السذاجة أكبر خطراً من الحصانة

ولكم في مصر عبرة يا أولي الألباب

ظل البعض يعير ثوار اليمن - بحسن أو بسوء نية- بالحصانة التي منحت في ظروف وأسباب موغلة في التعقيد يتناساها الكثيرون ويقارنون الحال بمصر الثورة التي أودعت فرعونها السابق ورموز نظامه السجن.

 

رغم ذلك عاد الطغيان هناك بشكل أكثر قدماً من الماضي وانقلب واستأسد على خيار الشعب المصري من باب أخطر من الحصانة وهو السذاجة التي تلقفت ما يلقيه سحرة إعلام الفلول ومثقفي الخزي والعار في الوعي الشعبي، رغم أن ثورة مصر لم تواجه ربع التحديات التي لازالت تواجهها ثورة اليمن فلا دُعاة انفصال ولا تنظيمات إرهابية ولا حروب ولا تخريب بمستوى العنف الذي تشهده اليمن ولا نظام سابق وقح يعيش كامل حُريته، مع ذلك انخدع شعبها.

 

لهذا أقول لكم: إن اليمن دكان الله وبضاعته الاختلاف والتناقضات العجيبة، ومن ذلك أن يُفشل الشعب اليمني - حتى الآن- بوعيه وصبره وصموده كل هذه الآلة الضخمة التي تسيرها الثورة المضادة، التي تعتمد على استراتيجة خلق الأزمات والتباكي منها في آن بهدف إنتاج "سلام الله على عفاش"، إنما لا يمكن الاعتماد على هذا الوعي والقدرة على التحمل الشعبي والركون إليه إلى ما لا نهاية، حين تركنون ستفاجئكم هذه البلاد هكذا هي اللعبة في اليمن.  فمع المدى قطع الحبل الحجر وما استمر طرقه لا بُد أن يفتح.

 

حتى اليوم وبعد كل هذه الأزمات لم نسمع من حزب أو تكتل ثوري أو أحدٍ من هذه السلطة القائمة على الأقل في شقها الأقرب للشعب كأحزاب اللقاء المشترك أو حتى من رأسها التوافقي كلمة تقدير وامتنان وإشادة صادقة لهذا الوعي الشعبي واعتذار لهذه الكواهل التي أرهقها الحمل والاحتمال من أبناء الشعب اليمني.

 

بل نسمع- وللأسف- عن توجهات غاية في الغباء والأنانية والعجز وعدم العضة والعبرة تتجه نحو تحميل الشعب مزيداً من الأعباء والأزمات بـ"جرعة سعرية" سفيهة التبرير غبية المقصد، ففي الوقت الذي يمنع فيه المواطن في المحطات من تعبئة "دبة" بنزين أو ديزل -لتعويض فشلكم في توفير الكهرباء وحمياتها- بدعوى مكافحة السوق السوداء تغضون الطرف عن استمرار تعبئة صهاريج وسفن بأكملها للتهريب معلوم ملاكها والمستفيدون.

 

في الوقت الذي يقف المواطنون فيه - للشهر الثالث- في طوابير انتظار كسرت كل الأرقام القياسية العالمية في طولها وفي زمنها وفي بلد منتج للنفط، لم يتوقف أو يتأثر ضخ نهر العبث الجاري في محطات "الصرف والاعتماد والبلاش والمعسكرات" ملايين الليترات تتدفق مجاناً يومياً لمن يستحق ومن لا يستحق حد السفه من مشايخ وضباط ومسؤولين وطراطير على حد سواء.

 

ورغم ذلك ليت أن المواطنين الملتزمين بالطوابير يسلمون من عنجهية بعض سيارت تتبع الدولة في كسر الطوابير واهانة كرامة المواطنين، كما حدث قبل 3 أسابيع في محطة بشارع الرباط، حيث قُتل مواطن أبشع قتلة من قبل مهنجمين يلبسون ميري الداخلية، ورميت جثته وسيارة الدولة أمام الملأ، وإلى اليوم لم نسمع عن تحقيق أجرته الداخلية أو ضبط القتلة المهنجمين.

 

يا مسؤولي البلاد حُريٌ بكم مع اشراقة كل صباح أن تقبلوا الأرض تحت أقدام هذا الشعب العظيم العصي على المؤامرات والتدليس، الشعب الصابر على أدائكم منعدم الكفاءة لا أن تتجاهلوا أوجاعه وتتقاذفوا المسؤولية - كما فعل وزير النفط - وتلجأون إلى ألعاب الخفة والاستخفاف التي أوصلت من قبلكم إلى ما هم عليه اليوم.

 

لا تقعوا في فخ ووهم أنكم هبة الله وفضله ومنته على هذا الشعب وصمامات أمان طناجر الحياة والمخلوقات الضرورة لبقاء السماء في مكانها، أفيقوا يرحمكم الله ويرحمنا من هذه السذاجة.

 

فما كان يبتزنا به من قبلكم ها هو قائم مكتمل لم يعد لدى هذا الشعب ما يخاف منه أو عليه، ومع ذلك لايزال يحتمل نكاية بمن سبق لا أكثر.

 

يمكننا أن نتفهم حرصكم على الحصانة لكن لا يمكن أن نستوعب مدى استخفافكم بالحصن الذي يحميكم ويحمي هذه البلاد المتمثل في وعي الشعب وصبره واحتماله. إذا كانت مصر قد ابتليت بسذاجة شعبية تسرب إليها الماضي وطغيانه وعاد، فإننا نخشى في اليمن أن نكون قد ابتلينا بسذاجة النخبة الحاكمة التي قد يتسرب من شقوق رخاوتها الأمر ذاته.

 

الخلاصة لن يدفع الشعب فاتورة فسادكم أو بلادتكم سواء كنتم من بقايا النظام السابق أو محسوبين على الثورة أو من أهل الأعراف التوافقي، أوقفوا العبث أولاً وحاسبوا النهابة واحموا المصالح الحيوية التي تسبب ضربها في هذا العجز وشدوا أداءكم الرخو ثم تعالوا حدثونا عن "إصلاحات قاسية".

 

وسلام الله على شعب اليمن فقط



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك