الحديث عن مونديال البرازيل قد يجلب عليك السخط والتندّر في اليمن، وهو رد فعل منطقي ومتوقّع في بيئة متخمة بالأزمات التي تحول بين الإنسان وحياة طبيعية ناهيك عن ترف متابعة مباراة رياضية!
ومع ذلك فلم يعد كافياً أن تكون علاقتك بالرياضة من باب "العقل السليم في الجسم السليم"، الرياضة بمعناها الذي لا يقتصر على بذل المجهود الجسدي المنتظم وتحريك العضلات، وإنما الرياضة التي تغرس قيم التنافس الشريف والتعاون والقبول بفوز الخصم بروح رياضية، واتفاق الفرقاء على قواعد محددة يلتزم بها الطرفان.
أصبحت الرياضة في عالم اليوم صناعة ضخمة تترجم بمليارات الدولارات، وتقدّم مادة ثرية لوسائل الإعلام تحقق من خلالها وظيفة - من أهم وظائفها - وهي "الترفيه"..
وما وراء الترفيه سنجد وظيفة تربوية تحرص المؤسسات التعليمية على تحقيقها من خلال المسابقات الرياضية وحصص الرياضة المدرسية والتربية البدنية.
بل وحتى في المجال السياسي، فإن قبول الخصم السياسي بالهزيمة الانتخابية في المجتمعات الحُرة مثلاً مردّه إلى البيئة التربوية التي تشرّب منها ذلك السياسي منذ نعومة أظفاره أن يتقبل فوز منتخب المدرسة أو الكلية المنافسة ويبادر إلى تهنئة منافسه وسط تشجيع وتصفيق الجميع!
لدينا كنوز من القيم الإسلامية التي تؤكّد على التسامح والقبول بالآخر والتعاون والتنافس الشريف، لكنها تحتاج إلى نماذج تطبيقية ملموسة ومرئية محببة وجذابة، قد تجدها الناشئة في المسابقات الرياضية، لكن الثقافة الاجتماعية السائدة تميل أكثر إلى تكريس الجوانب السيِّئة في الرياضة وهي التعصّب، وممارسات العنف التي تقوم بها مجموعات المشجّعين المتحمسين (الألتراس)..
في المجتمعات المنغلقة سياسياً تزحف كرة القدم لتعويض مساحات الفراغ، ويجد فيها الشباب متنفساً للنقاش والحشد والمناصرة، وفي المجتمعات المنفتحة أيضاً تعوّض مساحات فراغ قد لا يكون بالضرورة فراغاً سياسياً، وإجمالاً تقدّم الدراسات والأبحاث مؤشرات مهمة على التأثير الملموس للرياضة في التفكير والمزاج العام والثقافة الاجتماعية والسياسية، لكنها ترتبط بتنشئة اجتماعية طويلة المدى، ما يعني مثلاً أن كهول العمل السياسي في اليمن خارج دائرة تلك المؤشرات.



شارك برأيك