عندما كان النظام السابق يحتضر، كان صالح يصرخ في السبعين: "المعارضة لا تستطيع الحكم"، وكنا نسمعه، ونلعنه، ونقهقه من الضحك، ونعد ما تبقى له من أيام، كان صوت التغيير مرتفعاً، بعضنا يحلم والبعض الآخر يموت في سبيل الحلم، حاصرت صالح الدماء وخرائب الثلاثين عاماً وقذفت به من قصره في السبعين.
ذهب الرجل مخلفاً وراءه بعض "الدكاكين" وبضعة أشياء وتاريخ مضطرب، وتركة حافلة بالسيئات والخطايا، وكان الحالمون والثائرون يؤمنون بأن فساد هذا الرجل لن يتكرر، لن يكون في تاريخ هذه البلاد أسوأ من الذي سبق العام 2011، لكن وكما يحدث في الملاحم الكبيرة، أو أفلام الخطايا القاتلة، خرج الشرير من القصر وهو يضحك بلؤم، لأنه ترك بعض المفاجآت المدمرة خلفه ومضى، ذهب الناس إلى انتخاب هادي بالملايين وتفاءلوا بالحكومة الجديدة، بلعوا ريقهم في الشهور الأولى، وعصروا الليمون على بعض القرارات في الشهور التي تلتها، لكنهم اليوم يشعرون بالمرارة والخذلان، وهم يشاهدون صالح ونظامه في وجوه كل الذين يحكمونا اليوم باسم الثورة، كانت مفاجأة صالح التي تركها سعيداً خلفه، أنه قد أفسدهم جميعاً.
يا للأسى! ذلك الرجل الذي ألقيناه ذات يوم من قصره في السبعين يخرج لسانه لنا اليوم، ويذكرنا بما كان يقوله من على منصة السبعين.
لا أظن أنه سيمر وقت أسوأ على اليمني الذي ثار في 2011 من الوقت الذي يمر به الآن منتصف 2014، إنه يرتعش من الخذلان والغضب، ويخطر له أثناء ذلك أن هذه البلاد ملعونة، أو أن النحس جاثم فيها، وتمر بالذهن قائمة من الأسماء لا يتوقف عن لعنها، واحداً وراء الآخر.. هو يلعنهم ويصفهم بالأوغاد، حتى لا يتورط، ويقول فيهم ما يعرضه للعقاب من كل الأديان.
رئاسة البلاد وهذه الحكومة ومسؤولو ما بعد الثورة، الذين هم مسؤولو قبل الثورة، يقتلوننا كل يوم، ويعذبون من استشهدوا لأجلها في قبورهم، غير أن أسوأ شيء ألحقوه بنا هو تضاؤل الإيمان بالتغيير، وأن مفهوم الثورة لا علاقة له بما آلت إليه الأحوال اليوم، وأن ثمة شيئاً يضمُر ويموت بداخلنا كنا قد تحمسنا له حتى الموت في العام 2011، والأسوأ من ذلك، أن تلتقي بمواطن بسيط يشبه جارك أو ابن خالتك، قد يكون اسمه أحمد عبده أو علي سعيد، يسألك: "يا أستاذ، هيّا ما عاد فعلت الثورة حقكم؟" ثم لا تجد ما ترد به عليه.
لقد قلت مرة بعد المليون أنه لو وضعني هذا الزمن اللئيم مرة أخرى في فبراير 2011 لما انحزت لشيء آخر غير ساحة التغيير، كانت لحظة تاريخية، قادرة على وضع هذه البلاد على الطريق الصحيح، والآن أشعر كما لو أني مستمر بالإخلاص لعشيقة، لا تتوقف عن الخيانة يوماً بعد يوم، مع ذلك فأنا أظن أن مهمة الكاتب أو المستقل رصد ما يحدث وتناوله بالنقد. لسنا منجمين، ولا نضرب الودع، ولا نكذب كما تفعل الحكومة.
البلاد متوقفة عن الحركة، وغارقة في الظلام، قالت الحكومة في الأسبوع الماضي إن البترول سيتوفر يوم الأربعاء، لم يتوفر البترول، فقالت إن جماعات مسلحة تعترض الحاويات في الطريق، وكانت تكذب، أو "تستعبط"، أثناء ذلك كانت امرأة من مأرب تأخذ بعادة أهلها وتفجر أنبوباً للنفط، وفي بداية هذا الأسبوع يفتح وزير النفط صفحته في الفيس بوك، يتجاهل معاناة الناس وطوابير السيارات ويكتب باسترخاء مقالاً قصيراً عن "الرؤية والإرادة والقرار"!



شارك برأيك