهم ووقفاتهم ومراجعاتهم، لإعداد أول مسلسل درامي أعد خصوصاً للعرض على الإنترنت بعنوان "بيت من ورق". وهو مسلسل جمع المخرج الشهير ديفيد فينشر، والممثل كيفين سباسي، في حبكة درامية مستعارة من استعراض بريطاني شهير عرض بنفس العنوان- وقد حقق معدلات مرتفعة من المتابعة والمشاهدة حسب معايير الشعبية والانتشار التي يستخدمها موقع "نتفليكس".

 

وفي صناعات أخرى أيضاً، يطرأ تحول سريع على عملية صنع القرار القائمة على البيانات في مجالات تتعلق بتطوير المنتجات وتسويقها وتفاعلات العملاء، لتصبح معياراً رئيساً مكملاً لعنصري الحدس والخبرة (وفي بعض الأحيان يحل محلهما). وتعمل أيضاً على تبسيط سلاسل الإمداد، وتنقية جداول القوى العاملة، وتحسين عمليات التصنيع.

 

ومن المرجح أن يحدث اختراق أكثر أهمية في الصناعات المختلفة، مع إعادة رسم خطوط المعركة التنافسية بفضل امتياز الوصول إلى البيانات الخاصة بالملكية. وستمتلك الشركات التي لديها مجموعات من البيانات العميقة قدرة متزايدة على التحرك والوجود في أسواق خارج مجالاتها التقليدية- والآن تغتنم الشركات الكبرى الفرصة بالفعل. ففي شركة "علي بابا"، وهي مؤسسة صينية للتجارة الإلكترونية، يستطيع البائعون الصغار والمتوسطي الحجم على شبكتها طلب الائتمان أيضاً. وقد مولت شركة "علي بابا" رأس المال التشغيلي لنحو 320 ألف شركة (قيمتها تتجاوز 16 مليار دولار) باستخدام البيانات المتعلقة بالصفقات والمعاملات التجارية لتمويل الإقراض- وقد فعلت ذلك بكفاءة تفوقت فيها كثيراً على البنوك العادية.

 

الحكومات أيضاً بدأت تستشعر أن تحليل البيانات من الممكن أن يغير مكانتها العالمية. فقد أقرت سنغافورة على سبيل المثال خطة رئيسية مدتها عشر سنوات تركز على تطوير نظام معلوماتي قوي وصناعة اتصالات قوية، بما في ذلك تحليل البيانات. وأخيراً، أطلقت السلطات هناك مبادرة البيانات المفتوحة، التي من شأنها أن تجعل كميات هائلة من البيانات الحكومية متاحة بسهولة.

 

لكن رغم اعتراف العديد من المنظمات بأهمية تحليل البيانات، فهناك تباين واسع في مدى القوة التي تتحرك بها نحو تبني هذا النهج. والآن تتجه المؤسسات التي تبنت هذا النهج في وقت مبكر مثل "أمازون" و"تيسكو"- وهما اللتان عملتا بسرعة على بناء القواعد الأساسية للموهبة والخبرة- إلى زيادة جهودها في تعظيم تأثير التحليل على منظماتها (وذلك باستكشاف فرص الاختراق). ولكن هناك العديد من المنظمات الأخرى التي لا تزال تجري التجارب على نطاق ضيق وتسعى إلى الاستعانة بالعلماء الأوائل المتخصصين في تحليل البيانات.

 

والنبأ الطيب هنا هو أن العديد من الشركات ستتمكن من التعجيل بوتيرة التغيير. وتعد الموهبة من بين المناطق الواعدة في هذا المجال. إن استغلال إمكانات تحليل البيانات يتطلب مجموعات عميقة من الخبرات الفنية المتقدمة. ومن المؤكد أن العمال المهرة في مجال إدارة البيانات والتحليل المتقدم غير متوافرين بكثرة، وكذلك الحال بالنسبة للفئة الناشئة من "المترجمين"- أولئك الذين تشكل مواهبهم جسراً بين تكنولوجيا المعلومات، والبيانات، والتحليلات، وعمليات صنع القرار في عالم التجارة.

 

يساعد التقدم السريع في التكنولوجيا أيضاً في تيسير إدراك التأثير الذي يخلفه تحليل البيانات. ويتلخص أحد أكبر التحديات التي تواجه العديد من الشركات في تحويل الأفكار من النماذج الإحصائية إلى تغييرات حقيقية في العمليات اليومية. وكان الأفراد على الخطوط الأمامية يفتقرون إلى أدوات البديهة التي تربط الأفكار بالعمل. ولكن تقدم سبل تصوير البيانات، وتسارع دورات تطور التطبيقات، والتوسع في طرح التكنولوجيا في أسواق المستهلكين، تعمل على تغيير هذا الواقع، فتضع حلولاً مصممة خصيصاً وسهلة الفهم بين أيدي المديرين.

 

على سبيل المثال، تمتلك "شركة المناخ" Climat Corporation، التي استحوذت عليها أخيراً شركة "مونسانتو"، سجلاً لبيانات الطقس لأكثر من ثلاثين عاماً، وستين عاماً من البيانات الخاصة بإنتاجية المحاصيل، وكماً هائلاً من المعلومات عن أنواع التربة. ومن خلال هذا المخزون الهائل من المعلومات التاريخية والبيانات المتطورة، تقدم الشركة المشورة في مقابل رسوم للمزارعين عبر بوابة على شبكة الإنترنت.

 

ومع سعي المنظمات والمؤسسات إلى اغتنام هذه الفرص لتوظيف الإبداع أو تعزيز العائدات أو زيادة الإنتاجية، فإن فرق القيادة ستحتاج أيضاً إلى الضبط. ومن المرجح أن يتطلب الأمر اكتساب قدرات إدارية جديدة لتحديد الاستراتيجيات الجديدة القائمة على البيانات، وإدارة المخزونات الهائلة الجديدة من المعلومات، والوصول إلى شركاء جدد، وإدارة الوظائف المتقاطعة، وحشد طاقات المؤسسة لتنفيذ مهمة جديدة.

 

إن الشركات تبدع على المستوى التنظيمي بشكل دائم. ففي عام 1961، أصبحت "أمبيكس"، وهي شركة إلكترونيات في كاليفورنيا، أول شركة تستخدم رسمياً مصطلح "الرئيس التنفيذي المالي". واليوم أصبح هذا الدور منتشراً في كل مكان.

 

وقد يتطلب حمل لواء الريادة في العصر الرقمي خلق أدوار جديدة مثل "الرئيس التنفيذي الرقمي"، أو "الرئيس التنفيذي التحليلي"، أو "رئيس البيانات التنفيذي"، ولو أن قِلة من الشركات نسبياً اتخذت هذه الخطوات بالفعل. في المستقبل سيتطلب النجاح الشامل لأي منظمة أن يكون القائد المسؤول عن مثل هذه القدرات عضواً موضع ثقة بين أعضاء فريق الإدارة العليا.

 

والواقع أن قِلة من القادة نجحوا في "تربية عضلات إدارية" في مجالات جديدة تماماً، في نفس الوقت الذي تمكنوا فيه من تكوين الفرق التي تجمع بين أنماط من المهارات والمواهب التي لم تكن معروفة سابقاً. وتواجه الخيارات الاستراتيجية ملامح جديدة بنفس القدر، وربما على غرار ما حدث عندما فتحت وسائل الإعلام الجماهيرية حقبة جديدة من التسويق، أو عندما فرضت العولمة إعادة تشكيل جذرية للبصمات التنظيمية واختراق الأسواق.

 

في عام 2014 وما بعده، سيحتاج الرؤساء التنفيذيون ومجالس إداراتهم إلى وضع أولويات جديدة، والاستثمار بحكمة، والاستعداد لدعم التجريب. وعندما تصبح الاختراقات الكبرى مؤكدة، فإن المكافآت الهائلة المحتملة ستعود على هؤلاء الذين يملكون الاستعداد للتحرك بجرأة وسرعة مع اليقظة للمخاطر المحيطة.

 

* رئيس مجلس إدارة مؤسسة ماكينزي العالمية المتخصصة في مجالات استشارات الأعمال وتقديم الحلول للشركات والحكومات.

--------------------

 

مستقبل «صُنِع في أوروبا»

إنريكو ليتا

كان الاتحاد الأوروبي على مدى السنوات الثلاث الماضية، لدى مواجهته الضرورية لتهدئة الأسواق الغاضبة المنزعجة وإرساء أسس التعافي المتين، يركز إلى حد كبير على الاستقرار المالي، وتقليص العجز المالي والديون. والآن مع هدوء التوترات المالية وعودة الثقة يتعين على زعماء أوروبا أن يحولوا تركيزهم في عام 2014 إلى الاقتصاد الحقيقي والقاعدة الصناعية. وسيكون اجتماع مجلس الوزراء الأوروبي في شهر فبراير مكاناً جيداً للبدء.

 

ولتحديد أفضل السبل للمضي قدماً، يتعين على زعماء أوروبا أن ينظروا إلى الماضي. والواقع أن الاستثمار في التصنيع -أحد محركات النمو الرئيسية في أوروبا تاريخياً- يحمل المفتاح إلى إنعاش الاقتصاد الأوروبي.

 

على مدى العقد الماضي، كانت السياسة الصناعية تحتل مرتبة ثانوية لمصلحة القطاعات المالية والخدمية. واعتُبِر التصنيع حِرفة من الماضي، ولم تعد أوروبا تُعتَبَر موقعاً مناسباً للصناعة التنافسية. ومنذ ذلك الحين خضعت بلدان أوروبية عديدة لعملية خفض التصنيع. فانحدر الإنتاج الصناعي في إيطاليا على سبيل المثال بنحو 20 في المئة منذ عام 2007.

 

ورغم هذا فإن القطاع الصناعي يظل يلعب دوراً رئيسياً في اقتصاد الاتحاد الأوروبي، حيث يوظف أكثر من 34 مليون شخص ويمثل نحو 80 في المئة من الصادرات، في حين يمد مجال البحث والتطوير بنسبة كبيرة من الاستثمار الخاص. وبالتالي فإن التصنيع يؤثر على كل القطاعات الأخرى في الاقتصاد الأوروبي، بما في ذلك قطاع الخدمات.

 

الواقع أنه رغم تحول تركيز صناع السياسات والمنافسة من قِبَل الاقتصادات الناشئة، فإن البلدان الأوروبية تظل بين الدول الأعلى أداءً في مجال التصنيع على مستوى العالم، نظراً للشركات العديدة التي تمكنت من التكيف والإبداع. وبفضل هذه الشركات تمكنت إيطاليا من تجاوز صناعاتها التقليدية -الأغذية والأزياء والأثاث- إلى قطاعات متطورة مثل الصيدلة البيولوجية، والميكاترونيكس (المنتجات التي تجمع مزيجاً من الميكانيكية والإلكترونية)، والفضاء.

 

وتشهد بلدان الاتحاد الأوروبي المختلفة تحولاً مماثلاً نحو الأنشطة التصنيعية ذات القيمة المضافة الأعلى. وتشير هذه التطورات إلى أن نجاح أوروبا في المستقبل سيتوقف على قدرتها على الجمع بين أسباب قوتها الاقتصادية التقليدية والإبداع القوي.

 

وينبغي لبلدان الاتحاد الأوروبي أن تعمل على خلق الظروف التي يحتاج إليها القطاع الصناعي المزدهر. على سبيل المثال، سيساعد برنامج "المقصد إيطاليا" الذي أطلقته إيطاليا أخيراً الشركات الإيطالية على النجاح من خلال إنشاء نظام ضريبي أكثر وضوحاً وقابلية للتوقع، والحد من الروتين البيروقراطي، وضمان إنفاذ العقود بشكل أكثر فعالية من خلال تعزيز قوة نظام العدالة المدني. ومثل هذه البيئة من شأنها أن تمكن الشركات من النمو، في حين تعمل على اجتذاب الاستثمار الخاص الأجنبي والمحلي.

 

لكن الجهود الوطنية وحدها لا تكفي. فالشركات الأوروبية مندمجة في سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية. فالمكونات المنتجة بواسطة شركة في بريشيا شمالي إيطاليا، قد تذهب إلى معدات تنتج في مدينة شتوتغارت الألمانية، وربما يتم تجميعها بعد ذلك كمنتج نهائي في مدينة ملقة الإسبانية. وفي هذا السياق، لا تستطيع أي شركة بمفردها أن تحقق كامل إمكاناتها ما لم تكن كل الشركات ناجحة.

 

ويتلخص النهج الأكثر فعالية لاستعادة القدرة التنافسية الأوروبية في الجمع بين مواطن القوة الفردية التي تتمتع بها بلدان الاتحاد الأوروبي المختلفة، وبالتالي تكوين سلاسل عرض أوروبية متزايدة الإنتاجية -أو الاستيلاء على المراتب العليا في سلاسل العرض العالمية. وهذا يتطلب تعميق الروابط بين الاقتصادات الوطنية وتعزيز سوق مشتركة حقيقية غير مقيدة تعمل على دمج مواطن القوة النسبية للبلدان المختلفة.

 

ولتحقيق هذه الغاية، فإن السياسات الأفضل توجيهاً على مستوى الاتحاد الأوروبي تشكل ضرورة أساسية. وسيتطلب الحفاظ على القدرة التنافسية عالمياً الاستثمار في المحددات الرئيسية للإنتاج الصناعي في المستقبل: كفاءة الطاقة والإبداع التكنولوجي. وعلى هذا، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يكون حريصاً على تنفيذ التدابير الكفيلة بدعم القدرة التنافسية للصناعات الكثيفة الاستخدام للطاقة، مع التركيز بشكل خاص على تقليص فجوة أسعار الطاقة مع منافسي أوروبا الصناعيين، مثل الولايات المتحدة والاقتصادات الناشئة. وتشكل سوق الطاقة الداخلية الفع�'الة أهمية بالغة لتوفير الطاقة بأسعار معقولة.

 

وهناك مبادرة أخرى مهمة قائمة بالفعل -منطقة البحوث الأوروبية. ولابد من تنفيذ هذه المبادرة بحلول عام 2014. فمن خلال إنشاء أجندة مشتركة لبرامج البحوث الوطنية وتسهيل تداول المهارات والمعرفة العلمية -السماح لمركز متطور للعلوم الميكانيكية في إيطاليا على سبيل المثال باجتذاب الباحثين من فنلندا أو البرتغال- تَعِد منطقة البحوث بخلق البيئة المثلى للإبداع.

 

وبعيداً عن البحث والتطوير، فإن الاقتصاد الصناعي القائم على الإبداع والابتكار يتطلب عمالة تتمتع بمهارات محددة عالية المستوى. وتتطلب تلبية هذا الطلب انتهاج الاتحاد الأوروبي لسياسات تشجع التعليم الثانوي والعالي.

 

ومن أجل خلق أسواق متعددة الأبعاد وأكثر عمقاً وتكاملاً، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يعطي أولوية عالية لاتفاقيات التجارة الحرة، خصوصاً شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي التي يجري التفاوض عليها الآن مع الولايات المتحدة. ومثل هذا التكامل التجاري -وفي نهاية المطاف إنشاء سوق مشتركة عبر أطلسية- من الممكن أن يصبح من أكثر آليات النمو فعالية في أوروبا، خصوصاً بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، في العقود المقبلة.

 

وتحتاج شركات التصنيع الأوروبية أيضاً إلى قدرة أفضل كثيراً على الوصول إلى التمويل. كان تقنين الائتمان المستمر من موروثات الأزمة المالية الأشد ضرراً على الإطلاق. ففي بعض البلدان يُرفَض نصف طلبات القروض، كما بلغت تكاليف التمويل مستويات باهظة إلى حد التعجيز.

 

ليس هناك من الأسباب ما يبرر أن تكون تكاليف القروض في بوزن (بولزانو) ضعف نظيراتها في إنسبروك القريبة؛ والواقع أن هذه الفوارق الظالمة لا تفضي إلا إلى تقويض المنافسة وجلب الركود الاقتصادي. وإذا لم يسارع زعماء الاتحاد الأوروبي إلى حل هذه المشكلة، بما في ذلك من خلال السعي إلى إنشاء اتحاد مصرفي تام النضج، فإن التأثيرات الإيجابية المترتبة على جهود الإصلاح ستذهب أدراج الرياح بسبب الافتقار إلى استثمارات جديدة.

 

إن العودة إلى التصنيع -جنباً إلى جنب مع مكافحة البطالة بين الشباب- لابد أن تكون على رأس أجندة أوروبا في عام 2014، بهدف إنشاء قطاع صناعي يمثل 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2020. ولن يتسنى هذا إلا من خلال تعميق تكامل الاتحاد الأوروبي. والواقع أن الاتحاد المتزايد التقارب والاندماج يمثل أمل أوروبا الوحيد لبناء اقتصاد حديث ومبدع ومزدهر.

---------------------

 

التراجع الخطير عن قواعد التجارة العالمية

باسكال لامي

على مدى نصف القرن الماضي، شهد العالم "تقارباً عظيما"، مع ارتفاع نصيب الفرد في الدخل في البلدان النامية بسرعة تقترب من ثلاثة أمثال مثيلاتها في البلدان المتقدمة. ولكن التطورات التي شهدها عام 2013 كشفت أن نظام التجارة المفتوحة الذي عمل على تيسير هذه التقدم أصبح الآن عُرضة لتهديد خطير، مع تسبب الطريق المسدود، الذي بلغته مفاوضات التجارة المتعددة الأطراف في تحفيز انتشار "اتفاقيات التجارة التفضيلية"، بما في ذلك أكبر اتفاقيتين تم التفاوض عليهما على الإطلاق- الشراكة عبر المحيط الهادي، وشراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي.

 

كانت القواعد والمعايير الناشئة عن الاتفاقية العامة بشأن التعريفات الجمركية (الجات)، وخليفتها منظمة التجارة العالمية، بمنزلة الأساس الذي قام عليه نموذج النمو القائم على التصدير الذي مك�'ن البلدان النامية من انتشال الملايين من البشر من براثن الفقر. والمفارقة العجيبة هنا هي أن ارتفاع الاقتصادات النامية الكبيرة إلى الأهمية النظامية يكمن في صميم الجمود الحالي الذي أصاب مفاوضات التجارة المتعددة الأطراف.

 

فتزعم البلدان المتقدمة أن الاقتصادات الناشئة لابد أن تتبنى مبدأ التبادلية، وأن تقيم أنظمة تجارية شبيهة بنظيراتها لديها. وترد الاقتصادات الناشئة على هذا بأن نصيب الفرد في الدخل لديها لايزال أقل كثيراً من نصيب الفرد في الدخل في البلدان المتقدمة، وتصر على أن معالجة تحديات التنمية الهائلة التي تواجهها تستلزم مرونة الالتزامات التجارية المفروضة عليها. وكان الجمود الناجم عن ذلك سبباً في إعاقة المناقشة المجدية للقضايا الرئيسية التي يثيرها الاقتصاد العالمي المفتوح- بما في ذلك التدابير غير الجمركية، والقيود المفروضة على التصدير، والتجارة الإلكترونية، وأسعار الصرف، والعواقب التجارية التي تفرضها السياسات المتعلقة بتغير المناخ.

 

وعلى هذه الخلفية، تبدو اتفاقيات التجارة التفضيلية على وشك إعادة تشكيل التجارة العالمية. تضم مفاوضات الشراكة عبر المحيط الهادي أكثر من عشرة بلدان من آسيا وأميركا اللاتينية وأميركا الشمالية، بما في ذلك اليابان والمكسيك والولايات المتحدة؛ وستشمل اتفاقية شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي الكيانين الاقتصاديين الأكبرين على مستوى العالم، الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة؛ وتضم الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة 16 دولة من منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وتعمل اليابان أيضاً على إبرام اتفاقية مع الصين وكوريا الجنوبية، فضلاً عن اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي.

 

يُقال إن اتفاقيات التجارة التفضيلية لديها القدرة على تحسين الظروف بما يتجاوز حدود البلدان المعنية. فإذا ما كانت الشراكة عبر المحيط الهادئ أو شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي تنتج إصلاحات ذات مغزى لإعانات الدعم الزراعية المشوهة للتجارة- لكي تصبح أول اتفاقية غير متعددة الأطراف تفعل ذلك- فإن الفوائد ستكون دولية حقاً. ولكن اتفاقيات التجارة التفضيلية القائمة الآن أو التي يجري التفاوض عليها تركز بشكل أكبر على القضايا التنظيمية وليس الرسوم والتعريفات الجمركية، وهي بالتالي تلزم المشاركين بالتوصل إلى اتفاق على مجموعة واسعة من القواعد التي تغطي على سبيل المثال معايير الاستثمار والمنافسة العادلة والصحة والسلامة، والتنظيمات الفنية.

 

ويفرض هذا عدداً من العقبات، فرغم أن بعض التدابير غير الجمركية قد يكون من السهل اعتبارها تدابير حماية، فإن العديد التدابير الأخرى تخدم أهداف السياسة العامة المشروعة، مثل سلامة المستهلك أو حماية البيئة، الأمر الذي يجعل من الصعب ضمان عدم تعارضها مع المبادئ الأساسية للنزاهة والانفتاح.

 

وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الاتفاقيات قد تحبس فئات متنوعة في مناهج تنظيمية مختلفة، وهو ما من شأنه أن يرفع تكاليف المعاملات بالنسبة للتجار المحليين، وأن يجعل من الصعب على السلع والخدمات الخارجية اختراق هذه الكتلة. ومثل هذه التجزئة للسوق قد تؤدي إلى انقطاع سلاسل العرض، وقد تؤدي إلى انحرافات تجارية مدمرة للكفاءة.

 

وأخيراً، قد تثبت قدرة اتفاقيات التجارة التفضيلية الضخمة على تحديد المعايير التي تفيد غير المشاركين، لكونها أكثر محدودية مما قد يعتقد كثيرون. فربما تتسبب قواعد التجارة عبر الأطلسية التي تحكم تقييم العملة على سبيل المثال في دفع اليابان إلى حالة من عدم الاكتراث. وقد لا تفضي القواعد المحددة التي تهدف إلى حماية الملكية الفكرية إلى أي شيء غير منع البرازيل والهند من المشاركة.

 

وسيتطلب التغلب على هذه العقبات أولاً وقبل كل شيء مستوى معينا من التماسك والاتساق بين اتفاقيات التجارة التفضيلية، شريطة أن تتبع الاتفاقيات المختلفة التالية مبادئ مماثلة تقريباً في معالجة القضايا التنظيمية. وفضلا عن ذلك، فإذا نظر البعض إلى الإقليمية باعتبارها قسرية وغير ودية، فقد تلجأ البلدان إلى تشكيل تكتلات تجارية دفاعية، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى التفتت والتشظي الاقتصادي، وتصاعد حدة التوترات الأمنية. ولمنع مثل هذه النتيجة فلابد أن تكون الاتفاقيات مفتوحة نسبياً للقادمين الجدد وقابلة لاحتمال "التعددية".

 

ولكن الحاجة إلى تماسك واتساق السياسات يمتد إلى ما هو أبعد من اتفاقيات التجارة التفضيلية الضخمة. فتحقيق النتائج المثلى من التجارة الدولية يتطلب الانتباه على كل المستويات إلى الأرضية المشتركة بين التجارة ومجموعة كبيرة من مجالات السياسة العامة الأخرى.

 

ولنتأمل هنا مسألة الأمن الغذائي. إن السياسات الوطنية الفع�'الة بشأن إدارة الأراضي والمياه والموارد الطبيعية، والبنية الأساسية، وشبكات النقل، وخدمات الإرشاد الزراعي، وحقوق ملكية الأراضي، والطاقة والتخزين والائتمان والبحوث لا تقل أهمية عن الترتيبات التجارية المعنية بنقل المواد الغذائية من بلدان الفائض إلى البلدان التي تحتاج إليها.

 

وعلى نحو مماثل، يشكل التعاون الإقليمي في مجال المياه والبنية الأساسية أهمية بالغة لتحسين العلاقات الدبلوماسية وإنشاء أسواق جيدة الأداء. وعلى المستوى التعددي يتأثر الإنتاج الزراعي والتجارة بالسياسات التي تحكم إعانات الدعم والتعريفات الجمركية والقيود المفروضة على التصدير (رغم أن هذه القيود لا تحكمها حالياً قواعد صارمة تفرضها منظمة التجارة العالمية).

 

ورغم القيمة الكبيرة الكامنة في التعاون الإقليمي والسياسات الوطنية الملائمة، فإن النظام التجاري التعددي الجيد الأداء يظل يشكل أهمية بالغة. ومن أجل تنشيط التعاون التجاري المتعدد الأطراف، يتعين على الحكومات أن تعمل بالتعاون في ما بينها من أجل معالجة القضايا العالقة غير المحلولة من "أجندة الدوحة"، مثل إعانات الدعم الزراعية والتعريفات التصاعدية. ومن المؤكد أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه في مؤتمر منظمة التجارة العالمية الوزاري الأخير في بالي يمثل نعمة للتجارة العالمية والتعاون المتعدد الأطراف.

 

ولكن يتعين على الحكومات أن تعمل على توسيع الأجندة بحيث تشمل مبادئ توجيهية تهدف إلى ضمان عدم تسبب اتفاقيات التجارة التفضيلية في التفتت الاقتصادي. ومن الممكن أن تساعد قواعد منظمة التجارة العالمية في المستقبل بشأن القيود المفروضة على التصدير في تثبيت استقرار أسواق السلع الزراعية الدولية. ومن الممكن تحرير التجارة في الخدمات إلى مستويات أبعد، وقد تمنع إعانات الدعم الصناعية أهداف الإبداع الأخضر من الضياع والتخبط وسط الضغوط الرامية إلى تعزيز فرص العمل في الداخل.

 

وإضافة إلى ذلك، من الممكن أن تعمل القواعد العالمية التي تحكم الاستثمار على تعزيز كفاءة تخصيص الموارد، في حين قد تخدم المبادئ التوجيهية الدولية بشأن سياسة المنافسة مصالح المستهلكين وأغلب المنتجين بشكل أكثر فعالية من النظام المختلط القائم. ومن الممكن أن تفضي زيادة التعاون مع صندوق النقد الدولي بشأن القضايا الخاصة بأسعار الصرف، ومع منظمة العمل الدولية بشأن معايير العمل، إلى الحد من التوترات التجارية وتعزيز إسهام التجارة في تحسين حياة الناس.

 

ومن شأن الاستراتيجية المشتركة في معالجة التدابير غير الجمركية أن تساعد البلدان في تجنب الاحتكاكات التجارية غير الضرورية. وقد تعمل التطورات الجديدة في مجال إنتاج الطاقة على تيسير التعاون الدولي بشكل أكثر جدوى في التجارة والاستثمار في مجال الطاقة.

 

وكل هذا يتطلب تقبل الاقتصادات الناشئة لضرورة اصطفاف التزاماتها التجارية في نهاية المطاف مع التزامات الاقتصادات المتقدمة، وأن تتقبل البلدان المتقدمة حقيقة مفادها أن البلدان الناشئة تستحق فترات انتقالية طويلة. وفي عام 2014 وما بعده، ينبغي لكل الأطراف أن تدرك أن النظام التجاري الدولي القائم على مجموعة محدثة من القواعد في عالم متعدد الأقطاب يُعَد الوسيلة الأقل مخاطرة لملاحقة أهداف النمو لديها. والواقع أن اتفاقية منظمة التجارة العالمية التي تم التوصل إليها في بالي بشأن تبسيط البروتوكولات الحدودية، بين قضايا أخرى، تبرهن على إمكانية اتخاذ خطوات مهمة حقاً في هذا الاتجاه.

-----------------------

 

إعادة تمكين الاقتصاد العالمي

كريستين لاغارد

في عام 2013، ظل الاقتصاد العالمي معلقاً بين قطبي الأمل وعدم اليقين. ورغم أن التعافي اكتسب بعض الزخم، خصوصاً في بعض الاقتصادات المتقدمة، فإن الاقتصاد العالمي لا ينطلق بكامل طاقته حتى الآن- ومن المرجح أن يظل مفتقراً إلى الطاقة الكاملة في العام المقبل أيضاً.

 

ووفقاً لأحدث توقعات صندوق النقد الدولي، فإن نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي سيبلغ 3.6 في المئة في عام 2014، وهو معدل لائق، ولكنه لايزال أدنى من النمو المحتمل بنسبة 4 في المئة تقريباً. وبعبارة أخرى، فإن العالم لايزال قادراً على توليد المزيد من الوظائف من دون تغذية الضغوط التضخمية.

 

وهذا يعني أن البلدان الأعضاء في صندوق النقد الدولي -سواء كانت من البلدان المتقدمة أو الأسواق الناشئة أو الاقتصادات النامية- لديها المزيد من العمل الذي يتعين عليها أن تقوم به. إن التعافي القوي والدائم الذي يرفع من مستوى كل البلدان وكل الشعوب يستلزم أن يمضي صناع السياسات قدماً على كل الجبهات- الضريبية والبنيوية والمالية. ومن ناحية أخرى، يتعين على المجتمع الدولي أن يعيد تنشيط جهوده الرامية إلى تعزيز التعاون من خلال مجموعة العشرين G20، وصندوق النقد الدولي، وغير ذلك من الجهات الفاعلة. والواقع أننا لن نتمكن من التغلب على التأثيرات المتبقية من الأزمة العالمية إلا من خلال مثل هذا التعاون.

 

من المؤكد أننا تجنبنا الانزلاق إلى السيناريو الأسوأ (الكساد العظيم الثاني) على مدى الأعوام الخمسة الماضية، بفضل جهود صناع السياسات العالمية- خصوصاً حرص البنوك المركزية على الإبقاء على أسعار الفائدة العالمية منخفضة ودعم النظام المالي، مقترناً بالتحفيز المالي في بعض البلدان. ولكن الوقت حان لبذل المزيد من الجهد، بما في ذلك استخدام الحيز الذي أتاحته السياسات النقدية غير التقليدية لتنفيذ الإصلاحات البنيوية القادرة على إعطاء دفعة قوية للنمو وخلق فرص العمل.

 

ويشكل ما يحدث في الاقتصادات المتقدمة أهمية مركزية بالنسبة للتوقعات العالمية؛ ورغم أداء هذه الاقتصادات الأقوى أخيراً، فإن مخاطر الركود والانكماش تظل باقية في الأفق. ولا ينبغي للبنوك المركزية أن تعود إلى المزيد من السياسات النقدية التقليدية إلا عندما تصبح جذور النمو القوي راسخة.

 

كانت الولايات المتحدة فترة طويلة المحرك الرئيسي الذي يدفع الاقتصاد العالمي، وقد استعاد الطلب الخاص هناك نشاطه وقوته. ولكن هناك تحديات أساسية تنتظرنا على الطريق. على سبيل المثال، من الأهمية بمكان أن يتابع صناع السياسات الاتفاق الأخير بشأن الميزانية، وأن يحرصوا على إنهاء الخلافات السياسية حول المستقبل المالي للبلاد. ذلك أن زيادة اليقين بشأن اتجاه السياسة من الممكن أن تساعد في إعادة النمو إلى المستوى الكفيل بإقالة الاقتصاد العالمي بالكامل من عثرته.

 

في اليابان، تم تحفيز التعافي بالاستعانة بمزيج من السياسات النقدية والمالية القوية التي عرفت باسم "اقتصاد آبي". وهو تطور بالغ الأهمية. ويكمن التحدي الآن في الاتفاق على التعديلات المالية المتوسطة الأمد وتنفيذ الإصلاحات البنيوية- بما في ذلك إلغاء القيود التنظيمية المفروضة على أسواق المنتجات والخدمات واتخاذ التدابير اللازمة لتعزيز حصة المرأة في أماكن العمل- وهو أمر مطلوب لإعطاء النمو أساسا متينا وطرد شبح الانكماش أخيراً.

 

وتشكل أوروبا أيضاً حلقة أساسية. فقد أظهرت منطقة اليورو أخيراً علامات التعافي، ولكن النمو هناك غير متكافئ وغير متوازن. ورغم أن أداء العديد من البلدان كان طيباً إلى حد كبير، فإن الطلب في عموم الأمر يظل ضعيفاً، وتظل معدلات البطالة في البلدان الطرفية مرتفعة بعناد، خصوصاً بين الشباب.

 

وتُعَد صحة البنوك في أوروبا من بين مناطق عدم اليقين. ومن الممكن أن تساعد اختبارات الإجهاد المقبلة ومراجعات جودة الأصول في استعادة الثقة وتعزيز التكامل المالي، ولكن هذا لن يتحقق إلا من خلال الإدارة الجيدة لهذه الاختبارات والمراجعات. وأوروبا في احتياج إلى تعزيز الطلب، وتعزيز بنيتها المالية والضريبية، وتطبيق الإصلاحات البنيوية لضمان النمو المستدام وخلق فرص العمل.

 

على مدى نصف العقد الماضي، كانت الأسواق الناشئة في طليعة التعافي الاقتصادي: فهي إلى جانب البلدان النامية تمثل ثلاثة أرباع نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ولكن زخم هذه الاقتصادات تباطأ في عام 2013، بسبب تزامن عدم اليقين بشأن توقيت تطبيع السياسة النقدية في الولايات المتحدة مع الشكوك حول استدامة مسار النمو في هذه البلدان.

 

ورغم أن أسوأ المخاوف تبددت، فإن الاقتصادات الناشئة تواجه تحديات سياسية جديدة. وفي الاستجابة لتباطؤ الطلب، يتعين على صناع السياسات أن يتوخوا الحذر إزاء الشطط المالي، خصوصاً في هيئة فقاعات الأصول أو ارتفاع مستويات الديون. كما يتعين عليهم أن يركزوا على تعزيز التنظيم المالي، من أجل إدارة دورات الائتمان وتدفقات رأس المال على نحو أكثر فعالية، وعلى إعادة ترسيخ الحيز المالي الكافي للمناورة.

 

وكانت البلدان المنخفضة الدخل أيضاً بقعة مشرقة في الاقتصاد العالمي على مدى الأعوام الخمسة الماضية. فقد أثبتت مرونتها وقدرتها على الصمود في مواجهة الأزمة، وينعم الكثير منها- خصوصاً في إفريقيا حيث ارتفع الناتج السنوي بنحو 5 في المئة في عام 2013- بالنمو القوي. والآن حان الوقت للبناء على هذه المكاسب، في المقام الأول من خلال تعزيز قدرة هذه البلدان على زيادة عائداتها. فمع ضعف الطلب من الأسواق الناشئة، يتعين على البلدان المنخفضة الدخل أن تعزز من دفاعاتها ضد الانكماش الخطير، حتى في حين تستمر في التركيز على الإنفاق على البرامج الاجتماعية الرئيسية ومشاريع البنية الأساسية.

 

وتواجه بلدان الشرق الأوسط التي تمر بمرحلة انتقالية تحديات إضافية في هيئة عدم الاستقرار الاجتماعي وانعدام اليقين السياسي. ولابد من مواجهة مثل هذه المشاكل بإرساء الأساس لاقتصادات ديناميكية شفافة، وتشجيع النمو الأكثر شمولاً، وضمان الدعم المستمر من المجتمع الدولي.

 

وفي حين تتباين التحديات وتختلف من دولة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى، فإن العديد من المشاكل المشتركة لابد أن تعالج في الأعوام المقبلة. فالعديد من البلدان تواجه إرثاً من الديون العامة والخاصة المرتفعة والاختلالات المالية والضريبية واختلال توازن الحساب الجاري، ونماذج النمو العاجزة عن توليد القدر الكافي من فرص العمل. ويتعين على المجتمع الدولي أيضاً أن يعمل على استكمال الإصلاحات التنظيمية اللازمة لخلق نظام مالي أكثر أماناً وأكثر قدرة على دعم احتياجات الاقتصاد الحقيقي.

 

وهذه ليست تحديات مجردة. فمن خلال مواجهتها ومعالجتها فقط يصبح بوسعنا ضمان الرخاء في المستقبل في وقت، حيث ترتفع تطلعات المليارات من البشر- للعثور على الوظائف والإفلات من براثن الفقر والالتحاق بالطبقة المتوسطة العالمية ذات يوم.

 

في عام 2014، يتعين علينا أن نتخذ الخطوات الكفيلة بالإسهام في تحويل هذا الحلم إلى حقيقة. وصندوق النقد الدولي ملتزم بالعمل مع بلدانه الأعضاء الـ188 من أجل تحديد وتنفيذ التدابير السياسية القادرة على تشغيل محركات النمو بكل طاقتها- ورفع كل الناس إلى الرخاء والازدهار من جديد.

-----------------------

 

الغاز الصخري الأميركي وتأثيره العالمي

دانيال يرغين*

كان أكبر إبداع في عالم الطاقة حتى الآن في هذا القرن تطوير تقنية استخراج الغاز الصخري والمورد المرتبط به والمعروف باسم "النفط المحكم"، وتأتي الطاقة الصخرية في القمة ليس فقط بسبب وفرتها في الولايات المتحدة، بل بسبب تأثيرها العالمي العميق أيضاً، كما ستثبت أحداث عام 2014 بشكل متواصل.

 

وقد بدأ الغاز الصخري والنفط المحكم الأميركيان بتغيير أسواق الطاقة العالمية والحد من قدرة أوروبا التنافسية في مواجهة القدرة التنافسية الصناعية الإجمالية للولايات المتحدة والصين، كما تساهم الطاقة الصخرية في إحداث تحولات في السياسة العالمية. والواقع أن الكيفية التي قد تعمل بها الطاقة الصخرية على تغيير الدور الذي تلعبه أميركا في الشرق الأوسط أصبحت تشكل موضوعاً ساخناً في واشنطن، وفي الشرق الأوسط ذاته.

 

لم تأتِ هذه الثورة "غير التقليدية" في النفط والغاز بسرعة، فتقنية التكسير الهيدروليكي كانت مستخدمة منذ عام 1947، وقد بدأت الجهود الرامية إلى تكييف هذه التقنية مع الصخر الزيتي الكثيف في تكساس في أوائل الثمانينيات، ولكن لم يتم التوصل إلى إتقان هذا النمط المحدد من التكسير للصخر الزيتي، جنباً إلى جنب مع الحفر الأفقي، إلا في أواخر التسعينيات، وفي عام 2008 بدأ تأثير هذه التقنية على إمدادات الطاقة في الولايات المتحدة يصبح ملحوظاً.

 

ومنذ ذلك الوقت سجلت هذه الصناعة نمواً سريعاً، وأصبح الغاز الصخري حالياً يشكل نحو 44% من إجمالي إنتاج الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة، ونظراً للإمدادات الوفيرة، فقد هبطت أسعار الغاز الأميركي إلى ثلث الأسعار في أوروبا، في حين تدفع آسيا خمسة أضعاف السعر في الولايات المتحدة، ويعمل "النفط المحكم"، الذي يتم إنتاجه بنفس التكنولوجيا المستخدمة لاستخراج الغاز الصخري على تعزيز إنتاج الولايات المتحدة من النفط أيضاً، مع ارتفاع الإنتاج بنسبة 56% منذ عام 2008- وهذه الزيادة من حيث الأرقام المطلقة أكبر من إجمالي إنتاج ثماني دول من أصل 12 دولة في منظمة أوبك (منظمة الدول المصدرة للبترول)، والواقع أن وكالة الطاقة الدولية تتوقع أن تتفوق الولايات المتحدة في السنوات القليلة المقبلة على المملكة العربية السعودية وروسيا لكي تصبح الدولة الأكبر إنتاجاً للنفط على مستوى العالم.

 

قبل خمس سنوات، كان من المتوقع أن تستورد الولايات المتحدة كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال من أجل التعويض عن عجز متوقع في الإنتاج المحلي، والآن لم تعد الولايات المتحدة تستورد الغاز الطبيعي المسال، وهي توفر بالتالي نحو 100 مليار دولار من فاتورة الواردات السنوية. وبالأسعار الحالية، ساعدت الزيادة في إنتاج النفط في الولايات المتحدة في خفض 100 مليار دولار أخرى من الفاتورة، وبالإضافة إلى هذا، تدعم الثورة غير التقليدية أكثر من مليوني وظيفة.

 

وكان التأثير العالمي هائلاً، وكان الكثير من قدرة إنتاج الغاز الطبيعي المسال العالمية الجديدة يطور مع الوضع في الحسبان إنتاج الولايات المتحدة، والآن بعد أن أصبحت سوق الولايات المتحدة محمية بالغاز المحلي الرخيص، فإن بعض هذا الغاز الطبيعي المسال يذهب إلى أوروبا، الأمر الذي يشكل منافسة غير متوقعة للموردين التقليديين روسيا والنرويج.

 

وبالنسبة إلى اليابان، فقد أثبت تراجع الطلب من جانب الولايات المتحدة على الغاز الطبيعي المسال كونه نعمة في أعقاب كارثة "محطة داييتشي" لتوليد الطاقة النووية في فوكوشيما عام 2011، فالكثير من هذا الغاز الطبيعي من الممكن أن يذهب إلى اليابان لتوليد الكهرباء، ليحل محل الطاقة الكهربائية المفقودة بعد الإغلاق الكامل للطاقة النووية.

 

والآن تعكف العديد من البلدان على إعادة تقييم سياسات الطاقة لديها في ضوء ثورة الطاقة غير التقليدية. والواقع أن الصين، بعد أن رأت سرعة تطور الغاز الصخري ومداه في الولايات المتحدة، أعطت أولوية عالية لتنمية موارد الغاز غير التقليدية الكثيفة. وبالنسبة إلى الصين فإن الاستعاضة عن الفحم بالغاز الطبيعي في توليد التيار الكهربائي تشكل ضرورة أساسية لتخفيف الاستياء العام والمشاكل الصحية النابعة من العبء الثقيل المتمثل بتلوث الهواء في المناطق الحضرية.

 

ويخلف صعود الطاقة الصخرية في الولايات المتحدة أيضاً تأثيراً أوسع على الاقتصاد العالمي: حيث يعمل الغاز الصخري الأميركي على تغيير ميزان القدرة التنافسية في الاقتصاد العالمي، على النحو الذي يمنح الولايات المتحدة ميزة غير مسبوقة وغير متوقعة. والواقع أن الغاز الطبيعي غير المكلف يغذي نهضة التصنيع في الولايات المتحدة، مع إقبال الشركات على بناء مصانع جديدة وتوسيع المرافق القائمة.

 

وفي أنحاء أوروبا المختلفة، بات قادة الصناعة يشعرون على نحو متزايد بالانزعاج الشديد إزاء خسارة الشركات للقدرة التنافسية لمصلحة المصانع التي تستخدم الغاز الطبيعي المنخفض التكاليف، وما يترتب على ذلك من تحول التصنيع من أوروبا إلى الولايات المتحدة، ويشكل هذا سبباً أعظم للقلق في ألمانيا، التي يعتمد نصف ناتجها المحلي الإجمالي على الصادرات، حيث تظل تكاليف الطاقة على مسار صاعد بشكل عنيد، وتعني هذه التكاليف العالية أن الصناعة الألمانية ستخسر حصتها في السوق العالمية.

 

وأياً كانت أهدافها في ما يتصل بتحويل مزيج الطاقة لديها، فإن بلدان الاتحاد الأوروبي التي تعاني بالفعل البطالة المرتفعة ستضطر إلى إعادة النظر في استراتيجيات الطاقة العالية التكلفة أو مواجهة إضعاف القدرة التنافسية وخسارة الوظائف.

 

وقد بات التأثير الجيوسياسي واضحاً بالفعل. على سبيل المثال، تجلس إيران الآن وبجدية على طاولة المفاوضات النووية، وما كان هذا ليحدث لولا "النفط المحكم"، فعندما فرضت العقوبات الصارمة على صادرات النفط الإيرانية، أعرب كثيرون عن خشيتهم من ارتفاع أسعار النفط العالمية بشكل حاد، وأن العقوبات قد تفشل في نهاية المطاف، نظراً لعدم كفاية الإمدادات البديلة، ولكن الزيادة في إنتاج النفط في الولايات المتحدة على مدى العامين الماضيين عوضت عن الإنتاج الإيراني المفتقد، الأمر الذي مَك�'َن العقوبات (التي عززتها تدابير مالية موازية) من إحداث التأثير المطلوب- الأمر الذي حض إيران على التفاوض بجدية، وهو ما لم تكن على استعداد للقيام به قبل عامين فقط.

 

وفي العواصم العربية، يتصاعد القلق من أن تتسبب الزيادة السريعة في إنتاج "النفط المحكم" في الولايات المتحدة في تغذية الانفصال الكامل من جانب الولايات المتحدة عن الشرق الأوسط، ولكن هذا يشكل مبالغة في تقدير المدى الذي قد تعمل به الواردات النفطية المباشرة على تشكيل سياسة الولايات المتحدة في التعامل مع المنطقة، ولا شك أن زيادة الإنتاج الأميركي، مقترنة بزيادة الكفاءة في استخدام الوقود في السيارات، سوف تستمر في تقليص واردات الولايات المتحدة من النفط، ورغم أن الولايات المتحدة سوف تستمر في استيراد النفط في السنوات المقبلة، فإن قدراً متزايداً من هذه الواردات سيأتي من كندا (على الرغم من المناقشة الدائرة حول خط أنابيب كيستون إكس إل).

 

ولكن الحقيقة هي أن إمدادات الشرق الأوسط لم تكن ضخمة للغاية في الصورة البترولية الأميركية الإجمالية لبعض الوقت. حتى قبل نمو "النفط المحكم"، كانت منطقة الخليج تمثل نحو 10% فقط من إجمالي إمدادات الولايات المتحدة، ولم تكن واردات الولايات المتحدة النفطية المباشرة من الشرق الأوسط، بل أهمية النفط بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي والسياسة العالمية هي التي ساعدت في تحديد المصالح الاستراتيجية الأميركية.

 

وسيظل الشرق الأوسط ساحة تشكل أهمية جيوسياسية كبرى، وسيظل نفط الشرق الأوسط يشكل ضرورة أساسية لعمل الاقتصاد العالمي، وهذا يعني ضمناً أن المنطقة ستظل في الأرجح تشكل مصلحة استراتيجية مركزية بالنسبة إلى الولايات المتحدة.

 

ولكن في الإجمال، توفر ثورة الطاقة الصخرية مصدراً جديداً لمرونة الولايات المتحدة وتعمل على تعزيز مكانة أميركا في العالم. ومرة أخرى، يبرهن ظهور الغاز الصخري و"النفط المحكم" في الولايات المتحدة على قدرة الإبداع والابتكار على تغيير موازين القوى الاقتصادية والسياسية العالمية.

 

* نائب رئيس مؤسسة خدمات معالجة المعلومات (IHS)، ومؤلف كتابي "المسعى.. الطاقة والأمن وإعادة تشكيل العالم الحديث"، و"الجائزة.. البحث المحموم عن النفط والمال والسلطة" الذي نال عنه جائزة بوليتزر.

-------------------

 

الرحمة مع المهاجرين

كوفي أنان

احتل المصير المأساوي، الذي لقيه مئات عدة من الأفارقة الذين غرقوا بالقرب من جزيرة لامبيدوسا الإيطالية في شهر أكتوبر، العناوين الرئيسية للصحف الدولية، فكانت لحظة نادرة من الرحمة والتأمل في المخاطر والأهوال التي تواجه العديد من المهاجرين.

 

لكن الجانب الاستثنائي الوحيد في هذه الكارثة كان ضخامة عدد القتلى. وبالنسبة لسكان لامبيدوسا، يُعد تحطم السفن وغرق لاجئين ومهاجرين من الأحداث المعتادة: فبعد أسبوع واحد انقلب قارب يحمل لاجئين سوريين وفلسطينيين قبالة شواطئ الجزيرة، وأسفر عن مقتل ثلاثين شخصا.

 

وقد أثبت عام 2013، وكأن الأمر يحتاج إلى المزيد من الأدلة، أن هذه الكوارث لا تقتصر على الشواطئ الأوروبية أو شواطئ البحر الأبيض المتوسط. ففي شهر نوفمبر، توفي ما يقرب من ثلاثين شخصاً من هاييتي عندما جنح قاربهم في طريقه إلى الولايات المتحدة- وهي ثالث حالة في شمال بحر الكاريبي منذ أكتوبر.

 

وعلى طول الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة، يتضور الناس جوعاً بسبب نشر ترتيبات الرقابة الحدودية المتطورة، بينما يحاولون عبور امتدادات صحراوية نائية. وفي منطقة آسيا والمحيط الهادئ، غرق المئات من المهاجرين واللاجئين هذا العام في خليج البنغال أثناء محاولتهم الوصول إلى أستراليا.

 

وتواجه الدول والمناطق الغنية معضلة تصميم ترتيبات المراقبة الحدودية على النحو الذي لا يعكس احتياجات ومطالب سكانها فحسب، بل ومسؤولياتها أيضاً تجاه أولئك الذين يسعون إلى دخول أراضيها. ولا جديد في أي من هذا، فمنذ اختراع الحدود الوطنية كان الناس يعبرونها، سواء رسمياً أو بعيداً عن الأنظار. وسواء كانوا يفعلون ذلك بحثاً عن الفرص الاقتصادية أو هرباً من العنف أو الكوارث البيئية، فإن البلدان المستضيفة كانت تستقبلهم بمزيج من الترحيب والحيطة.

 

والبلدان التي تحكم سيطرتها على حدودها تشجع اليائسين الواقعين تحت استغلال مهربين هازئين بكل القيم على خوض مجازفات أعظم للعبور إليها. وكما ذكرت المنظمة الدولية للهجرة بعد فترة وجيزة من وقوع مأساة لامبيدوسا، فإن فرض ترتيبات حدودية معززة "لم يخل�'ِف تأثيراً كافياً للحد من أو تخفيف أعداد الوافدين على جنوب أوروبا في المدى البعيد. بل على العكس من ذلك، بدأ المهاجرون يستكشفون طرقاً بديلة وأشد خطورة غالباً مع معدل متكرر من الوفيات في البحر".

 

بطبيعة الحال، ليس كل المهاجرين من اللاجئين أو المحتاجين إلى الحماية. الواقع أن المهاجرين على نفس القارب قد تكون دوافعهم متباينة ومختلفة- وهو ما يسميه صناع السياسات "الهجرة المختلطة". لكن في مواجهة صورة بالغة التعقيد، اتجهت الدول إلى معالجة تدفق المهاجرين الذين تعتبرهم غير مرغوبين بأن تقول فعلياً "البعيد عن العين بعيد عن القلب". ويصدق هذا بشكل خاص عندما تبلغ المشاعر المناهضة للمهاجرين في الداخل ذروتها، خصوصاً خلال حالات الانكماش الاقتصادي كتلك التي تشهدها مناطق عديدة حالياً.

 

إن التركيز بكل هذه العزيمة على إغلاق الحدود- وهو اتجاه مثير للقلق بشكل خاص في تناول الدول لمسألة ضوابط الهجرة اليوم- يميل إلى اعتبار المهاجرين متعدين غير مرغوبين حتى قبل البت في وضعهم، أو تأييد حقوقهم، أو الاعتراف بإسهاماتهم. كما قد يؤدي هذا إلى إثناء الناس عن مساعدة الضعفاء: فقد وردت تقارير في منطقة البحر الأبيض المتوسط عن سفن خاصة تحرص على تجنب قوارب المهاجرين المنكوبة خشية التعرض لل�'وم والزجر من قِبَل الدوريات الحدودية الأوروبية.

 

ينبغي لنا أن ندرك مدى يأس أولئك الذين يحاولون الانطلاق في مثل هذه الرحلات. فهم يعرفون ماذا ينتظرهم، سواء من أصدقاء أو من وسائل الإعلام. وهم يدركون المخاطر، ومن المؤكد أنهم سمعوا القصص المرعبة. وعندما يرون أن الخيارات المتاحة لهم أصبحت ضيقة، فإنهم يضعون أنفسهم تحت رحمة المهربين عديمي الضمير، وغالباً يكون الثمن باهظاً. فهم يُكَد�'َسون في سفن متداعية مهترئة لا يمكنها تحمل شحنتها الثقيلة. وهم يسافرون ليلاً فلا تراهم شرطة الحدود ولا عمليات الإنقاذ.

 

وبنفس القدر من الأهمية، يتعين على الحكومات أن تنظر إلى الهجرة باعتبارها بعداً عميقاً ملزماً من أبعاد التجربة الإنسانية. فمن خلال الهجرة، يتقاسم البشر فهماً مشتركاً للحزن والأمل والرحمة. والواقع أن هذا الفهم ألهم بعض أعظم مآثر تضامن المجتمع الدولي، مثل اتفاقية اللاجئين لعام 1951، التي تنص على حق الشخص في البحث عن ملاذ آمن عبر الحدود.

 

يفرض الارتفاع المستمر في أعداد الوفيات بين المهاجرين الذين يحاولون العبور إلى حياة جديدة معضلة كبرى: فمع اضطرارهم إلى اللجوء إلى شبكات المهربين، يُسحَب المهاجرون إلى مناطق رمادية من استجابات المجتمع الدولي. على سبيل المثال، لا تعمل قوات شرطة الحدود في الاتحاد الأوروبي وفقاً لمبادئ توجيهية واضحة في ما يتعلق بالبحث عن سفن المهاجرين المنكوبة وإنقاذها. وتنقسم البلدان الأعضاء حول كيفية معالجة هذا الأمر، ولم يبدأ إحراز بعض التقدم إلا في مناقشة أجريت أخيراً في بروكسل.

 

مع بداية عام 2014، يحتاج العالم إلى خطوط أكثر وضوحاً للمسؤولية عن تفادي المزيد من المآسي. والمجتمع الدولي مدين للمهاجرين واللاجئين بقدر أعظم من التعاطف والرحمة. وإلا فسنظل نفيق من حين لآخر على مشهد مقبرة جديدة على شواطئنا.

-------------------

 

العرب بين التحديات والفرص

فؤاد السنيورة

كانت وجهة نظري دائماً أن�' المشكلات يمكن ان تصبح تحديات، ويمكن أن تتحول إلى فُرَص. وهذا التبادُل بين التحدي والفرصة متاحٌ اليوم، ربما أكثر مما كان عليه طوال أكثر من عقدٍ من الزمان. وأقول ذلك الآن أو أُقررُهُ بمناسبة الاتفاق الأميركي- الإيراني أو دخول إيران مع المجتمع الدولي في اتفاقٍ أولي بشأن برنامجها النووي. فمنذ بداية عهده الأول في السلطة راهن الرئيس أوباما على ما يبدو وفيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط وفي المسألة الإيرانية بالتحديد على ما صار يُعرف بالقوة الناعمة. ولقد صدرت منذ العام 2004 سبعة قراراتٍ من مجلس الأمن حول ملف إيران النووي. ومنذ العام 2004 وإلى آخر القرارات القاضية بالعقوبات والحصار الاقتصادي ضد إيران في العام 2011 ما تغير العرض الأميركي (والدولي): تخفيض نسبة التخصيب، وإخضاع منشآت إيران النووية للإشراف والرقابة من جانب المنظمة الدولية للطاقة. وهو الأمر الذي ما كانت إيران توافق عليه، وقد وافقت عليه الآن.

 

لقد خشيت أطرافٌ عربية من هذا الاتفاق وبعضٌ من هذه المخاوف محق؛ وأسباب التخوف تتناول ما صار يُعرف بالتبادل، أي أن تكون هناك صفقةٌ أو استعداد لإبرام صفقة بين الأميركيين والإيرانيين تُطلقُ الولايات المتحدة بمقتضاها يد ايران في المنطقة في مقابل تنازل إيران عن السعي لتطوير أسلحة الدمار الشامل، وتتجه إلى تحسين علاقاتها مع أميركا والغرب الأوروبي.

 

الواقع أن�' اليد الإيرانية طليقةٌ في المنطقة بالفعل منذ أكثر من عقدٍ من الزمان. ولا فرق في الموقف من هذه الظاهرة المقلقة يبن عهدي الرئيسين بوش وأوباما سوى في التفاصيل. فقد استعان الأميركيون بالإيرانيين في أفغانستان والعراق ومك�'َنوهم في المحصلة من السيطرة عملياً على العراق. وسمحوا بدون اعتراضٍ جدي بتدخل إيراني سياسي وعسكري في لبنان وسورية واليمن. والذي أراه أن�' هذا الأمر على صعوبته ومحاذيره يمكن أن يتغير في المدى القريب، وذلك بالقوة الناعمة للعرب، وليس بالقوة الناعمة للولايات المتحدة، وعبر اثبات القدرة على التأقلم مع المتغيرات والتهيؤ لتداعياتها والتعامل مع مقتضياتها والعمل المبادر والفعال لتحويل المشكلات الى فرص، وبما يحقق أملاً لطالما راود الشعبين العربي والإيراني في استعادة الثقة والوئام والتعاون.

 

لدينا في المشرق العربي والخليج ثلاث مشكلات: الاضطراب الذي أحدثته حركات التغيير العربية التي انطلقت عام 2011 والتي كان لهجمة قوى الخريف العربي على حركة الربيع العربي الدور الاكبر فيها. والتدخل الإيراني الهائل في المنطقة. وضعف لا بل عدم وجود التعاوُن العربي مع متطلبات دَر�'ء التحديات المتزايدة وعلى وجه الخصوص إزاء القضية الفلسطينية حيث تراجع التأثير العربي الى ادنى مستوياته. وهذا الأمر الذي أسهم في إتاحة المجال لإيران وأعوانها في المبادرة إلى رفع لواء القدس وفلسطين وقضيتها، مترافقاً مع نجاحات هامة حققها على صعيد تحرير جنوب لبنان في العام 2000. وما لبث بعدها أن تمادى من جهة اخرى في استعمال هذه القضية الضاربة عميقاً في الضمير العربي والإسلامي خدمة لمصلحة إيران وتعزيزاً لنفوذها في المنطقة وتحديداً في العراق وسوريا ولبنان. لقد بات من الضروري في ضوء هذه التطورات اعادة الانتظام إلى العمل العربي المشترك من خلال الجامعة العربية، حيث تتسبب هذه الأمور الثلاثة بتداعيات ليست لصالح العرب وهي مستمرة في المدى المنظور. على هذا المنوال إذا ما استمرت المعالجات كما هي الآن ودون عمل مبادر وبناء لتغيير ما وصلت إليه الأحوال العربية حتى الآن.

 

في قمة سِرت عام 2010 سم�'َى الأمير سعود الفيصل الحالة التي نحن فيها: حالة الخواء الاستراتيجي!

 

إن�' الدائرة التي آل إليها الأمن العربي والقرار العربي هي دائرة مجلس التعاون الخليجي. ولقد تصد�'ى مجلس التعاون الخليجي في السنوات الثلاث الأخيرة، مستفيداً من وحدة الصف، والعلاقات الحسنة بالعالم، لحالة الانقسام والتدخل الخارجي بالبحرين، وحالة الفوضى باليمن، والحالة التي كانت سائدةً بمصر بعد وصول الاخوان هناك للسلطة. واستطاع مجلس التعاون في الحالات الثلاث إحداث تأثيرات إيجابية. بل انه حاول أيضاً وبالقوة الناعمة التأثير باتجاه التغيير السلمي في سورية وإن لم ينجح، والتأثير في الوصول إلى حل�' الدولتين في فلسطين على أساس المبادرة العربية للسلام وإن لم ينجح أيضاً حتى الآن.

 

إن�' هذا العمل الخليجي البن�'اء يجب أن يستمر بنظرنا وأن يتخط�'َى ويتغلب على الخلافات التي قد تعصف بين الحين والآخر بين بعض مكوناته وذلك حرصاً على مصلحة هذه المكونات وحرصاً على المصلحة العربية العليا بكون هذا المجلس يشكل نقطة الجذب والتجميع الهامة والوحيدة في هذه الآونة لكافة الطاقات العربية المتناثرة والمجافي بعضها لبعضه الآخر. وعلى ذلك يمكن ان يكون لهذا المجلس، بل يجب أن تكون له تأثيراتٌ أكبر في المرحلة القريبة القادمة على صعيد منطقة المشرق العربي والعالم العربي ككل.

 

إن�' الحضور العربي�'َ الناعم ولكن�' القوي، يمكن أن ينفع، بل هو محق�'َق النفع ليس فقط في العلاقات مع الولايات المتحدة وروسيا وحس�'ب، بل ومع ايران بالتحديد. فالشعوب العربية وبينها الشعب الفلسطيني أظهرت تصميماً مضم�'َخاً بالدماء على النضال من أجل الحرية واستعادة الكرامة، ومن أجل تحقيق الاستقرار وبناء المستقبل الزاهر والآمِن. والمطلوب الآن كما في السنوات الماضية أن يظل�'َ الخليجيون على تصميمهم، وان يبعثوا دماً جديداً بالجامعة العربية، والعمل المشترك، وأن يضعوا في أولوياتهم- كما يبدو أنهم يحاولون العمل من اجل عودة الاستقرار الى مصر واستعادة المؤسسات الدستورية فيها لدورها ولهيبتها، والسع�'يَ من خلال الحضور الفاعل لإنهاء الأزمة السورية، ومعالجة الوضع الجامد في لبنان بما يضمن عودة الدولة وحضورها الوطني وهيبة سلطتها، وكذلك الإسهام في إنهاء الوضع المتردي في اليمن.

 

العرب يشكون من أن�' أَولويات السياسة الأميركية في المنطقة غير أولوياتهم. وهذا صحيحٌ، لكن�' السياسات العربية المنس�'َقة، والإصرار الدائم والمبادر والتدخل البن�'اء حيث يمكن، يجعل الجميع ولاسيما الدول الدائمة العضوية في مجلس الامن يلتفت إليهم، لأن�' الأمر يتعلق بأرضهم وأمنهم وإرادتهم القوية والمصم�'ِمة.

 

إن�' استكشاف نوايا إيران للمرحلة الحالية، في البحرين واليمن وسورية ولبنان مسألة ضرورية. حيث إنه من المهم أن تصل ايران وربما أفضل مع القوة العربية الناعمة إلى الاستنتاج أن هناك فرصةً حقيقيةً لبناء واحة من التعاون والازدهار والاستقرار مع الدول العربية بديلاً عن استمرارها في اعتماد سياسات التسلط والهيمنة والاستقواء والتدخل في الشؤون الداخلية للآخرين. وهذا يقتضي من جهة أولى موقفاً إيرانياً واضحاً وصريحاً بأنها فعلاً راغبة في العودة إلى المجتمع الدولي والاقليمي كدولة متعاونة وليس كدولة مشاكسة أو متدخلة في شؤون غيرها ولاسيما فيما خص جوارها العربي. ولا شك�' أن موقفها في لبنان ومن لبنان يشكل المكان المثالي والسريع لتفصح الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن توجهاتها الجديدة تجاه العالم العربي ورغبتها في الانفتاح والتعاون والتوقف عن التدخل أو العمل على فرض هيمنتها واثارة القلاقل في أكثر من دولة عربية.

 

من جهة أخرى، فإن�' هذا المسار يتطلب لنجاحه جهداً واضحاً ومركزاً وثابتاً على الصعيد العربي لتحقيق عودة كريمة ومحترمة وسلسة لإيران لهذا المجتمع الدولي والعودة لنسج علاقات الثقة والتعاون مع الدول العربية والمبنية على التعاون البناء والايجابي بما يسهم في ايجاد واحة من الاستقرار والنمو والتنمية المستدامة في المنطقة.

 

إن�' التخلي السريع لنظام الرئيس الأسد عن السلاح الكيماوي وقبول ايران بالتخلي عن حقها في السعي إلى امتلاك السلاح النووي، وهما السلاحان اللذان لطالما اعتبرهما هذا المحور وسيلة لتحقيق التوازن الاستراتيجي مع اسرائيل، يكشف حجم المزايدة الذي مورس على مدى عقود باسم فلسطين وقضيتها بينما كان الهدف الأساسي البقاء في السلطة من جهة أولى، وزيادة النفوذ الإقليمي من جهة ثانية. أما وقد سقطت اليوم هذه الحجج فإن�' الوضع أصبح يشكل مدخلاً وفرصة لمعالجة حقيقية عادلة وشاملة لهذه القضية التي يتوجب على العرب استعادة القضية من خاطفيها وحمل لوائها من جديد بكل ما يملكون من أدوات ووسائل للضغط.

 

لقد كان يقال في المثل الانجليزي: قِف حتى يحسب لك حساب! لذلك فإنه على الدول العربية في هذا الخصوص وبداية من دول الخليج العربي ومصر أن تزيد من التعاون والتنسيق فيما بينها لبناء هذا الموقف الموحد الداعم للاستقرار في البلدان العربية على الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وبما يدعم قيم الاعتدال والانفتاح ويعزز الجهود الداعمة للتحولات الديمقراطية.

 

قد نكون خرجنا من حالة الخواء الاستراتيجي، وبالتالي فإنه يمكن بالسياسات المنس�'َقة ان ندخل في حالة الملاءة أو القدرة الاستراتيجية في سورية وفلسطين ومصر والعراق واليمن وغيرها من الدول العربية.

 

نعم، إن بامكاننا ان نخرج من حالة الخواء والاستعصاء. صحيح أن المشكلات لا تزال كبيرة، لكن مع ذلك فالفرصة مُتاحةٌ بشكلٍ أفضل بسبب هذه المتغيرات بالذات: كتلة الخليج القوية والفاعلة والراغبة في تعزيز تضامنها ووحدة قرارها وتكوين قوة جذب عربية لباقي الدول العربية من جهة، والقادرة على الإسهام في تغيير السياسات الأميركية، وكذلك الإسهام في تحقيق التغير في السياسات الإيرانية تجاه الجوار العربي من جهة ثانية.

 

من هنا، فإن مرحلة ما بعد الاتفاق الإيراني الدولي يجب أن تتم مواكبتُها ومتابعتُها من قِبَلِ الدول العربية بشكل حثيث ومن الضروري تأمين الشروط التالية:

1- التأكد من جدية ايران ومدى استعدادها للتأقلم مع الاتفاق ومتطلباته وتداعياته ومع الجوار العربي القريب.

2- متابعة مدى انعكاس هذا الاتفاق على علاقة ايران بجيرانها من الناحية الايجابية.

3- التشديد على ان ايران يجب ان تفصح عن رغبتها في التحول إلى معسكر الاعتدال مع تنفيذ ما يتوافق مع ذلك التحول على مستوى المنطقة.

باختصار هناك نافذة قد فتحت ويمكن تحويلها إلى فرصة حقيقية تسهم في إطلاق مجرى جديد وواعد في المنطقة مع السياسات المتصلة به.

------------------------

 

الاقتصاد العالمي المتحول

جورج سوروس*

مع اقتراب عام 2013 من نهايته، تخلف الجهود الرامية إلى إنعاش النمو في الاقتصادات الأكثر نفوذاً على مستوى العالم - باستثناء منطقة اليورو- تأثيراً مفيداً في أنحاء العالم المختلفة. وكل المشاكل التي تلوح في أفق الاقتصاد العالمي ذات طابع سياسي.

 

فبعد خمس وعشرين سنة من الركود، تحاول اليابان إعادة تنشيط اقتصادها من خلال الانخراط في التيسير الكمي على نطاق غير مسبوق. والواقع أنها تجربة محفوفة بالمخاطر؛ فالنمو الأسرع قد يدفع أسعار الفائدة إلى الارتفاع، وهذا يعني ارتفاع تكاليف خدمة الديون إلى حد يجعلها غير قابلة للاستمرار. ولكن رئيس الوزراء شينزو آبي يفضل خوض هذه المجازفة على تسليم اليابان للموت البطيء. وبالحكم انطلاقاً من الدعم الشعبي الحماسي فإن اليابانيين العاديين أيضاً يفضلون ذلك.

 

وعلى النقيض من ذلك، يتجه الاتحاد الأوروبي نحو ذلك النوع من الركود الطويل الأجل الذي تحاول اليابان يائسة الإفلات منه. والواقع أن المخاطر جسيمة؛ فالدول القومية من الممكن أن تتحمل عقداً ضائعاً أو أكثر؛ ولكن الاتحاد الأوروبي الذي يشكل جمعية غير مكتملة من الدول القومية، قد يكون مصيره الدمار إذا أضاع عقداً من الزمان.

 

إن تصميم اليورو- الذي أتى تصميمه أشبه بالمارك الألماني- يعاني عيباً قاتلاً. ذلك أن إنشاء بنك مركزي مشترك من دون خزانة موحدة يعني أن ديون الحكومة مقومة بعملة لا يستطيع أي بلد عضو أن يتحكم فيها منفرداً، الأمر الذي يجعل كل البلدان عُرضة لخطر العجز عن سداد الديون. ونتيجة لانهيار عام 2008، أصبحت بلدان أعضاء عديدة مدينة بإفراط، وأصبح تقسيم منطقة اليورو إلى بلدان دائنة وأخرى مدينة دائماً بفضل علاوات المخاطر.

 

وكان تصحيح هذا الخلل ممكناً من خلال الاستعاضة عن سندات البلدان الفردية بسندات اليورو. ولكن من المؤسف أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل استبعدت هذا الاحتمال على النحو الذي يعكس التغير الجذري الذي خضعت له مواقف الألمان من التكامل الأوروبي. فقبل إعادة التوحيد كانت ألمانيا تشكل المحرك الرئيسي للتكامل؛ والآن أصبح دافعو الضرائب الألمان تحت وطأة تكاليف إعادة التوحيد عازمين على تجنب التحول إلى الجيب العميق للبلدان المدينة في أوروبا.

 

بعد انهيار عام 2008، أصرت ميركل على أن كل دولة لابد أن تتولى رعاية مؤسساتها المالية وعلى ضرورة سداد الديون الحكومية بالكامل. ولكن من دون أن تدرك، تكرر ألمانيا الخطأ المأساوي الذي ارتكبه الفرنسيون بعد الحرب العالمية الأولى. فقد كان إصرار رئيس الوزراء أريستيد بريان على التعويضات سبباً في صعود هتلر؛ والآن تساعد سياسات أنجيلا ميركل في صعود الحركات المتطرفة في بقية أوروبا.

 

إن الترتيبات الحالية التي تحكم اليورو وجدت لكي تبقى، وذلك لأن ألمانيا ستبذل دائماً الحد الأدنى من الجهد للحفاظ على العملة الموحدة، ولأن الأسواق والسلطات الأوروبية ستعاقب أي دولة أخرى تتحدى هذه الترتيبات. وبرغم هذا فإن المرحلة الحادة من الأزمة المالية انتهت الآن. وقد أدركت السلطات المالية الأوروبية ضمناً أن التقشف يأتي بنتائج عكسية هدامة فتوقفت عن فرض قيود مالية إضافية. وقد سمح هذا بتمكين البلدان المدينة من التقاط أنفاسها، وحتى في غياب أي آفاق للنمو استقرت الأسواق المالية.

 

وستكون أزمات المستقبل سياسية في الجوهر، وقد بات هذا واضحاً بالفعل لأن الاتحاد الأوروبي أصبح منغلقاً على ذاته حتى انه لم يعد قادراً على الاستجابة على النحو الكافي في مواجهة الصدمات الخارجية، سواء كانت في سورية أو أوكرانيا. ولكن الآفاق ليست بائسة على الإطلاق؛ فقد يعمل إحياء التهديد الروسي على انقلاب الاتجاه الغالب نحو التفكك الأوروبي.

 

ونتيجة لهذا فقد تسببت الأزمة في تحويل الاتحاد الأوروبي من "فكرة مبهرة" ألهمت الحماس إلى شيء مختلف جذرياً. والآن تحول ما كان المقصود منه أن يعمل كرابطة طوعية من دول متكافئة تضحي بجزء من سيادتها من أجل المصلحة العامة -تجسيداً لمبادئ المجتمع المفتوح- إلى علاقة بين بلدان دائنة وأخرى مدينة غير طوعية ولا متساوية بسبب أزمة اليورو. والواقع أن اليورو قد يدمر الاتحاد الأوروبي تماماً.

 

وعلى النقيض من أوروبا، تظهر الولايات المتحدة باعتبارها الاقتصاد الأكثر قوة على مستوى العالم المتقدم. فقد منحت طاقة الغاز الصخري الولايات المتحدة ميزة تنافسية مهمة في مجال التصنيع عموماً وفي مجال البتروكيماويات بشكل خاص. كما حققت القطاعات المصرفية والأسرية بعض التقدم في تقليص المديونيات. وساعد التيسير الكمي في تعزيز قيم الأصول. وتحسن سوق الإسكان، مع إسهام مشاريع البناء في خفض مستوى البطالة. كما أوشك العبء المالي الذي فرضته عمليات المصادرة على الانتهاء أيضاً.

 

والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن الاستقطاب في السياسة الأميركية يظهر الآن علامات تشير إلى انعكاس مساره. لقد عمل نظام الحزبين بشكل معقول لقرنين من الزمان، حيث كان لزاماً على كل من الحزبين أن يتنافس على أرضية مشتركة في الانتخابات العامة. ثم استولى على الحزب الجمهوري تحالف من أنصار الأصولية الدينية وأصولية السوق، الذين تعززت قوتهم في وقت لاحق بظهور المحافظين الجدد الذين نقلوا الحزب إلى اليمين المتطرف. وحاول الديمقراطيون اللحاق من أجل الاستيلاء على الأرضية المشتركة، وتواطأ الحزبان في ممارسات تقسيم الدوائر الانتخابية للكونغرس. ونتيجة لهذا، أصبح للانتخابات التمهيدية التي يهيمن عليها الناشطون في كل من الحزبين الأسبقية على الانتخابات العامة.

 

وبهذا اكتمل استقطاب السياسة الأميركية. وفي نهاية المطاف، بالغ جناح "حزب الشاي" في الحزب الجمهوري في تقدير إمكاناته. وبعد الهزيمة الأخيرة في معركة التوقف الجزئي للحكومة، بدأ ما تبقى من المؤسسة الجمهورية في رد الضربات، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى إحياء نظام الحزبين.

 

إن حالة عدم اليقين التي تواجه العالم اليوم ليس مرجعها إلى أزمة اليورو، بل الاتجاه الذي قد تسلكه الصين في المستقبل. فقد نفد الزخم الذي دفع نموذج النمو الذي تبنته والذي كان مسؤولاً عن صعودها السريع.

 

كان ذلك النموذج يعتمد على القمع المالي لقطاع الأسر، من أجل دفع نمو الصادرات والاستثمار. ونتيجة لهذا، تقلص قطاع الأسر الآن إلى 35 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ولم تعد مدخراته القسرية كافية لتمويل نموذج النمو الحالي. وقد أدى هذا إلى ارتفاع غير عادي في استخدام أشكال عديدة من تمويل الديون.

 

وهناك بعض التشابه المخيف مع الظروف المالية التي سادت في الولايات المتحدة في السنوات التي سبقت انهيار عام 2008. ولكن هناك أيضاً اختلاف كبير. ففي الولايات المتحدة، تميل الأسواق المالية إلى الهيمنة على السياسة؛ أما في الصين فإن الدولة تمتلك البنوك والقسم الأعظم من الاقتصاد، ويسيطر الحزب الشيوعي على الشركات المملوكة للدولة.

 

وانطلاقاً من إدراكه للمخاطر، اتخذ "بنك الشعب" (المركزي) الصيني خطوات بدأت في عام 2012 للحد من نمو الدين؛ ولكن عندما بدأ التباطؤ في إحداث ضائقة حقيقية في الاقتصاد، شدد الحزب على سيادته. ففي يوليو 2013، أمرت القيادات صناعة الصلب بإعادة تشغيل الأفران و"بنك الشعب" الصيني بتخفيف القيود المفروضة على الائتمان. وسرعان ما تحول الاقتصاد. ففي نوفمبر، أعلنت الجلسة المكتملة الثالثة للجنة المركزية الثامنة عشرة إصلاحات بعيدة المدى. وكانت هذه التطورات مسؤولة إلى حد كبير عن التحسن الأخير الذي طرأ على التوقعات العالمية.

 

وكانت القيادات الصينية محقة في إعطاء الأسبقية للنمو الاقتصادي قبل الإصلاحات البنيوية، لأن الإصلاحات البنيوية عندما تقترن بالتقشف المالي تدفع الاقتصادات إلى دوامة هابطة من الانكماش. ولكن هناك تناقض ذاتي معلق بلا حل في سياسات الصين الحالية: فإعادة تشغيل الأفران تعمل أيضاً على إشعار شرارة نمو الديون بشكل غير عادي، والتي لا يمكن تحملها أو دعمها لفترة أطول من بضع سنوات.

 

وستخلف كيفية وتوقيت حل هذا التناقض عواقب جسيمة بالنسبة للصين والعالم. والواقع أن الانتقال الناجح في الصين سيستلزم على الأرجح إصلاحات سياسية واقتصادية، في حين قد يؤدي الفشل إلى تقويض الثقة التي لاتزال قائمة على نطاق واسع في الزعامة السياسية للبلاد، وهو ما من شأنه أن يفضي إلى القمع في الداخل ومواجهة عسكرية في الخارج.

 

وتتلخص المشكلة الكبرى الأخرى التي لم تحل في غياب الحوكمة العالمية اللائقة. فالافتقار إلى الاتفاق بين الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يؤدي إلى تفاقم الكوارث الإنسانية في بلدان مثل سورية، فضلا عن السماح للاحتباس الحراري العالمي بالاستمرار بلا ضابط أو رابط إلى حد كبير. ولكن على النقيض من المعضلة الصينية، التي ستبلغ ذروتها في السنوات القليلة المقبلة، فإن غياب الحوكمة العالمية قد يستمر إلى أجل غير مسمى.

 

*رئيس مجلس إدارة صندوق سوروس ومؤسسة المجتمع المفتوح.

----------------------

 

بريطانيا تقاوم

جورج أوزبورن

مع تعافي العالم من "الركود العظيم"، بات السؤال الذي يواجه الاقتصادات المتقدمة كالتالي: كيف نحقق النمو المستدام ونزيد رخاء مواطنينا؟

 

وفي بريطانيا، نتبنى خطة اقتصادية توفر الاستقرار الاقتصادي، وتتعامل بشكل حاسم مع عجز الميزانية الذي بلغ مستويات قياسية، وتفتح البلاد أمام التجارة والاستثمار، وتعالج نقاط الضعف البنيوية التي تعوق تقدمنا كمكان للقيام بالأعمال التجارية وخلق فرص العمل. بطبيعة الحال، تختلف كل دولة عن الأخرى -وينبغي للوصفات السياسية في كل منها أن تدرك هذه الحقيقة. لكن الدرس المستفاد من التجربة البريطانية أن السبيل الوحيد إلى تحقيق الرخاء -للفوز بما يسمى "السباق العالمي"- هو عبر التصدي للمشاكل بشكل مباشر.

 

عندما تولت الحكومة الائتلافية السلطة قبل ثلاثة أعوام، كان المتوقع أن تتجاوز مستويات العجز في المملكة المتحدة نظيراتها في أي دولة أخرى من بلدان مجموعة العشرين، عند أكثر من 11 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وخلافاً للولايات المتحدة، فنحن لا نتمتع بميزة إصدار العملة الاحتياطية الرئيسية في العالم. وكان قربنا من منطقة اليورو، التي اجتاحتها أزمة الديون السيادية، يعني أن الأولوية الأكثر إلحاحاً تتلخص في استعادة المصداقية المالية، ومنع ارتفاع أسعار الفائدة في الأسواق بشكل حاد.

 

لذا، فقد عملنا على مدى الأعوام الثلاثة الماضية، من خلال خطة للحد من العجز بشكل ثابت. ونتيجة لهذا فإن نجاحنا في خفض العجز البنيوي كان أكبر مقارنة بأي اقتصاد متقدم رئيسي آخر.

 

كانت أزمة منطقة اليورو على عتباتنا، والأضرار المتبقية التي أحدثها انهيار نظامنا المالي، من الأسباب التي أدت إلى تباطؤ النمو في عامي 2011 و2012. ورغم هذا فإن أداء سوق العمل لدينا كان أفضل كثيراً مقارنة بفترات الركود السابقة، حيث ظل عدد قياسي من الناس في وظائفهم. كما عملت خطتنا الاقتصادية على إرساء الأساس لتعزيز التعافي الذي شهدناه طوال عام 2013، حيث أدى برنامج التمويل في مقابل الإقراض إلى تحسن كبير في الظروف الائتمانية. ونتيجة لهذا فقد عدلت أحدث توقعات صندوق النقد الدولي النمو في المملكة المتحدة صعوداً، وبما يتجاوز النمو في أي من اقتصادات مجموعة الدول السبع.

 

لكن *هذا لا يعني أننا نستطيع أن نسترخي ونستريح الآن. فقد أظهر مكتب مسؤولية الميزانية (الهيئة التي تقدم تقييماً مستقلاً للموارد المالية العامة في المملكة المتحدة) أنه في حين كان العجز في انخفاض بسرعة أكبر، فمن غير الممكن أن نعتمد على النمو الاقتصادي الأقوى وحده في معالجة العنصر البنيوي في العجز.

 

وقد تطلب التعامل مع العجز اتخاذ قرارات صعبة- من إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية وزيادة سن التقاعد في الدولة إلى السيطرة على الأجور في القطاع العام. ولكني كنت أعتقد دوماً أن أي دولة لا تستطيع أن تجعل نفسها أكثر ثراءً من خلال تحرير الشيكات لنفسها. بل يتعين علينا أن نتخذ خيارات مسؤولة لضمان قدرتنا على الحياة في حدود إمكاناتنا- وهذا هو ما أنا عاقد العزم على تحقيقه.

 

إن الحكومة التي تعيش في حدود إمكاناتها شرط ضروري لتأمين الاقتصاد في الأمد البعيد- ولكن هذا لا يكفي. فالنجاح يتطلب أيضاً اتخاذ خطوات جريئة لهدم الحواجز التجارية وفتح الاقتصاد للاستثمارات من البلدان السريعة النمو مثل الصين والهند. وهذا هو ما قمنا به على وجه التحديد. ولا أتردد في أن أقول إنه لا توجد أي دولة في الغرب أكثر انفتاحاً على الاستثمار من المملكة المتحدة.

 

فكم من الدول الغربية قد تسمح، ناهيك عن تشجع، الاستثمار الصيني في محطاتها النووية الجديدة؟ بل، كم عدد الدول الغربية التي لديها برامج طموحة في مجال الطاقة النووية المدنية؟ نحن نفعل ذلك، ولهذا السبب قمت بزيارة الصين في شهر أكتوبر للاتفاق على صفقة بين مستثمرين صينيين وشركة "ئي دي إف للطاقة" لبناء أول مفاعل في المملكة المتحدة منذ جيل كامل.

 

والواقع أن المملكة المتحدة كانت أول من يدعم التجارة الحرة في المحافل الدولية. وكان الاتفاق الذي تم التوصل إليه في مؤتمر منظمة التجارة العالمية الوزاري في بالي هذا الشهر بمنزلة خطوة تاريخية إلى الأمام- ومع فائدة تقدر بنحو مليار دولار أميركي تعود على المملكة المتحدة. ولكن المملكة المتحدة ستستمر في تأكيدها أنها لابد أن تكون البداية لا النهاية للإصرار على تحرير التجارة على نطاق أوسع، من أجل الاستفادة من النمو وفرص العمل المترتبة على ذلك.

 

وكان لزاماً علينا أيضاً أن نعالج نقاط الضعف التي كانت سبباً في إعاقة المملكة المتحدة. ولعل العلامة الأكثر وضوحاً الدالة على هذا كانت القرار الذي اتخذناه بخفض ضريبة الشركات إلى أدنى مستوى في بلدان مجموعة العشرين. والسبب بسيط: فأنا أريد ضرائب تنافسية تقول إن بريطانيا مفتوحة للأعمال التجارية والشركات العالمية. وفي وقت حيث تفكر بلدان أخرى في فرض ضرائب على التعاملات المالية، فإننا نعمل على إلغاء بعض هذه الضرائب. وبفضل إصلاحاتنا المصرفية، نعمل على تعزيز سمعتنا كموطن للتمويل العالمي- من التأمين إلى إدارة الأصول، ومن أسواق الرينمينبي الجديدة في الخارج إلى إصدار أول صكوك سيادية، أو سندات إسلامية، في بلد غير إسلامي.

 

وهذا ليس سباقاً إلى القاع؛ ومن ثَم�' فإن بريطانيا كانت في الوقت نفسه تحمل لواء الريادة في مكافحة التهرب الضريبي. أجل، أنا أريد ضرائب تنافسية، ولكن لابد من سدادها. كان التهرب الضريبي موضوعاً أساسياً في رئاسة المملكة المتحدة لمجموعة الثماني هذا العام، وقد أسفر ذلك عن التزامات بمستويات جديدة غير مسبوقة من تبادل المعلومات الضريبية تلقائياً بين البلدان. وقد وقعت بالفعل نحو 39 منطقة ضريبية- من فرنسا وألمانيا إلى جنوب إفريقيا والمكسيك- لكي تصبح من أوائل المتبنين للمعيار الجديد للتبادل التلقائي.

 

في سباق عالمي، لا تملك أي دولة أن تقف ساكنة. وبالتالي، ففي حين تعمل إصلاحات التعليم لدينا على رفع المعايير، فنحن في احتياج إلى بذل المزيد من الجهد. إن الجامعات البريطانية تُعَد من بين أعظم الأصول التي نملكها، فهي تجتذب آلافاً عدة من الطلاب الدوليين من أنحاء العالم المختلفة كل عام. ولهذا السبب أعلنت في بياني المالي في الأسبوع الأول من ديسمبر أننا سنرفع سقف عدد الطلاب الجامعيين في المملكة المتحدة. إن القدرة على الوصول إلى التعليم العالي تشكل شرطاً أساسياً للنجاح الاقتصادي، ونحن في احتياج إلى ضمان قدرة بريطانيا على التنافس مع بلدان مثل الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، والتي أرسلت نسبة أعلى كثيراً من شبابها إلى الجامعات.

 

وهنا تأتي الحقيقة المزعجة. ففي هذا السباق العالمي، هناك رابحون وخاسرون. وستبذل بعض البلدان قصارى جهدها لكي تظل قادرة على المنافسة. وبعضها لن تفعل. وأنا عاقد العزم على أن بريطانيا لن تتخلف عن الركب. الواقع أن بريطانيا، أكثر من أي اقتصاد كبير آخر تقريباً، تكبدت ثمناً باهظاً في فترة "الركود العظيم"، والتي أعقبت عقداً من السياسات الاقتصادية المضللة. والآن نحن نقاوم، ورسالتنا إلى العالم واضحة: المملكة المتحدة مفتوحة للأعمال التجارية.

----------------------

 

عالم إعادة التأهيل

نيال فيرغسون

لعل من الواجب علينا أن نطلق على 2013 وصف عام "اقتصادات واينهاوس"، فكما غنت المغنية الإنكليزية الراحلة آمي واينهاوس: "حاولوا إرغامي على الذهاب إلى إعادة التأهيل، ولكني قلت لا لا لا". كان الغناء في عام 2013 منطلقاً من حناجر أكثر البنوك المركزية أهمية، بقيادة مجلس الاحتياط الفدرالي (البنك المركزي) الأميركي.

 

ففي فصل الصيف، أشار كل من بنك الاحتياطي الفدرالي و"بنك الشعب" الصيني إلى اعتزامه تطبيع السياسة النقدية، فتحدث رئيس بنك الاحتياطي الفدرالي بن برنانكي صراحة عن "الخفض التدريجي" لسياسة شراء السندات المفتوحة التي انتهجها بنك الاحتياطي الفدرالي، والمعروفة أيضاً بالتيسير الكمي. كما حاول محافظ "بنك الشعب" الصيني تشو شياو فعلياً كبح جماح نمو الائتمان في بلاده، ولكن عندما جاءت ردود الأفعال في البلدين أكثر عنفاً مما كان متوقعاً- مع ارتفاع العائدات على السندات في الولايات المتحدة إلى عنان السماء وارتفاع الفوائد على القروض بين البنوك بشكل حاد في الصين- تراجعت السلطات النقدية.

 

الواقع أنها مشكلة عاناها العديد من المغنين الشعبيين: فبعد سنوات من التحفيز لا تكون إعادة التأهيل بهذه السهولة.

 

ولكن تظل هناك مبررات فكرية قوية لاستمرار التحفيز الاقتصادي بشكل أو آخر، ففي شهر نوفمبر، اقترح لاري سامرز، الرجل الذي بدا ذات يوم وكأنه يستعد لخلافة برنانكي، أن اقتصاد الولايات المتحدة ربما وقع في قبضة "الكساد المادي"، ويواصل خبراء اقتصاد آخرون الإلحاح على أن عملية تقليص معدلات التضخم الحميدة في العقود الأخيرة قد تتحول إلى انكماش خبيث في أوروبا، إن لم يكن في أميركا.

 

ولكن هناك رغم ذلك مؤشرات تدل على أن اقتصاد العالم ككل بدأ يستعيد عافيته، ويتوقع صندوق النقد الدولي تسارع النمو العالمي السنوي من 2.9% هذا العام إلى 3.6% في عام 2014، وبلوغه 4% أو أكثر طيلة الأعوام الأربعة التالية- وهذا أعلى من متوسط معدلات النمو المسجلة في ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته والعقد الأول من القرن الحالي.

 

والواقع أن عدم التوافق بين سوء أداء الاقتصادات المتقدمة وعودة النمو إلى بقية العالم يثير سبعة أسئلة (على الأقل)، خصوصاً بالنسبة إلى البنوك المركزية الكبرى ذاتها. تتمتع كل هذه المؤسسات بنوع ما من التفويض الوطني، إلا أن القرارات التي تتخذها تخلف حتماً عواقب عالمية في عالمنا المترابط.

 

السؤال الأول: ماذا على وجه التحديد يعتزم بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي أن يفعل تحت قيادة رئيسته الجديدة جانيت يلين؟ من المؤكد أنها تبدو وكأنها تفضل الدواء الحالي على الإقلاع المفاجئ. لابد أن يحدث الخفض التدريجي لبرنامج التيسير الكمي إن عاجلاً أو آجلاً، ولكن تخوف يلين الحقيقي بشأن حالة سوق العمل في الولايات المتحدة يشير إلى أنها ستَعِد بخفض أسعار الفائدة لفترة أطول مما قد تبرره مؤشرات أخرى، وسيتلخص التحدي في إنجاح نظام "التوجيهات المسبقة" الجديد هذا إذا دلت المؤشرات الأخرى على أن التعافي جار بالفعل (وما عليك إلا أن تسأل مارك كارني محافظ بنك إنكلترا).

 

إن الولايات المتحدة تشهد تحسناً على أكثر من نحو، فقد جلب عليها الغاز والنفط الصخريين طفرة هائلة في مجال الطاقة، كما يشهد "وادي السليكون" ازدهاراً واضحاً، هذا فضلاً عن سوق الأوراق المالية التي سجلت ارتفاعات قياسية، ومن المدهش أن الكونغرس الأميركي الذي يعاني الاستقطاب العميق توصل للتو إلى اتفاق مالي يمتد إلى عامين، والذي من شأنه أن يعزز الإنفاق بشكل طفيف في الأمد القريب، في حين يقلل من العجز في الأمد البعيد.

 

وهناك احتمال قوي أن تستجيب الأسواق لهذا وغيره من الأنباء الطيبة بتجاهل التوجيهات المسبقة، والتركيز على الخفض التدريجي للتيسير الكمي، ودفع أسعار الفائدة الطويلة الأجل إلى الارتفاع. وقد تكون إحدى العواقب المترتبة على هذا في الأمد القريب ذلك النوع من التصحيح القوي في سوق الأوراق المالية الذي رأيناه في عام 1980 وعام 1987، ذلك أن مؤسسات "وول ستريت" تحب أن تختبر كل رئيس جديد لبنك الاحتياطي الفدرالي.

 

السؤال الثاني: كيف قد تكون استجابة البنوك المركزية الأخرى لنظام السياسة النقدية المتغير في واشنطن؟ في فرانكفورت، يدرك البنك المركزي الأوروبي أن البلدان الواقعة على محيط منطقة اليورو ليست مستعدة لرفع أسعار الفائدة بعد، حتى إذا كانت إسبانيا وايرلندا واليونان تظهر عليها علامات الحياة الاقتصادية، فلا تزال معدلات البطالة في بلدان منطقة اليورو الطرفية مرتفعة إلى حد مروع، وعلاوة على ذلك فإن الخطر السياسي الأعظم في أوروبا لا يزال هو الشعبوية، وستكون انتخابات البرلمان الأوروبي في العام القادم بمنزلة الفرصة الذهبية لأمثال زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا، ماري لوبان.

 

السؤال الثالث: هل يكون أداء الشعبويين طيباً بالقدر الكافي لتعطيل العملية المعقدة المتمثلة بإنشاء اتحاد مصرفي، والذي يشكل شرطاً أساسياً لتعافي النظام المالي المستدام في أوروبا؟ ربما لا يحدث هذا. والواقع أن نجاح الشعبويين قد يفضي حتى إلى تشجيع الديمقراطيين الاجتماعيين والديمقراطيين المسيحيين على تشكيل "ائتلاف كبير" في البرلمان الأوروبي، وهو ما من شأنه أن يمثل خطوة أخرى في تحول الاتحاد الأوروبي الهادئ باتجاه النموذج الألماني.

 

ومن ناحية أخرى، كان الحماس لإعادة التأهيل النقدي في اليابان أقل: من الواضح أن حكومة شينزو آبي تتوقع المزيد من التحفيز من "بنك اليابان" المركزي وليس الإقلال منه. فمن المؤكد أن الآمال في نجاح "اقتصادات آبي" في رفع التضخم السنوي في اليابان إلى 2% ستتبدد في غياب التحفيز.

 

السؤال الرابع: هل تتمكن اليابان من الحفاظ على التيسير الكمي في حين تبدأ الولايات المتحدة في خفضه تدريجاً؟ ربما، ولكن المدى الذي قد تخدم به قضية النمو المط�'رد ورفع معدل التضخم سيتوقف على ما يطلق عليه "السهم الثالث" في جعبة الإصلاح البنيوي، والذي لم يضرب بعد أهدافاً حقيقية.

 

الواقع أن التناقض بين جارة اليابان ومنافستها الاستراتيجية الصين مذهل، فهناك على الأقل من الأدلة ما يشير إلى أن "بنك الشعب" الصيني استأنف بالفعل تشديد السياسة النقدية في محاولة لفرض أزمة ائتمانية موجهة على قطاع الظل المصرفي في البلاد. وهذا يقودني إلى الأسئلة الثلاثة الأخيرة:

السؤال الخامس: هل تتمكن الصين حقاً من دعم النمو في حين تعمل في نفس الوقت على تفريغ فقاعة الائتمان وتنفيذ الإصلاحات البنيوية التي أعلن عنها بعد الجلسة المكتملة الثالثة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني؟

 

السؤال السادس: كيف قد تستجيب الطبقة المتوسطة الجديدة الكبيرة في الصين إذا كانت الإجابة عن السؤال الخامس هي "كلا"؟

 

السؤال السابع: هل تستجيب القيادات في بكين لحالة السخط في الداخل بالمزيد من السياسة الخارجية العدوانية كما رأينا هذا العام؟

 

لا أدعي أنني أعرف الإجابة عن هذه الأسئلة الأخيرة، لكنها قد تكون المفتاح إلى مدى رحابة "عالم إعادة التأهيل" أو ضيقه.

 



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك