السعودية تقوّض العالم

لو كنت في محل راسمي السياسات لصانع القرار الأمريكي لشخّصت "النظام السعودي" كأحد أهم مقوِّضي هذا العالم الذي تقوده الولايات المتحدة، ولرفعت توصية بوضعه تحت الحجر السياسي، تحت مصلحة الحفاظ على النظام العالمي الراهن، والسلم والأمن الدوليين.

 

قد يبدو هذا غريباً ومبالغاً فيه، إلا أن هناك الكثير من الشواهد الملموسة في الأداءات السياسية للنظام السعودي تدلل وبحجج قوية على هذا الأمر. فما تفعله المملكة الآن في كل من سوريا ومصر هو المدخل لفهم التأثيرات الفادحة لتصرفاتها الصبيانية هناك على مستقبل النظام العالمي الراهن ودفعه باتجاه المزيد من الفوضى والتوحش.

 

ربما نحتاج إلى التنويه أن نفوذ المملكة لا يتجاوز الشرق الأوسط، لكن من قال إن المتغيرات في الشرق الأوسط بمنأى عن التأثير في النظام العالمي ككل؟

 

 فلا أحد يضمن بقاء تأثيرات العنف الذي تنتجه وتؤسس له المملكة في كل من سوريا ومصر الآن في المنطقة فقط، فهو في موجته الجديدة أقرب إلى المركز العربي والإسلامي، وسيكون أكثر تأثيراً على العالم من تلك الموجّة الأولى التي كان للسعودية الشرف أيضاً في إنتاجها في أفغانستان تحت مسمى "الجهاد"، والتي كان لها التأثير الأكبر على خصمها وخصم حلفائها الغربيين "السوفييت" وبآثار جانبية أقلّ عليهم كمصنعين ومنتجين فيما بات يُعرف بالإرهاب.

 

لكن من يضمن ألاّ تضرب الموجة الجديدة الأكبر والأقرب في عُمق المنتج وفي عُمق النظام العالمي، فهو إن حدث لن  يكون على حساب السوفيت هذه المرّة وإنما على حساب الأمريكان. لأجل هذا ربّما على الأمريكيين أن يهتموا أكثر من غيرهم.

 

...

لكن كيف تنتج السعودية هذه الموجة الجديدة من العنف والتي يمكن لها أن تقوّض النظام العالمي؟!

 

لنعرف ذلك، يمكن العودة إلى الجذور الأولى لنشأة العنف الإسلامي في التاريخ الحديث تحت مسمى "القاعدة"، إذ هو ببساطة إحدى إجابتين عن فكرة يُؤمن بها الجميع في العالمين العربي والإسلامي، والتي هي بطلان هذا العالم تحت هيمنة النظام العالمي الراهن وأدواته الدولية والمحلية، والحاجة لتغييره والخلاص منه.

 

بلا استثناء تشترك كل الجماعات الإسلامية على تناقضاتها وتصوّراتها للحل في هذه الفكرة، وهي بذلك تعبّر عن قناعات شعبية واسعة أيضاً، ما تتميز به القاعدة فقط عن الجميع هو أنها تقول إنه لا يمكن إصلاح هذا العالم من داخله وأنه لا بُد من هدمه تماماً لإقامة ذلك العالم الإسلامي الذي تتصوّره وتبشّر به.

 

في كتاب "إدارة التوحش" المرجع الإستراتيجي للقاعدة، لا ينشغل المؤلف في مناظرة خصوم المسألة الإسلامية من علمانيين وليبراليين أو ماركسيين أو حتى في الشق الإسلامي الشيعي منها، بل تجده يجتهد كثيراً في دحض مقولات الإخوان عن إمكانية إصلاح النظام من داخله وبالأدوات السلمية والديمقراطية، وكأن الأمر كان يعبّر عن حركة انشقاق في الفكرة الأم أكثر منه كفكرة مستقلة..

 

حتى أحداث الربيع العربي 2011، لم يكن أي من الفريقين متأكداً تماماً من جدوى وصوابية حُجته، إذ كان كل منهما لا يزال في طور التجريب، أو الجدل النظري غير المحسوم،  ليمثل الحدث "الربيع" فرصة لامتحان المقولتين.

 

في البداية هبّ أصحاب حجية الإصلاح من داخل النظام إلى المشاركة في أحداث الربيع، إذ لم يكن هناك من فرصة أفضل من هذه لانتصار مقولاتهم التاريخية وامتحانها أيضا، فقد كان الربيع ينتمي إلى فلسفتهم عن الإصلاح.

 

في هذه اللحظة أيضاً كان الفريق الثاني صاحب فكرة هدم النظام من خارجه متردداً ومتشككاً حيال الحدث، بل ومنقسماً حياله أيضاً، بين من رأى فيه فرصة ممكنة لامتحان فكرة ما لم يكن يعتقد وهي الإصلاح من الداخل وفق مقولات الحرية والديمقراطية، ليشارك في المظاهرات في أول الأمر ومنها ليشارك في العملية السياسية من خلال تأسيس الأحزاب والمشاركة في الانتخابات، كالجماعة الإسلامية في مصر، أو من خلال مشاركة السلفيين وبعض شباب القاعدة أو المتعاطفين معها في أكثر من ساحة ربيعية عربية. كانت مصر وتونس مثالين جيدين على ذلك الأمر.

 

وبين من رأى في الحدث فرصةً أيضاً لاستكمال تحقيق فكرته عن إسقاط النظام وخلق الفوضى وإدارة التوحش، كما فعلت القاعدة في أبين باليمن، أو في ليبيا، أو بما تفعله الآن في سوريا تحت لافتات دولة العراق والشام أو جبهة النصرة.

 

كانت الأداءات الديمقراطية الرائعة في تونس ومصر تقوي من حجة الفريق الأول عن إمكانية إصلاح النظام العالمي من الداخل، في أوساط الفريقين المؤمن بها والكافر، والأهم في الوسط المجتمعي المؤمن بفكرة بطلان العالم والذي تعمل فيه الفكرتان لاستقطاب الأعضاء والأنصار، فيما كانت الحروب والفوضى في ليبيا وسوريا تقلل كثيراً من بريق ووجاهة الحجة الأخرى عن ضرورة إسقاط النظام العالمي لإعادة بنائه..

 

...

أعرف صديقاً لي حاول استقطابي في الجامعة لتأييد "القاعدة"، تحت مقولات هذه الحجة عن ضرورة هدم العالم لإعادة إعماره وفق منهاج النبوءة والخلافة، متعللاً بحجم المؤامرات المحلية والدولية على الإسلام لإفشال أي إصلاح من الداخل،  مستشهداً بطول عُمر جماعة الاخوان دون إحداثها للتغيير المنشود، إذ كان مرّة يتهمها بالعجز ومرّة يتهمها بالتآمر أيضاً، وبذات الحجج عن الحاجة للعمل السياسي والدعوي في إطار المجتمعات الإسلامية وكسب تأييدها لإحداث التغيير كان رفضي لذلك الاستقطاب، وانحيازي لفكرة الإصلاح من داخل المجتمعات والنظام، ولتجنّب الفوضى أيضاً؛ ربما كان ذاك في 2003- 2004 إبان الحرب الأمريكية على العراق.

 

لم أعلم عن صديقي شيئاً منذ ذلك الحين، إلا أنّي وجدته في 2011 من أكثر المؤيدين والمتحمسين للربيع العربي من خلال تعليقاته في مواقع التواصل الاجتماعي، وكنت أجد في سعادته بالنجاحات الانتخابية للإسلاميين في تونس ومصر ما أعدّه انتصاراً لوجهة نظري عن الإصلاح على وجهة نظره المؤيدة للقاعدة، كان هذا كافياً بالنسبة لي، ولم أحرص على مراسلته بالخصوص.

 

حين تم الانقلاب على مرسي، فوجئت برسالة ساخنة منه تعاتبني وتلومني على الأمر، وكأني كنت مسئولاً عنه، وتذكرني بما كُنّا قد تجادلنا حوله قبل عشر سنوات، فضلت عدم الرد، إذ لم يكن هناك ما أقوله، رداً على رسالة أخرى منه، قلت له إن ذلك الانقلاب هو ارتدادة تاريخية طبيعية لن يكتب لها الحياة، وأن مقاومتها بالعنف هو من يطيل عُمرها لا السلم، إلا أنّي وجدت صعوبة بالغة في شرح ذلك الأمر له.

 

اليوم، صديقي من خلال مشاركاته في مواقع التواصل الاجتماعي لا يخفي إعجابه الشديد بانتصارات "القاعدة" أو الجماعات الإسلامية المفترضة في سوريا، ولا يخجل أيضاً أن يبرر لعمليات القاعدة في اليمن، ما بين العامين 2011 – 2013، لا أقول إن صديقي القديم كان قد تاب عن تأييده للقاعدة، فلا أعلم عنه ذلك، لكن ما لاحظته هو أنه لم يكن يكثر من النشر عن القاعدة، فقد كان مشغولاً بتلك المعارك السياسية التي كانت تحدث في مصر.

 

...

لكن ما علاقة ما كان بينكما أنت وصديقك من وجهات نظر، وبين المملكة السعودية وتقويض العالم؟ّ!،  ربّما يقول أحدكم..

 

العلاقة هي ذلك اللبس الذي يحدثه أداء السعودية العبثي والمتناقض في كلٍ من سوريا ومصر، فهو يجد - أي صديقي - أداءها في مصر المؤيّد للانقلاب على مُرسي انقلاباً سيِّئاً على الإسلام  والإسلاميين، إذ هو أحد المتشككين حيال الديمقراطية، كما وجد فيه دليلاً إضافياً على فكرته القديمة القائلة بضرورة هدم النظام العالمي لإعادة بنائه، فهو يجد في فعل السعودية دليلاً على ذلك التآمر الدولي الذي لن يسمح للإسلام بالتمكين من خلال فكرة الإصلاح من داخل النظام العالمي، كحجة كان يستند عليها كثيرا ًلدعم مقولاته. 

 

إلا أن صديقي وعلى نحو متناقض يؤيد تدخل السعودية في دعم الثورة السورية، كثورة يراها للسنّة على الشيعة الظلمة والكفرة، ولمزيد من التناقض هو يجد قناة العربية المموّلة سعودياً قناة كاذبة في كل شيء إلا فيما يخص الشأن السوري.

 

لكن هذا التأثير للأداء السعودي في مصر وسوريا هو أكثر بكثير من ذلك التناقض الذي يولّده لدى المجتمعات الإسلامية وجُمهور الإسلاميين بالأخص، فهو عامل مؤثر على عبثيته في ترجيح الفكرة القائلة بضرورة هدم العالم القائم لإعادة بنائه التي يتبناها "القاعدة" على الفكرة القائلة بالإصلاح من الداخل، بعد ذلك المآل الكارثي للتجربة الإصلاحية والديمقراطية في مصر بدعم وتخطيط النظام السعودي، مقابل انتعاش أفكار وأداءات "القاعدة" في سوريا بدعم وتخطيط المملكة أيضاً.

 

لكن هل تعلم المملكة أنها تعمل على الضد من مصلحتها ووجودها؟ لا أظن ذلك، فهي من الجهالة و الصبيانية ما يحجب عنها هذه الحقيقة، لكنّي لا أظن أن فكرة مماثلة تغيب عن حليفتها الإستراتيجية الولايات المتحدة.

 

فالسعودية هي موطن أكبر شعب ديني مؤمن ببطلان هذا العالم، تتحايل عليه بفكرة تقليدية هي طاعة ولي الأمر، أو تسيطر عليه بقبضة أمنية صارمة، لن يصمدان كثيراً لإبقاء الوضع على ما هو عليه، في الوقت الذي لا تبخل فيه المملكة في تصدير الكثير من هؤلاء المؤمنين من مواطنيها إلى دول أخرى لإصلاح العالم وفق تصوراتهم التقليدية عن الإسلام والجهاد، تحت درايتها وسيطرتها كما حدث في أفغانستان أو يحدث في سوريا أو بدونهما كما يحدث مع التحاق الكثير من مواطنيها بتنظيم "القاعدة".

 

بوجود كل هذا القدر من المؤمنين ببطلان هذا العالم ونظامه الراهن، في المملكة أولاً، وفي بقية العالم الإسلامي، ومع إحباط تجربة الإصلاح من الداخل كالذي حدث في مصر، تكون الفكرة الأخرى القائلة بهدم النظام هي الأكثر حجية وإغراء لدى هؤلاء المؤمنين.. الأخطر هو إن انتصرت هذه الفكرة في سوريا حيث تهوي أفئدة الكثير من هؤلاء المتطلّعين لإعادة بناء العالم وفق تصوّراتهم وأوهامهم الإسلامية.

 

لا أحد هنا يقلل من عظمة وتضحيات الثورة السورية، أو ينفي عن النظام السوري ظلمه وطائفيته أيضاً، إلا أن المضي قُدما نحو إسقاطه بأيدي جماعات العنف الإسلامية القريبة من القاعدة والمتبنية لفكرتها عن هدم العالم هو مسألة خطيرة فعلا..

 

لكم أن تتخيلوا "سوريا" تحت سطوة هذه الجماعات، حيث لا دولة هناك أو نظام، وقد صارت نموذجاً جاذباً لكل المؤمنين بفكرة التوحّش، لن يحتاج الأمر كثيراً قبل تصديره إلى العالم، وقبل الجميع المملكة السعودية صاحبة الامتياز لهذا المنتج المدهش، ولكم أن تتخيلوا حال المنطقة والعالم وحال النظام العالمي ككل عند ذلك.

 

فقد كانت أفكار الإصلاح الديمقراطي هي الأكثر تأثيراً وجذباً عند الربيع 2011، لكنها سرعان ما فقدت نموذجها الذي كان من الإمكان تسويقه بعد الانقلاب المصري 2013. أفكار التوحش هي الأكثر رواجاً الآن، بل هي أكثر مما كانت عليه قبل الربيع حتى، وقد كسبت حجة إضافية عن هشاشة وعدم جدوى الفكرة القائلة بالإصلاح. وكل ذلك من فعل الأداءات العابثة للراعي الأول والرسمي للتوحش "النظام السعودي".

 

ربّما على أحدهم أن يوقف هذا الصبي عن العبث بمستقبل العالم..

...

 



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك