يستميت المعارضون المسلحون لقرار إلغاء الدعم عن المشتقات النفطية في التمترس حول فكرة أن القرار هو قرار الحكومة، ويتخذون من ذلك منطلقاً للمطالبة بإقالتها وتشكيل حكومة كفاءات.. أو حكومة تكنوقراط كما هو المصطلح المشهور في عالم السياسة! ولعل هذه هي نقطة القوة في الخطاب الإعلامي الحوثي في التصعيد الأخير أنه فهم بانتهازية مكشوفة أن الجميع لا يريد أن يتبنى تأييد قرار إلغاء المشتقات النفطية ولا معارضته.. وأن معظم الفعاليات السياسية؛ بما فيها الرئاسة؛ استراحت لتركيز النقد على الحكومة، وتحميلها المسؤولية، والمطالبة برأسها بوصفها كبش الفداء الذي يتداعى كثيرون لذبحه لأسباب مختلفة عند كل طرف!
وللأسف الشديد فإن هذا التكتيك الإعلامي والسياسي الانتهازي؛ الذي يحصر مسؤولية الجرعة بالحكومة مع الاستثناءات المذكورة؛ ما يزال هو المتحكم في إدارة المعركة الإعلامية والسياسية ضدها.. ورغم أن الرئيس هادي دافع عن القرار في اجتماع السبت الماضي؛ إلا أنه كان بحاجة إلى أن يكون أكثر قوة من ذلك كأن يعلن تبنيه للقرار ولو عارضته الحكومة نفسها والأحزاب كلها طالما أن البديل كان سيكون انهيار اقتصاد البلاد.. وأهمية هذا الموقف الرئاسي يمكن فهمه من حقيقة – ربما تكون من سوء الحظ أو حسن الحظ- أن جهات عديدة معادية للسلطة القائمة؛ رغم مشاركتها فيها؛ تخشى أن يغضب عليها الرئيس هادي لأنه غضبه سيجلب عليها غضباً عالمياً وإقليمياً لا تستطيع مواجهته وتحمل تبعاته.. فهو كما قال الشاعر العربي: إذا غضبت عليك بنو تميم... رأيت الناس كلهم غضابا.. أو بالتحديد: مجلس الأمن وبنده السابع!
خلاصة الكلام: أن هذه الانتهازية الحوثية، والنذالة الحزبية، والحسابات الرئاسية المترددة هي التي صنعت الأزمة الراهنة، وجعلت من قرار تصحيح أسعار المشتقات كاليتيم على موائد اللئام.. وأتاحت للحوثة أن يمارسوا دور الفتوة الشعبي اللئيم.. أو البلطجي الشريف (على وزن اللص الشريف!) الذي يهرع لحماية الحرافيش/ الشعب قبل أن ينقلب على عقبيه، وتنكشف حقيقته القذرة، ويفرض عليهم نظاماً أسوأ مما شكوا منه.. وهو نفسه الذي عندما يتمكن من الأمر فسوف يجعلهم يندمون على مساعدته لهم.. فأقل ما سيصيبهم أنه "سيُجعمِنهم" على طريقة الإمام يحيى الذي قيل إنه قتل أحد أبرز مناصريه (العلامة جعمان) خوفاً منه.. وصار الحدث مثلاً عند عكفته أن ينصحوه كلما شكا من فلان قائلين: جعمنه!
****
الخطأ الذي وقع فيه الأستاذ محمد سالم باسندوة أنه تبرع؛ بأريحية يحسد عليها؛ أن يكون الضحية التي تتحمل المسؤولية عن قرار الجرعة، وهو يعلم نتائج القرار السلبية شعبياً وكيف سيستغل ضده، وهو يعلم – أيضاً- أن النذالة السياسية صارت هي التي تحكم تصرفات بعض حلفائه في اللقاء المشترك قبل خصومه؛ وهم الذين يتبرأون منه في صحفهم ومجالسهم، ويشنون عليه في الليل حملات إعلامية شرسة؛ قبل أن يأتوا إليه في الصباح ليوقع لهم على كم هائل من قرارات التعيين والترقية ومطالب المساعدة المادية لكوادرهم الحزبية!
وأخطأ باسندوة كذلك أنه لم يشترط مثلاً أن يتم الإعلان عن الجرعة في اجتماع سياسي وحزبي بحضور رئيس الجمهورية نفسه وقادة الدولة العسكريين والمدنيين، وبتغطية إعلامية رسمية؛ حتى يعلم الشعب أن هذا القرار هو قرار الضرورة الذي أجمعت عليه القوى السياسية المشاركة في إدارة الدولة في الفترة الانتقالية بدءاً من الرئاسة وانتهاء بأحزاب حكومة الوفاق! لكي يقطعوا الطريق على أي مزايدة ونذالة سياسية تريد تسويق القرار بأنه قرار باسندوة والحكومة (مخصوم منها كل الوزراء ما عدا وزراء الإصلاح!) وهو ترتيب كان سيكون مفيداً وحكيماً ويوفر القيل والقال، ويشبه بالضبط ما يحدث الآن من اجتماعات متواصلة للقاء الوطني لقيادات الدولة والأحزاب بقيادة الرئيس للبحث في كيفية مواجهة التهديدات الحوثية في إثارة الفوضى في العاصمة، ومحاصرتها باعتصامات مسلحة تحت مبرر إلغاء الجرعة!
****
على ذكر حكومة الكفاءات؛ أو التكنوقراط إن شئنا الدقة؛ فمن المهم أن نفهم أنها ليست عصا سحرية لحل المشاكل.. وللعلم فحكومات التكنوقراط لا تبالي عادة بالمطالب الشعبية مثل استمرار سياسات الدعم، فهي حكومة وزراؤها يعملون وفق حسابات مادية تحسب كل شيء بالمسطرة والربح والخسارة المادية؛ على العكس من الوزرات الحزبية التي قد تتردد كثيراً خوفاً على شعبيتها.. كما هو ملحوظ من مواقف كل الأطراف اليمنية التي وافقت على الجرعة وأصدرتها لكها نأت بنفسها عن الدفاع عنها.. وكل ما في الأمر أن المطالبة بحكومة الكفاءات له أجندة أخرى مشبوهة (مثلاً الحوثة الذين لا يعترفون بالمبادرة الخليجية ولا بالدولة أصلاً.. وجماعة المخلوع التي لها 17 وزيراً.. كل واحد منهم ينطح الآخر، ومع ذلك فهم أعلى الأصوات المنددة بالحكومة وبفشلها وفسادها!).
نكرر: لا يوجد شيء اسمه حكومة كفاءات ومستقلة كمان.. وكل الحكومات الحزبية – بما فيها حكومة الوفاق- تضم كفاءات مهنية وإدارية، وذلك لا يعصمها بالضرورة من الفشل أو الفساد (معقول حكومة فيها 17 وزيراً مؤتمرياً ويريدونها خالية من الفشل والفساد؟).. وخذوا أي حكومة حزبية ناجحة عالمياً من تركيا إلى سويسرا إلى السويد فستجدون فيها كفاءات من كل نوع وهي في الوقت نفسه.. عناصر حزبية غير مستقلة! وخذوا حكومة الكفاءات المستقلة الفلسطينية فستجدونها مثالاً للفشل والضعف.. والمهلنيش!
****
كالخمر الذي فيه فوائد ومضار.. فمعارضة الحوثة للجرعة كان لها فوائد.. ففي كل الأحوال فقد كسبت الدولة من وراء موقف الحوثة كثيراً، وجاءها الفرج من حيث لا تحتسب! فكراهية الجمهور للحوثيين وممارساتهم الدموية والمذهبية الفجة هي التي جعلت الملايين يخرجون إلى الساحات ويشاركون في الاعتصامات والمسيرات المنددة بالحوثة؛ بعد أن استفزت فيهم روح المقاومة والرفض لإعادة انتاج الماضي الإمامي الذي يلوح لهم بوضوح في صورة الحوثي المتأله المتعد بنسبه، ومقاتليه الهمج: صورة وممارسات، وأطروحاته المذهبية ذات التاريخ الطويل في استعباد اليمنيين وتكفيرهم ومعاملتهم كمواطنين لا فرق بينهم وبين اليهود إلا درجة واحدة إن كانوا من أتباع المذهب.. أما إن كانوا من أتباع مذاهب أخرى فهم كفار تأويل وإخوان النصارى .. ولاحظوا فقط كيف وصف حسين الحوثي نظام حلفائه – أو المتعاطفين معه المتفهمين لمواقفه- في الحزب الاشتراكي بأنه ملحد.. ملحد وإنتاج يهودي!
لا شك أن تلك الملايين التي شاركت في مسيرات وصلوات الجمعة الفائتة؛ تحت راية الاصطفاف الشعبي الوطني؛ قد أزعجت كثيراً الحوثة الذين قامر زعيمهم على مقولة إنه هو الشعب والمفوض منه، والمتكلم باسمه، وراح إعلامهم يخلط الأوراق متهماً معارضيهم بأنهم مؤيدون للجرعة.. وحتى لو كان ذلك صحيحاً (وهو صحيح بالنسبة لآخرين فالجرعة ليست كفراً ولا رفضها قرآناً) فهو من حقهم.. لكن المهم أن أي إنسان يحترم نفسه وعقول الناس لا يمكن بعد ذلك أن يتصرف وكأنه صاحب تفويض شعبي يسمح له أن يمارس سياسة حافة الهاوية (كما فعل "العليان" الدبوران في أزمة الانفصال وأحداث الثورة الشعبية)، ويدفع البلاد إلى أتون حرب أهلية تحت وهم أنه يمثل الشعب في مطلب رفض الجرعة.. متجاهلاً أن الحياة ليست فقط مشتقات نفطية أقل سعراً.. ولا في سلطة قوية، خالية من الفساد إن كانت الحياة ستكون خالية من الكرامة والحرية في ظل الحوثة! والتاريخ يحتفظ لنا بعدد غير قليل من نماذج الأنظمة التي رفضتها شعوبها ورمت بها في زبالة التاريخ؛ لأنها كانت أنظمة متجبرة استعبدت الناس، وأذلتهم، وأرهقت كرامتهم، وقمعت إنسانيتهم؛ رغم أنها كانت توفر لهم أسعاراً رخيصة، وأمناً رهيباً (!) ونسبة فساد متدنية!



شارك برأيك