ختان الشعوب.. ديمقراطياً!

هناك تجانس ملحوظ  في التعاطي مع استحقاقات الديمقراطية بين فلول الأنظمة التي أطاحت بها رياح الربيع العربي وبين بعض القوى التي كانت ضمن قوى الثورات الشعبية ثم بدا لها أن تنقلب على الربيع العربي! ولعل هذا التجانس بين الطرفين هو الذي جعلهم يعزفون لحناً واحداً لتبرير الانقلابات على مخرجات الممارسات الديمقراطية التي جرت حتى الآن من تونس إلى مصر وليبيا.. فقد توحدت رؤاهم وتقييماتهم، بل زالت الوحشة بين كثير من أطرافهم، وفي اليمن رأيناهم يخوضون حرباً واحدة ضد الإصلاح، ويستضيفون بعضهم في وسائل الإعلام، والفعاليات الشعبية كالمسيرات والاعتصامات إلى درجة الاشتراك معاً في تفجير ثورة كرتونية لصالح الطرفين! ولاحظوا هذه الأيام كيف التقت جماعة المخلوع والحوثة على تفسيرات واحدة تجاه الحملة العسكرية ضد القاعدة! 

 

وفي مصر بدا التجانس أكثر وضوحاً وصلابة كما ظهر في التشارك في الانقلاب العسكري وما سبقه من مؤامرات يقر الجميع الآن بها، وفي التفاهم على التغطية على المذابح التي نظمها الجيش والأمن المصري للمعارضين بوصفهم إرهابيين ولو كانوا من النساء والشيوخ المسالمين!

 

ومن ظواهر ذلك التجانس صيرورة الحج والعمرة إلى دولة الإمارات أحد الطقوس الروتينية التي يؤديها رموز ماركسية وقومية ناصرية، وعلمانية متطرفة في مستوى محمد حسنين هيكل وقادة حزب التجمع الماركسي، وهي زيارات توبة نصوح (إن جاز التعبير) يعود منها المهتدون الجدد وقد غسلوا حوّبتهم التي طالما فعلوها تجاه الأنظمة التي كانت في ميزانهم: رجعية عميلة للاستعمار والإمبريالية، يلتقون فيها بمشايخ حكم مبارك المخلوع المستوطنين هناك، ويتبادلون معهم طقوس التوبة، والندم، والعزم على عدم العودة إلى معصية الثورة!

 

وآخر مثال على التوبة من هذا النوع كانت توبة القيادي الماركسي والمتحدث الرسمي باسم حزب التجمع التقدمي المصري نبيل زكي الذي عاد من الحج الإماراتي في 6 مايو الماضي خاشعاً متطهراً من الذنوب الثورية؛ ويحل ضيفاً على قناة "العربية" في اليوم التالي ليبدي إعجابه وانبهاره بالنهضة في الإمارات، وهو في حالة ذهول ولا مريدي الصوفية الجدد أو المشعوذين في مزارات الأولياء! وحسب فتواه التي خصّ بها قناة العربية التقدمية الحداثية الليبرالية أن هذه النهضة سببها أن الإمارات تخلصت من مشاكل الإخوان التي يثيرونها في مصر عن ختان البنات وعمل المرأة، وتسببت كما يفهم من كلامه بحالة التخلف والفقر! (لاحظنا أن المذيعة منتهى لم يعجبها هذا المديح المنبهر بالإمارات فقطعت كلامه قائلة إن هناك دولاً خليجية أخرى حققت أيضاً هذا الإنجاز.. لكن الماركسي معذور فهو لم يزُرّ إلا العتبات المقدسة في الإمارات فشهد بما رأى!).

 

وبصرف النظر عن أن أشد المؤيدين لختان البنات في حزب النور السلفي المصري هم في مقدمة مؤيدي الانقلاب العسكري على حكم الإخوان، ويصطفون مع أمثال الماركسي نبيل زكي وحزبه في الحملة الانتخابية للمرشح العسكري عبد الفتاح السيسي بحماس جنوني، ويتنافسون معهم في إعلان حبهم وتأييدهم لحكم العسكر (أو ختان الشعوب!).. وبصرف النظر عن أن عدد المصريات الإسلاميات العاملات في شتى ميادين العمل والمعرفة أكثر من عدد سكان الإمارات أنفسهم.. بصرف النظر عن كل ذلك فأن يزعم قيادي ماركسي من الجيل القديم أن نجاح النهضة الاقتصادية في الإمارات سببه تجاوز معضلتي: ختان البنات، وتحريم عمل المرأة فهو أمر لا يتسق مع حقيقة أنه هو نفسه مع كل الذكور الإماراتيين، وأعضاء حزبه الماركسي، ومعهم بالضرورة كل الماركسيين العرب من أصول مسلمة هم.. ممن أجريت لهم عمليات ختان! لكن ذلك لم يمنع من تحقيق النهضة الإماراتية؛ إلا إذا حاججنا بعضهم أن النهضة الإمارتية وراءها الخبراء الغربيون.. غير المختونين!

 

مؤسف جداً هذا الانحدار الثقافي والقيمي الذي سبتته؛ أو فضحته على حقيقته؛ هزيمة الديمقراطية في مصر إلى درجة أن ماركسياً قيادياً يحج إلى دولة يمينية محافظة ويعود منها مسكوناً بالدور التاريخي لختان البنات في تغيير التاريخ، ولا يتذكر الكتب والدراسات التي صعد عليها حتى صار متحدثاً لحزب ماركسي، والتي طالما قرأ فيها وعلّم الأجيال المخدوعة من أمثاله عن الرأسمالية الطفيلية العربية في دول البترول التي تنهب حقوق العمال وفائض القيمة! وعن الارتباط بعجلة الاقتصاد الإمبريالي وتحويل البلد إلى سوق لمنتجات الرأسماليين والشركات الاحتكارية! وعن احتكار السلطة في عائلات من البدو كما كانوا يوصفون! ولا يتذكر الجعير الذي طالما ملأوا به الفضاء عن حق الشعوب العربية في ممارسة العمل السياسي والتعددية الحزبية، والديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان.. فقد صارت هذه كلها من عمل الشياطين والإخوان، وكان يراد بها أخونة الدولة وتكريس ختان البنات وتحريم عمل المرأة.. لكن الحمد لله تنبه لها النظام التقدمي في الإمارات وجعلها مع الختان في صندوق واحد ورماها في بحر الخليج الثائر!

 

الحج إلى الإمارات ليس شعيرة إسلامية لكيلا يفهم البعض الكلام خطأ؛ فهو نوع من الديانات "المكس"؛ فكما يشارك فيها ماركسيون، وعلمانيون، ولا دينيون.. فكذلك يشارك فيه المسيحيون.. وآخر من أدى الحج والعمرة بابا الكنيسة المصرية الأرثوذكسية تواضروس الثاني.. الذي جاء بطائرة إماراتية خاصة لا يستطيع أشد زعماء الديمقراطيات العلمانية المتطرفة في العالم المسيحي أن يوفرها له ولا لأمثاله من رجال الكهنوت الديني.. وإلا كان مصيره الشرشحة في البرلمان! لكن لأن الإمارات دولة لا تنشغل بختان البنات على ذمة  القائل! (اكتفاء بختان الشعب!)، وتؤمن أن لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين (بدليل أنها تخوض حرباً شرسة ضد كل إسلامي في الداخل والخارج!) فقد استضافت البابا الكهنوتي الذي كان أحد الدايات التي ولد على يديها الانقلاب العسكري.. أي أنه لم يمارس عملاً سياسياً فقط؛ بل شارك في عمل انقلاب عسكري يعيد أمجاد الدور الذي كان يقوم به الفاتيكان في الحرب الباردة! وسمح له أن يقوم بأداء طقوس دينية علنية دليلاً على التسامح والتصالح مقابل فرض جوا من الإرهاب الديني في المساجد! وهي صلاة مسيحية مقصودة لكيلا ينخدع أحد في الغرب المسيحي بشكاوى كثيرة عن المعتقلين السياسيين في الإمارات من أبناء الديانة الإسلامية.. أو يصدقوا أي حكايات عن اختطاف الأكاديميين العرب ممن خدموا في الدولة 12 عاماً علموا فيها أبناء الإمارات العلم بدون ختان البنات! وجرى إخفاؤهم وراء الشمس ثم إنكار حدوث ذلك.. وربما كان على المتضرر اللجوء إلى.. البابا لعله ينجح في إقناع الدولة أن اختطاف إنسان وإخفاءه أشد حرمة من.. ختان البنات!

 



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك