(كلكم يبكي.. فمن سرق الحذاء؟) الحسن البصري
(1)
من الأمور السهلة في بلادنا أن يتحدث الناس عن مظاهر الاختلالات والسلبيات في أي مجال.. حتى صار من المضحكات المبكيات أن يتحدث الفاسدون عن ظاهرة الفساد: شتما وانتقادا وتبرما.. وأن يبكي المسؤولون الكبار في الدولة من سوء حالة الإدارة وتدهور الأوضاع! وهكذا يمكن القياس على المجالات الأخرى.. فالكل يبكي ويشكو.. لكن قليلا ما يفهم هؤلاء أن المطلوب منهم هو أن يحددوا بالضبط: المسؤول الحقيقي عن هذه الاختلالات والمشاكل!
ولا يعني عدم تحديد (المسؤول) أن الشاكين الباكين لا يعرفونه.. لكن الخشية من الانتقام.. أو وجود مصلحة في وجود هذه الاختلالات من الأسباب التي تجعلهم يكتفون بلعن الفساد دون الفاسدين.. والشكوى من الاختلالات دون تحديد المسبب الرئيسي لذلك!
(2)
ربما تكون اليمن البلد الوحيد في العالم الذي يتصدر المسؤولون الحكوميون فيه صفوف الشاكين الباكين من سوء الأوضاع! والبعض يظن أنه بهذه الشكوى وذرف الدموع التماسيحية يكون قد أخلى طرفه من المسؤولية، وعاد كيوم (توظف) في الدولة وهو في ريعان الشباب طاهرا من شبهة الفساد والإفساد! وهناك صنف آخر من هؤلاء يهتم بإخلاء طرفه بالتصدي لمدح الشرفاء ورثاء النزيهين وكأنه واحد منهم يمتلك حق الانتماء إليهم والاصطفاف معهم!
وهؤلاء ربما لم يسمعوا بالأثر الذي يقول إن المرء لو عبد الله سبعين عاما عند الحجر الأسود فلن يحشر إلا مع من أحب ووالى فضلا عن أن يكون من الذين تشبهوا بالأفعال نفسها!
(3)
في الأسبوع الماضي أشرنا إلى سوء الإدارة المؤتمرية للبلاد كما تمثل بحالات الفوضى الموجودة في أكثر من محافظة.. وقد فاتني الإشارة إلى سبب مهم في ذلك، فبالإضافة إلى سوء اختيار المسؤولين هناك سياسة إضعاف سلطة المحافظين –وأمثالهم من المسؤولين في الوزارات والمؤسسات وغيرها- لحساب (إدارة ظل) هي التي تتولى في الواقع إدارة الأمور وتقرير كل شيء.. ولا يستطيع (المسؤول الأول) –إلا في النادر- إلا التزام بقراراتها لأنه يعلم أن (إدارة الظل) هذه صاحبة النفوذ والواصلة إلى فوق! وأنه إذا أراد البقاء والاستفادة من الميزات الخرافية للمنصب فعليه أن ينسجم مع إدارة الظل ولا يعصي أو يتمرد وإلا فإن مصيره سيكون أسود من الظل!
(4)
المأزق الذي وصلت إليه الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ليس غريبا.. والغريب أنها ما تزال موجودة بعد عامين ونصف.. والأكثر غرابة أن ينبري لمهاجمتها والتنديد بها وبعجزها عن عمل شيء عدد من رموز السلطة المؤتمرية!
ومن المثير للإحباط أن تتهم الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بالفساد.. وعدم الشفافية.. والمحسوبية في التوظيف.. والعجز عن تحقيق أهدافها الحقيقية في مكافحة الفساد الكبير وليس الفساد الذي (عاده صغير يربونه)!
لا جديد تحت سماء اليمن.. وهل كان عاقل في البلاد يتوقع أو يحلم أن الهيئة سوف تؤدي عملها –أو يسمح لها- كما يحدث في الدول المحترمة.. وتحارب الفساد الكبير.. ويتحول مقرها إلى (محطة) يزورها كبار المسؤولين كل فترة وفترة ليدافعوا عن أنفسهم تهم الفساد! ويصير المرور بجانب مقرها مسألة ثقيلة على الفاسدين بحيث إذا مروا رددوا في قرارة أنفسهم عبارات مثل (حوالينا لا علينا ) أو (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء) أو (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا) أو (يا أمان الخائفين نجنا مما نخاف)؟ فإذا صحت الأخبار المتداولة عما يحدث في داخل الهيئة.. وعما تلاقيه من تأنيب رسمي علني وسري.. إذا صح ذلك فليس أمام أعضائها إلا الاستقالة.. بشرط أن يخرج كل منهم ومعه الذين وظفهم من أقاربه ومعارفه!
(5)
عادت من جديد موضة نشر رسومات تتعمد الإساءة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم! ولا يدري هؤلاء المهووسون بأن الذي حدث منذ نشر الرسوم الدانماركية قد فجّر في نفوس المسلمين المزيد من ينابيع الحب والتوقير له.. ولولا الملامة وسوء الفهم لاقترحنا توجيه رسالة شكر لأولئك المهووسين فقد وفروا الفرصة لنا لنعرف الحجم الحقيقي للحب العظيم الذي يكنه المسلمون لنبيهم صلى الله عليه وسلم.. وظهر ذلك في غضبتهم.. وفي الأناشيد الجميلة بلغات عديدة التي شدا بها المسلمون حبا في الرجل الفقير الذي هدى مليارات البشر وعلمهم الخير والتسامح والسمو عن صغائر النفس وتفاهات العقول المشركة والقلوب المتحجرة!
الرسوم المسيئة ظهر بدلا منها ملايين المقالات والشعارات والعبارات والقصائد والمؤلفات التي عبرت عن حب المسلمين لنبيهم صلى الله عليه وسلم.. وأن الرد الصحيح عليها هو السير على هداه والتمسك بسنته!
أرادوها مسخرة وقلة حياء وقذارة فكرية، فجعلها الله تعالى سببا في زيادة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم.. وزيادة المؤمنين به.. وزيادة الحاملين لاسمه.. وازدياد الوعي بالهوية الإسلامية والسير في الركب الذي سار في مقدمته محمد صلى الله عليه وسلم!
عن الناس.



شارك برأيك