على الطريقة المصرية في الإصرار على وصف الانقلاب العسكري الذي قاده السيسي بأنه ثورة حقيقية؛ يعمل حلفاء الثورة المضادة في اليمن على توصيف معارضتهم لحكم الرئيس عبد ربه هادي، وحكومة الوفاق بأنها ثورة جديدة، ولو كان رموزها وإعلامها يتصد�'ره أتباع المخلوع علي صالح بكل حقدهم وكراهيتهم لما حدث لزعيمهم ولهم خلال السنوات الماضية.
وكما حدث في مصر، فقد تكررت المشاهد نفسها، بدءاً من الدولة العربية المتهمة بدعم الانقلاب المصري، وظهور التحالف الأسود بين قوى ورموز كانت ثورية، ورضيت أن تتحالف مع من ثاروا ضده لا لسبب حقيقي إلا أنها عجزت أن تدير خلافاتها وخصوماتها بمنطق ووفق قواعد المرحلة، وهرولت للعودة إلى تاريخها الفوضوي القديم الذي يعتمد نهج هدم كل شيء طالما أنهم لا يرضون عنه.
المبررات الأساسية للثورة المضادة في اليمن هي تقريباً نفس المبررات التي رفعها الانقلابيون في مصر؛ وهي مبررات تصير نكتة عندما يرفعها أتباع المخلوع علي عبد الله صالح.. مثل شكواهم من: الفساد (!) وغياب الحكم الرشيد (!) وضعف الشفافية (!) وازدياد نسبة الفقر (!) والتسرب من التعليم (!)، وانخفاض نسبة اليمنيين الحاصلين على مياه صحية (!) ورعاية صحية (!).. فضلاً عن التدهور الأمني (!) وتزايد الاعتداءات التخريبية التي تتعر�'ض لها الممتلكات العامة!
كل ما سبق هو خلاصة الأسباب التي ترفعها الثورة المضادة في اليمن؛ مبرراً لخروجها إلى الشارع بالتعاون الوثيق هذه المرة مع أتباع المخلوع علي صالح.. صالح الذي لن ينسى ولو يغفر أبداً لمن كانوا سبباً في إذلاله، وإجباره على الجلوس، ذلك المجلس، المهين في قصر الملك عبد الله بن عبد العزيز ليوق�'ع مُرغماً على المبادرة الخليجية التي أسقطت حكمه، وانتزعت من أنيابه، وأظافر أبنائه وأولاد أخيه وأشقائه، وأعوانه في القرية والقبيلة والطائفة اليمن وشعبها، ومنحت اليمنيين أملاً بأن يبنوا يمناً جديداً ليس فيه شيء من ذلك الذي كان.
لا شك أن القارئ اندهش نوعاً ما وهو يقرأ المبررات للثورة المضادة بقيادة المغفلين في ثورات الربيع العربي (ولكل ثورة مغفلوها) وبمشاركة ودعم من كانوا سبباً في صنع كل هذه المآسي/ المبررات في حياة اليمنيين.. وبالمناسبة فإن هذه المبررات التي ذكرناها ليست مأخوذة من المواقع الشخصية للمغفلين الثوريين ولا من صحفهم ولا هي تسريبات من المطبخ الإعلامي للإصلاح، ولكن للغرابة أخذناها نصاً من الصحيفة المركزية للمخلوع علي صالح؛ الأمر الذي يكشف لمن كان له ذرة من فهم المدى الذي يمكن أن تقود إليه البعض أحقاده وأنانيته وفشله في التفريق بين الخصومة السياسية والفجور الأخلاقي والسياسي، وتجعله ينتبه –كما حدث في مصر تماماً- إلى السموم التي يدسها إعلام المخلوعين في وصف الثورة الشبابية الشعبية، التي كان ذلك البعض مشاركاً فيها؛ بأنها مؤامرة (!) وفعل تغريري (!) وفوضى عارمة (!) اجتاحت يمن علي صالح أو كما يُقال الآن: يمن السلام والحكمة والتنمية والفردوس الذي تعر�'ض لمؤامرة دولية.
•••
ردود أفعال ومؤامرات المخلوع علي صالح وعائلته ضد ثورة فبراير ليست جديدة ولا هي مستغربة، فكذلك فعل الأئمة المجرمون بعد ثورة 26 سبتمبر. فقد كانوا مثل هؤلاء الأخيرين يرفضون أن يصد�'ِقوا أن اليمانيين قد نجوا من أنيابهم، وأنهم لن يعودوا بعد اليوم ينعمون بشفاه اليمنيين وهي تقبل ركبهم وأرجلهم، وتستريح بجوار أحذيتهم، كما كانوا يظنون وهم يرون العكفة والمتملقين وأصحاب المصالح يفعلون. حتى التآمر الخارجي كان هو الحجة المشتركة بين أئمة آل حميد الدين وبين أئمة عفاش. فكما كان الإمام وأبواقه يبررون جرائمهم ضد اليمنيين باسم الدفاع عن اليمن والدين ضد الكفار المصريين والتدخل الخارجي؛ ها هم آل عفش يبررون جرائمهم القديمة والجديدة بأنهم يدافعون عن اليمن ضد المؤامرة الخارجية التي تقودها قطر (وقناة الجزيرة!) وتركيا، وسوبر العكفة منهم يتهمون إسرائيل، وأحياناً: يتهمون أمريكا بأنها وراء المصائب التي نزلت بالمخلوع وعائلته.
وكما نسي المتآمرون في مصر خلافاتهم وأحقادهم لاستعادة السلطة التي كادت تفلت منهم، فها هم متآمرو اليمن يفعلون الشيء نفسه، وها هم الحوثيون وأتباع المخلوع صالح يتبادلون الغزل وعبارات الحب الصامتة، وهذا يدافع عن ذاك بأنهم قاموا يدافعون عن الشعب المظلوم في حاشد وصعدة وأرحب، والحوثة يردون الجميل بأن عفاش: محترم، وإكسلانس، ودمث ويفهم في الأصول (أصول بيع الذمم وشرائها، وليس الأصول الخمسة التي لا يفهمها حتى الحوثيون أنفسهم!) أحسن من الآخرين. ولو حزقت سوف يبحثون له عن غصن في شجرة النسب المظلومة(!!) ويقرون بأنه من: الطيبين الطاهرين المكرمين، أو من: مواليهم إن رفض المتزمتون منحه النسب الشريف، أو إن نجح البراجماتيون الحوثة في الجمع بين المتناقضات فسيقال عليه: عفاش منا.. آل البيت!
وفي عناوين ثورتهم ومبرراتها اتفقوا تماماً على الخطوط السوداء والتفاصيل، لا فرق بين قنديل يتكلم عن المواطنة المتساوية، هو يعجز عند ذكر اسم زعيمه إلا مسبوقاً بكلمة: السيد! أو زنبيل يقتل الناس بدم بارد لأن السيد أمره بذلك حتى يدخل الجنة بعمل يعوضه ربما عن الصلاة، أو سارق مبهرر ومسؤول سابق فاشل يتحدث دون حياء عن ازدياد الفساد، وتدهور الحالة الإنسانية والصحية لليمنيين وتدهور المؤشرات العامة لليمن في التقارير الدولية .. الخ ما أنتجه نظامهم السابق من بلاوي ومآسٍ سيظل اليمن يعاني منها سنوات الله وحده يعلم عددها.
لا مصر هي اليمن ولا اليمن هي مصر، وصحيح أن الثورة المضادة في البلدين واحدة؛ وخاصة في قلة الحياء والفجور في قلب الحقائق، والإصرار على سياسة: علينا وعلى أعدائنا يا طويل العمر!
وكذلك في القدرة على استخدام جينيات كراهية كل ما هو إسلامي عند البعض؛ كل ذلك صحيح.. لكن تظل اليمن هي اليمن، ومن لا يفهم ذلك يمارس شعوذته في وسائل الإعلام كما يشاء، متجاهلاً أن اليمنيين الذين شاهدوا بأم أعينهم ماذا فعلت وتفعل الثورة المضادة في مصر لن يقبلوا على أنفسهم أن يعود النظام السابق تحت أي مسمى كان؛ وسواء أكان ذلك بقرون كهنة الحوثة، أو كرافتات خونة الدولة المدنية!
هناك.. فرق
الفرق بين الثورة والمؤامرة هو في نهر الدماء الذي يقد�'مه الثوار مهراً في مذبح الثورة للخلاص من زمن الظلم والفساد.. وفي ثورة 11 فبراير قدم الآلاف هذا المهر، وتحدوا الآلة الجهنمية لنظام المخلوع وأولاده وعائلته، وهو الأمر نفسه الذي حدث في مصر في ثورة يناير ضد المخلوع حسني مبارك.
أما في المؤامرات التي تحبك في القصور فلا أحد فيها على استعداد لتقديم قطرة دم، وكان ذلك شاهداً على حقيقة مؤامرة العسكر في مصر التي استمرت ست ساعات فقط تخللها الرقص والتحرش بالبنات، وشاهداً على أن انتفاضة المصريين ضد الانقلاب هي ثورة جديدة أو مكم�'ِلة لثورة يناير، ويكفيها دليل هذه الأنهار من الد�'ِماء التي يقدمها المصريون يومياً منذ 8 أشهر في سبيل كسر الانقلاب، واسترداد حلمهم الذي تآمر عليه القريب والبعيد. لم يتوقفوا يوماً واحداً عن التظاهر والتصد�'ِي للعسكر وآلة قمعهم الجبارة. ولم يبخلوا بأراحهم ولا دمائهم. وقال أحرارها كما قال يوسف عيه السلام لفراعنة مصر ورموز الفساد فيها: [رب�'ِ؛ السجن أحب إلي�'..]!
وهذا هو الفرق.



شارك برأيك