لعبة.. الدستور في مصر!

غداً وبعده سوف تشهد مصر استفتاء جديداً على دستور جديد للمرة الثانية خلال عام واحد فقط.. وهو بدون خلاف إنجاز دستوري مصري تستحق أن يسجل في موسوعة جينيس للأرقام القياسية العالمية؛ جنباً إلى جنب مع أرقام مثل: أكبر مهلبية بالكوسة في العالم.. وأكبر كبسة.. وأكبر بيتزا.. إلخ الأرقام العالمية التي تتحفنا بها الأخبار كل حين وآخر!

 

   من المنتظر أيضاً بعد تمرير الدستور أن تدخل مصر موسوعة جينيس العالمية وبسرعة؛ بسبب أول حالة سياسية من نوعها في التاريخ إن نجحت دعاوى قضائية ضد وزير الدفاع الفريق السيسي لإجباره على الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية؛ وهي أكبر عملية دجل سياسية! وصحيح أن القضاء رفض القضية؛ إلا أن مصر هي البلد التي صك فيها شعار: لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس، ولذلك فهناك استئناف ولو اقتضى الأمر فهناك محكمة الجنائيات الدولية، المهم لا بد أن يحكم مصر عسكري ويتم تصحيح الخطأ التاريخي الذي أوصل رئيساً مدنياً إلى سدة الرئاسة!

 

  وعلى طريقة الإعلام المصري التهريجية منذ ستين سنة؛ فالاستفتاء على الدستور يوصف بأنه علامة فارقة في تاريخ مصر، ونقطة تحول مهمة لا مثيل لها، وهو معركة مصيرية حشدت لها كل أساليب السحرة المعروفة في تاريخ الفراعنة، والنتيجة ستكون بـ "نعم" ولو كانت "لا" لأن الثابت مصرياً: "هو إحنا بنعرف أحسن من الحكومة؟".. والمشاركون سوف يتجاوزون المستويات العالمية ولو قضوا يومي الاستفتاء تحت البطانيات، وتراث التزوير المصري جاهز لملء استمارات الانتخاب نيابة عن الموتى، والغائبين أبداً، والمرضى الميؤوس منهم!

 

    خلال خمسة انتخابات ما بعد ثورة يناير اختفى التزوير المعهود، ولم يعد الموتى إلى الحياة للمشاركة في الاستحقاقات الديمقراطية؛ مما جعل البعض يقول ساخراً: "بابا الله يرحمه وينور قبره ما شاركش في الانتخابات المرة دي.. يا خوفي ليكون مريض أو  جرى له حاجة لا سمح الله!".

 

    الآن سيعود الموتى والغائبون المنقطعون عشرات السنين.. وسيلتئم شتات العائلات المصرية بعد الفراق!

•••

   هذه الصورة الهزلية التي فرضوها على مصر، وجعلوا مجرد قزم سياسي في المنطقة لا تتناسب مع الدعوات التي يطلقها البعض لتقود مصر العالم العربي.. فالقيادة ليست مجرد أغانٍ سخيفة، وفرق رقص، ونخبة باعت شرفها السياسي والمهني، وانقلبت على مبادئها.. ولا هي نظام قمعي يقتل أفراد شعبه بدم بارد.. وعلى الهواء مباشرة! ولا هي دولة لم يعد لها من دور في العالم إلا الدور المشبوه الذي تقوم به تجاه العدو التاريخي للأمة، والذي تسهم فيه في حصار وتجويع أكثر من مليون عربي دعماً للمجهود.. الصهيوني!

     مصر هذه التي نراها اليوم ليست هي مصر التي تصلح لقيادة الأمة، وتتصدر مسيرتها إلى المستقبل!

    ولنتأمل في تلك المقومات التي منحت مصر في الماضي راية القيادة؛ فحتى وهي تحت الاحتلال البريطاني وفي ظل أنظمة استبدادية إلا أنها كانت تقود وتلهم!

 

    مصر ذاك الزمان كانت قبلة أحرار العرب وليس مجرميها وفاسديها.. وكانت موئل العلم والثقافة وليس مركز الوساخة الإعلامية! والأكثر أهمية أنها كانت مركز الاحتشاد الشعبي والرسمي في القضية المركزية للأمة؛ أي قضية فلسطين.. على الأقل تلك المعاني كانت تغطي عيوبها وآثام حكامها؛ فلما ظهر أن حكامها تخلوا عن هذه المقومات، وصارت مصر عندهم مجرد شركة تجارية يفسدون فيها، ويتشاركون فيها مع أغنياء البترول ورجال البيزنس النصابين.. ولما صارت نخبتها تحج وتعتمر في دبي، ويهرع رموز الصحافة والفن والسياسة في طائرات خاصة لأخذ البركة من شيخ صغير السن تعلم الأبجدية على يد معلم مصري الذي صار هو المثل الأعلى لهذه النخبة.. لما حدث كل هذا لم يعد من الصدق أن يقال إن مصر بقيادتها الانقلابية هذه تصلح لتقود الأمة!

 

  والسؤال الذي يفرض نفسه: وإلى أين تقود الأمة أصلاً؟

  تقودها للارتداد عن روح العصر بسلطة انقلابية عسكرية قمعية قتلت المصريين في الشوارع، ودفنت جثتهم في مقالب الزبالة، واستكثرت عليهم ان يكونوا مثل جيرانهم اليهود في الحرية السياسية والإعلامية؟ 

  أم تقودها بكوكبة الكذب والبهتان التي تقلب الحقائق وتزور كل شيء في حياة المصريين؟

  إلى أين ستقودنا مصر اليوم؟ والفراعنة الجدد وسحرتهم يملأون السجون بحاملي شهادات الدكتوراه في مختلف التخصصات العلمية والإنسانية الذين يختطفونهم من الجامعات والمعاهد ويلقون بهم في أحقر المعتقلات وأكثرها همجية؟

 

   إلى أين ستقودنا مصر تحت حكم الانقلاب العسكري وهم يعتقلون النساء والفتيات ويزجون بهن�' في السجون مع سجينات الآداب والسرقة والمخدرات؛ لمجرد أنهن يشاركن في مسيرة أو اعتصام سلمي؟

 إلى أين ستقودنا مصر في ظل الانقلاب العسكري والأمن المصري يعتقل تلاميذ وتلميذات المدراس إن وجد مسطرة أو كراسة عليها رسم رابعة؟

  ما هي القيم والمبادىء التي يحلم بها العرب ويمكن لمصر في ظل الانقلاب أن توفرها لهم أو تقودهم إليها: الديمقراطية أو الحرية أو الحكم المدني الدستوري أو الحرية الفكرية والدينية؟

   أي مستقبل ينتظر الأمة وقائدة المسيرة معتقلة في سجن كبير يحكمها عسكر وحرامية؟

 

   أي قيم دستورية وقانونية يتعلمها العرب في مصر اليوم ورموز القانون الدستور شاركوا في انقلاب عسكري همجي ويبررون أفعاله وجرائمه.. والآخرون إما معتقلون أو مفروض عليهم الصمت والرضوخ للأمر الواقع؟

   وأي إعلام مصري يتعلمه الناس وإعلام السحرة يزور  كل شيء بمكر الليل والنهار؟

   وأي سماحة دينية وقيم روحية سيمنحها هذا الانقلاب إن كبار كهنة النصرانية وفقهاء السلطان يرقصون على أنغام الانقلاب ويتمايلون وفق تعليمات العسكر؟

•••

   لن تكون مصر قائدة للعرب إلا بانكسار هذا الانقلاب اليوم أو غداً.. ولن تصلح لدور القيادة إلا عندما تعود مصر إلى أبنائها الشرفاء الذين يتحدون دبابات العسكر ورصاصات العسس، ويرفضون أن يركعوا أمامهم، ويقدمون كل يوم قرابين الدم الطاهر لتعود مصر حرة عزيزة أبية!

 

  هذه مصر التي تصلح لقيادة العرب والمسلمين.. وهي بالتأكيد ليست مصر الظلم، الجبروت، والاضطهاد.. والله وحده هو الذي يعلم متى تعود!

لكن حتى يحدث ذلك؛ دعونا من حكاية أن مصر قائدة المسيرة، وهي أحد الأعمدة التي تستند إليها الأمة التائهة.. فهذا العمود معرض للسرقة أو التأجير لأثرياء البترول.. والمسيرة صار يتقدمها قوم شعارهم: رقصني يا جدع!



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك