عوداً دامياً.. للإمام!

لم يعد ينقص إلا ظهور سلاح الجو الشريف في سماء صعدة، والزوارق الحربية الشريفة في الميناء الشريف؛ حتى يكتمل مشهد الدولة المدنية الحديثة.. الشريفة! ويقتنع الجميع أنها صارت مرمى قذيفة دبابة فقط! فقد انتهى أمر السيطرة على الإدارة المحلية في محافظة كاملة حتى الآن، وأحنت الدولة رأسها أمام الواقع، وقام نظام جديد أو خلع نقاب سنوات التقية.. وقريباً قد يتم تقديم أوراق الانضمام إلى الأمم المتحدة، والجامعة العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي بتسهيل وترتيب من المندوبين الدائمين.. للجمهورية اليمنية فيها!

 

ولا شك أنه كان منظراً سريالياً واليمنيون يرون مكوناً أساسياً في مؤتمر الحوار الوطني الشامل (أبهر الحاضرين برؤاه السياسية على حد قول أحد أبالسة المؤتمر!) الذي انعقد أساساً لوضع أسس الدولة اليمنية الحديثة؛ يخوض معارك دامية في أكثر من منطقة في البلاد، وتتحرك مدرعاته وأسلحته الثقيلة على مرأى من العالم، ومن فوقها ترفرف أعلامه الحزبية أو أعلام دولته الخاصة؛ تماماً كما حدث من قبل عندما احتفل الحوثة بمولد النبي صلى الله عليه وسلم في ظل أعلامهم الحزبية؛ حتى اضطر أحد مؤيديهم من ماركسيي أيام زمان الى أن ينبههم إلى غلطتهم هذه، متمنياً عليهم بأدب نادر لو أنهم رفعوا أعلام اليمن!

 

    الآن عرفنا لماذا سارع كثيرون من داخل مربع الحوثة، ومعهم المغفلون في الأرض؛ للتهوين من دعاوى الانفصال، ورفع الأعلام الشطرية للدولة السابقة في جنوب الوطن! وفهمنا سر ذلك الغزل غير العفيف، والتأييد الحماسي المتبادل بين الطرفين اللذين يحلمان بإعادة دولتيهما.. فالأمر إذاً ليس تعاطف مظلومية (التعاطف والمحبة بدأت قبل حدوث أي مشاكل أو مظالم للطرفين!).. ولكن الأمر كله: شي�'لني وأشي�'لك.. وأيدني وأيدك.. ويا بخت من نفع واستنفع! فكلا الطرفين الشريفين (!) ظلا خلال السنوات الماضية سيوفاً متحدة على خصومهم وخصوم مشروعيهما.. ذاك ينبري يدافع ويبرر حمل السلاح بأنه ضرورة للدفاع عن النفس ورد المظلومية، واليمنيون كلهم يملكون السلاح ولا حاجة لاستيرادها من الخارج أو الحصول عليها هبة من معسكرات المخلوع.. وثانٍ من هنا يرد له الجميل ويبرر جموح شعاراته الانفصالية، ويغض الطرف عن جرائمه ضد الرعية من أبناء المناطق المستضعفة الفقيرة التي طالما اضطهدها الأئمة قديما، ويبدو أن زمان اضطهادها الجديد قادم قريباً!

 

     إعلام المخلوع هو ثالثة الأثافي في هذه اللعبة؛ فقد فتح وسائله (التي هي من أموال الشعب المنهوبة من أيام المظالم التي فجرت سخط الطرفين الأول والثاني، واتخذوا منها سبباً للدعوة للانفصال والتمرد!) ليصولوا ويجولوا دون حرج؛ بعد أن اتفقوا على العمل سوياً لتأسيس الدولة المدنية الحديثة شرطاً لنسيان الماضي وخلافاته المؤسفة! ولن يصدق أحد اسم المطبوعة المملوكة للمخلوع التي ظهرت أيام المولد النبوي تبشر اليمنيين باحتفالاته في صعدة بصورة كبيرة ملونة لسماء صعدة الملتهبة بالألعاب النارية، وعليها عنوان: المولد النبوي يضيء سماء صعدة والوفود تصل صنعاء! ومما تتناقله الأخبار أن حمران العيون في المؤتمر في عمران وما جاورها في البوادي والأرياف يتلقون أوامر هاتفية من إبليس: الحوثي صاحبك.. فيهبط الإيمان في القلوب بالمظلومية التاريخية، ويتحركون سريعاً لنصرة القناديل!

 

    وكل هذا يحدث، ويقال للناس: مظلومية تاريخية.. ومؤامرة لاجتثاث المذهب الزيدي!

 

لا جديد في تاريخ القتل!

    تتشابه إلى حد ما ظروف الخروجين الحوثيين: القديم والجديد، وأبرز مظاهر التشابه أنهار الدماء والحروب التي يخوضها من كانوا يشكون المظلومية التي وقعت عليهم؛ ففي القديم كانوا يشكون مظلومية بني العباس وبني أمية.. واليوم يشكون مظلومية النظام السابق.. وفي الزمانين تحولوا إلى سيوف قتل، وذبح، وتشريد للناس من منازلهم ومزارعهم بعد إحراقها وتدميرها! وكما حرقوا المساجد ودمروا البيوت انتقاماً ممن خالفهم فقد فعلوا قديما أسوأ من ذلك: ردموا الآبار.. وأحرقوا النخيل.. وارتكبوا من الفظائع ما لو كان اليمنيون بلا قلوب وأفئدة رقيقة لأقاموا لهم المحاكم دون توقف جراء المظلومية التاريخية التي ألحقوها باليمن وأهله منذ جاءوا إليه باحثين عن سلطة.. مقدسة، ادعوا أن أبناء عمومتهم سرقوها عليهم فداروا الى اليمن واليمنيين ليدف�'عوهم الثمن بدلاً عنهم!

 

       وكما تآمروا ضد بعضهم في الزمان الأول، وحرضوا من سموهم فيما بعد بالأجانب والمحتلين ضد مواطنيهم، وأقاربهم من الآباء والأخوة طمعاً في السلطة؛ فقد كرروا الجريمة نفسها؛ فجاءت نشأتهم الجديدة تآمراً ضد مواطنيهم أولاً.. وضد أبناء سلالتهم.. ومع من؟ مع من يصفونهم بالطغاة الظلمة!

 

       وكما كان العثمانيون سبباً في تحويل دولتي الأئمة الأولى والثانية من دويلتي جبال وكهوف إلى دولتين تبسطا هيمنتهما على معظم/ نصف اليمن، بعد أن قضوا على القوى المحلية الأخرى، وسلموا البلاد جاهزة لهم؛ فها هي المؤامرة الجديدة تبدو واضحة؛ المخلوع التركي الجديد سلم المعسكرات بأسلحتها الثقيلة وذخائرها، والمديريات بسلطاتها وأموالها ومسؤوليها إلى الإمام الجديد؛ نكاية بمن قاوموه وأجبروه على الرحيل، فبسط سيطرته بقدر ما يستطيع، وصارت له دولة تتعامل مع دولة صنعاء للأمانة بندية والعين في العين! وجيش بكتائب ولا كتائب الإيرانيين وحزب الله، بدبابات ومدافع ذاتية الحركة، وشرطة خاصة، ولجان أمر بالمعروف ونهي عن المنكر تطارد الهواتف السيارة والنغمات الموسيقية كما تطارد الرافضين للركوع لحكم السيد المزيف!

 

      طابع الدماء يلو�'ن تاريخ الأئمة القدامى كما يلون تاريخهم الجديد.. من أول يوم ظهروا فيه كان شعارهم الموت لفظيا لليهود والنصارى وعمليا للمسلمين، وتحول تحالفهم وعلاقات الولاء فجأة مع المخلوع إلى دمار وقتل لليمنيين الذين دفعوا ثمن تحالفهم وخلافهم على حد سواء.. وكانت البداية بسيطة يمكن تداركها لولا المشاريع الخفية والمطامح الشخصية! وتناسلت الحروب كما حدث في الماضي (المؤرخون الإماميون يتفاخرون بأن مؤسس دولتهم ومذهبهم خاض بضعة مئات من المعارك في اليمن خلال أقل من عشر سنوات!). ومن بعده ظلت طاحونة الدماء تطحن أرواح اليمنيين والمدعين بالحق الإلهي في السلطة على حد سواء.. والله وحده يعلم كم أنفس أزهقت من الطرفين.. وها هي العودة الثانية للفتنة الطائفية تبدو من بواكيرها حمراء كالدماء التي تنزف هنا وهناك.. ود يحتاجون إلى مئات السنين حتى يظهر لهم مثل الشاعر أحمد الشامي ليقول لهم خلاصة تجربته مع الدماء؛ إن الأفضل لهم أن يتفرغوا للعلم والفكر حفاظا على أرواح المسلمين و.. أرواحهم هم أيضاً!

 



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك