ما يزعجهم من الإصلاح!

تعرضت معظم القوى السياسية اليمنية خلال عقود من عمرها لهزات عنيفة وضربات قاسية خلّفت في صفوفها وبنيتها أشكالاً متعددة من الضرر، وإن كان هناك قوة يمكن استثناؤها بوضوح فهي حزب التجمع اليمني للإصلاح، فلربما أنه الطرف الوحيد الذي لا يزال متماسكاً على مستوى بنيته التنظيمية، والأكبر جمهوراً وقواعد، والأكثر ارتباطاً بالجماهير وقدرة على الحشد والتأثير فيها، ويشهد له بذلك الخصوم قبل الشركاء والأنصار. وهذا هو بيت القصيد، وسر ما يتعرض له اليوم من حملة ضارية يشنها عليه كثير من الأطراف، سواء الداخلية منها أو تلك الخارجية التي كثيراً ما اتهم الإصلاح بالعمالة لها، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، وإن كانت لا تجاهره بالخصومة وتنفذ أجندتها عبر دعمها غير العلني لخصومه الذين يستهدفون وجوده وحاضره ومستقبله.

 

إن تسليم هذه الأطراف لليمنيين بحقهم في الديمقراطية وتحقيق أحلامهم وأهدافهم التي ناضلوا من أجلها عقوداً طويلة وتوّجوها بثورة فبراير السلمية المجيدة، يعني –بالضرورة- إفساح المجال أمام الإصلاح للمضي نحو مزيد من التماسك والتوسع والارتباط بالجماهير. فالديمقراطية تعزز موقع وموقف الإصلاح، والإصلاح – بحمله المشروع الوطني- يعزز خيار الديمقراطية. وهذا هو ما لا يرغب فيه أولئك الخصوم من فلول صالح وفلول الأئمة، ومن ورائهم الأطراف الخارجية التي لا تريد ديمقراطية في اليمن.

 

لقد اتخذ هؤلاء قرارهم بضرب المشروع اليمني الديمقراطي، وبدا لهم أنهم لن يتمكنوا من نسفه -أو إضعافه- إلا بضرب الإصلاح، أو إضعافه على الأقل.

 

ليس الإصلاح وحده هو الحامل أو المتبني للمشروع الوطني الديمقراطي، لكن الفرق بينه وبين غيره هو أن كثيراً من هؤلاء "الغير" – أفراداً أو كيانات- يريدون الوصول إلى لحظة إنجاح هذا المشروع الوطني وتحقيق الديمقراطية كنظام حكم، إلا أن خصومتهم أو تنافسهم مع الإصلاح يبعث في نفوسهم الحيرة والتردد دون المضي قدماً إلى تلك الغاية المنشودة، وذلك باعتبار أن الإصلاح سيكون الأكثر فائدة من هذا المشروع، بل ربما يتجاوز الأمر حد الحيرة والتردد لدى البعض إلى النكوص عن المشروع الوطني برمته.

 

وإذا توقفنا عن الحديث عن المشروع الوطني والمصلحة الوطنية ككل، وقصرنا الحديث عن المصلحة الحزبية المباشرة فإن هذا الارتباط بين الإصلاح والمشروع الوطني الديمقراطي يجعل الإصلاح المستفيد الأكبر من الديمقراطية. وهذا يجعله - بالتالي- الأكثر حرصاً على وصول الإنسان اليمني إلى تحقيق مشروعه الوطني والأكثر حرصاً على الديمقراطية تبعاً لمعرفته بانعكاساتها المباشرة عليه كحزب.

 

ومن الطبيعي – بناءً على ذلك- أن تكمن مصلحة الإصلاح في استقرار اليمن وسير العملية السياسية بسلاسة، لأن الاستقرار هو وحده الطريق المفضي باليمنيين إلى الديمقراطية الحقيقية وتطبيقها كنظام حكم. ولهذا يسعى أولئك الخصوم من فلول صالح وفلول الأئمة إلى إشعال الحروب في كل اتجاه وإقلاق الأمن ونسف عوامل الاستقرار بإثارة أسوأ النعرات الطائفية والمناطقية التي تجاوزها اليمن منذ عقود طويلة.

 

إنهم يفعلون ذلك نكاية بالشعب اليمني جزاء ثورته عليهم وأنه رفضهم ولفظهم من موقع القيادة، ونظير إصراره على الاستمرار في نضاله لينتزع من أفواههم لقمته واقتصاده، ويسترد من بين مخالبهم قراره السياسي، ويستعيد من تحت أقدامهم كرامته.. يفعلون ذلك نكاية به على العموم، ويفعلون ذلك –بشكل خاص- لقطع الطريق الموصل للإصلاح إلى مراحل أفضل بالنسبة له كحزب.

 

قطعاً لا أختزل المشروع الوطني في الإصلاح بقدر ما أفعل العكس وأختزل الإصلاح في المشروع الوطني، وبين الاثنين فرق شاسع. وقطعاً لا يعني هذا مصادرة حق الآخرين في انتقاد الإصلاح أو الاعتراض على سياساته أو الاختلاف معه، وإنما هو إشارة إلى الخلاف الذي يتجاوز بأصحابه حدود قواعد اللعبة السياسية والمصلحة الوطنية.

 

ليس بوسع أحد أن يتبنى المشروع الوطني الديمقراطي ولا تنصب جهوده في القناة ذاتها التي تنصب فيها جهود الإصلاح. وكأن إدراك الإصلاح لهذه النقطة وخشيته من أن يكون في ذلك ما يحول دون مواصلة بقية الوطنيين – أشخاصاً وكيانات- لعملهم النضالي من أجل بلوغ هذه الغاية خشية منافسهم (الإصلاح)، ولهذا لا يزال قادة الإصلاح يكررون أن حزبهم لا يعتزم الانفراد بالحكم والسلطة ولو حصل على أغلبية الأصوات. وإذا لم تخني الذاكرة فإن هذه النقطة وردت في جميع الحوارات التلفزيونية التي أجريت منذ اندلاع ثورة فبراير مع رئيس الحزب محمد اليدومي.

 

ذلك يعني أن هذه القناعة لم تستجد جراء ما حدث في مصر، كما ليس ذلك استفادة من التجربة المصرية، إذ أن التعبير عن هذه القناعة قد سبق فوز إخوان مصر في كل الانتخابات. كما لا يرمي بالتعبير عن هذه القناعة إلى استرضاء أو استمالة أي من الأطراف الخارجية التي لا ترغب في الإسلاميين، بل هي ناشئة –كما سبق الإشارة- من حرص الإصلاح على تطمين مختلف الوطنيين في الساحة – أشخاصاً وكيانات- واستنهاض هممهم نحو الهدف المشترك رغم الخلافات والتباينات على الطريق، وناشئة –تالياً- من معرفة الإصلاح بخصوصية الواقع اليمني ومستواه السياسي وأن اليمن لا يمكن أن تنقاد لطرف واحد ولو حصل على أغلبية مطلقة في الانتخابات.



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك