قطعاً من حق أي يمني أن يتبنى مفاهيم مثل الدولة المدنية، والمواطنة المتساوية، ورفض احتكار الدولة وإقصاء شرائح يمنية كاملة، وتسخير السلطة لمصالحها الخاصة.. لا شك في مشروعية هذا الحق، وهو عين ما طالب به حفيد الإمام يحيى حميد الدين مؤسس المملكة اليمنية المتوكلية.. لكن يبقى عل كل إنسان أن يثبت مصداقيته في تبني هذه المبادىء بتجسيدها في حياته.. ومن باب أولى أن يبرأ جهاراً صراحة – في حالة حفيد الإمام يحيى- من دولة أجداده التي تمثلت فيها كل الممارسات القبيحة التي ندد بها الحفيد في تصريحاته حال وصلوه إلى صنعاء!
ومثل هذا المطلب ليس من باب التعجيز ولا المكايدة، ولا هو رد على الفعل الثوري الساخن الذي ظهر به الرجل وهو يندد بمساوىء الذين احتكروا الدولة، وأقصوا شرائح يمنية كاملة، وسخروا السلطة لمصالحهم الخاصة! لكن عندما يصدر مثل هذا الكلام الثوري العنيف من ابن الأسرة (بصرف النظر عن الأئمة السابقين الأولين) التي حكمت اليمن من بعد الحرب العالمية الثانية حتى 26 سبتمبر 1962؛ فالواجب عليه أن يطمئنا أن قناعاته الثورية هذه تمتد بأثر رجعي لتشمل عهد دولة جده الأكبر يحيى حميد الدين وأبنائه الذين شاركوه في حكم اليمن!
سنكون مسرورين لو أسمعنا محمد حفيد الحسن بن يحيى تنديداته وتشنيعاته – كما فعل مع ناهبي الجمهورية والثورة- باحتكار الدولة أيام جده ووالد جده على سلالة واحدة من آلاف السلالات والأسر في اليمن.. وعلى رموز طائفة مذهبية واحدة من عدة طوائف مذهبية يمنية كانت تعيش في ظل تلك الدولة وتم إقصاؤها بالكامل في أوضح صورة للمواطنة غير المتساوية!
المهم نريد أن نعرف: هل ذلك النهج المؤصل في دولة الإمام يحيى وخلفائه مدان ومرفوض أيضاً أم أنه مرفوع عنه القلم ومحجوبة عنه التصريحات الثورية؟ ولو من باب أننا ما زلنا نعيش آثاره حتى الآن بشكل أو بآخر ويهمنا ألا يتكرر ذلك.. ولا سيما أن بعض الناس ما يزالون يعايرون اليمنيين بذلك العهد حتى الآن، وبعضهم يترحمون عليه ولو كان ملايين من بني وطنه؛ بمن فيهم المواطنون من أتباع المذهب الحاكم؛ كانوا يعيشون بوفاء نادر لعهد ما قبل التاريخ (قلنا مرة إنه لا يجوز تشبيه عهد الأئمة بعهد عاد وثمود ففي عهد هؤلاء عرف الناس حضارة وتقدماً مادياً عظيماً نوه به القرآن!).. وأخيراً حتى نطمئن أنه لا عودة لنهج تلك الدولة.. ولا عودة لاحتكار الدولة ولا لإقصاء ليس شرائح كاملة فقط بل أغلبية الشعب اليمني!
****
سيكون من المؤلم أن ينكر البعض أن دولة الإمام يحيى حميد الدين وأبنائه (ومن باب أولى الذين سبقوهم) لم تكن دولة احتكار السلطة لأسرة واحدة من ضمن سلالة واحدة فقط.. حتى أنهم لم يطيقوا أقرانهم الآخرين من سلالتهم نفسها.. أما عن اليمنيين من خارج السلالة فالحديث عن إقصائهم عن السلطة إلا من احتاجوهم يشيب الولدان.
أما عن إقصاء اليمنيين من خارج المذهب فأكثر هولاً وتعبيراً عن الاحتقار والنظرة الدونية التي كانت دولة الإمام تنظر بها لهم.. فقد تم إقصاؤهم من تولي مناصب الإدارة على مستوى الناحية وليس فقط في مناصب الدولة العليا.. وحتى في وظائف الجباية لم يكن يتولاها إلا أتباع نوعية مذهبية معينة. أما وظائف القضاء فقد كانت شبه محرمة على من كانوا يوصفون بأنهم كفار تأويل من المجبرة والمشبهة أي أهل السنة.. فحتى المعتدلين من الهادوية الذين رفضوا تكفيرهم لم يجيزوا لهم تولي مهام القضاء! والذين تولوا القضاء من أهالي تعز وإب وذمار (على محدوديتهم) التزموا العمل بالمذهب الحاكم!
وفي جيش الإمام لم يكن يوجد ضابط واحد من المناطق المقصية المحرومة من المواطنة المتساوية؛ حتى أن تنظيم الضباط الأحرار الذي قاد ثورة سبتمبر خلا من أي واحد منهم! وباستثناء ضابط واحد من ريمة تقدم للالتحاق بالكلية الحربية لكن طلبه رفض من ضمن 400 متقدم بأوامر من الإمام.. لكن الطالب الريمي (هو اللواء يحيى مصلح مهدي) الذي سيعرف بمشاغباته لم ييأس وكتب رسالة قوية لولي العهد البدر (كان الإمام أحمد لحسن الحظ خارج البلاد للاستشفاء) حاججه فيها بالكلام الكثير عن الوحدة الوطنية وأنه لا فرق بين زيدي وشافعي وعدناني وقحطاني.. واعترضه أثناء عودته من النزهة اليومية وسلمه الرسالة فاستجاب للطلب، وأمر بإلحاقه ولو زيادة عن المقرر!
تنديد حفيد الإمام بتسخير القوى الفاسدة للسلطة للمصالح الخاصة؛ هو تنديد مقدر بأي مقياس؛ لكنه أيضاً بحاجة لتطميننا أنه يشمل أيضاً تسخير السلطة واليمن ظاهراً وباطناً.. شعباً وأرضاً للقوى الفاسدة في زمن دولة الإمام يحيى، وخاصة مناطق الخير الوفير في إب وتعز وريمة ووصاب وأمثالها التي كانت تسمى "البقرة الحلوب" التي حلبها كل موظفي الإمام ونوابه وعمالهم وجباتهم حتى أفقروها ودفعوا الناس للهروب والاغتراب خارج البلاد!
****
بقي تعليق ضروري عن إشارة الحفيد – أو شكواه غير المباشرة- إلى ممتلكات أسرته المنهوبة والمصادرة من قوى النفوذ الفاسد.. فهذه يا أخانا في بلوى النهب والمصادرة هي علة اليمن خلال مئات السنين من حكامها.. ولعل حكايات الحياة الباذخة للقوى الحاكمة ولا نقول الفاسدة في زمن الإمام تلقي ببطانيات ثقيلة من الشك حول مشروعية ما تملكه الأئمة وأبناؤهم منذ ظهور الدولة القاسمية في الوقت الذي كان عامة اليمنيين يعيشون عيشة أقل ما توصف بأنها لا تليق بآدمية الإنسان.. ولا ترقى وفق المعايير الراهنة إلى المستوى الذي تعيشه.. الحيوانات في أوروبا وأمريكا؛ ليس فقط في حقوق المشاركة السياسية والمزاحمة في إدارة الدولة ولكن في أساسيات الحياة وحقوق الإنسان في التعليم، والعلاج، وألا يموت جوعاً في الشوارع ومخازن بيت مال المسلمين مليئة بحبوب الصدقة والزكاة! وألا يضطر اليمني إلى أن يستصدر حكماً شرعياً لتصرف له الدولة حبة دواء!
ولأننا في زمن ثورة 21 سبتمبر التي أشاد بها الحفيد؛ فمن الأسلم أن يكون لدى أسرته ما يثبت أن أملاكها المصادرة والمنهوبة جاءت من طريق حلال وفق الأسس الشرعية المعروفة ووفقاً للحق وللقانون، وليست حصيلة بسط اليد على الأملاك العامة كالقصور والمدارس والمؤسسات العامة التي خلفها الأتراك على سبيل المثال.. أو كانت حصيلة تسخير الدولة لمصالح الأسرة بحكم أنهم اعتبروا أنفسهم ملاكاً لكل شيء.. ولعلم الحفيد فإنه لو قرأ تاريخ أئمة أسرته من لدُن أول إمام في الدولة القاسمية فسوف يكتشف كيف كانوا يستولون على أموال الدولة وإيراداتها لهم ولأبنائهم، ويوزعونها عليهم لشراء سكوتهم ومبايعتهم لهذا الإمام أو ذاك.. وحتى كانت إيرادات مناطق شاسعة في البلاد تمنح لفلان من الأسرة سواء بحكم أنه والٍ عليها أو لكسب تأييده أو لكف شره، وعلى سنة "اخلط يا فقيه.. كله حقنا" في الوقت الذي كانوا يجردون حملات عسكرية باطشة إن امتنعت قبيلة أو جهة عن دفع الزكاة أو الواجبات المقررة عليها!
واستجابة لكلام الحفيد لكل وطني مسلم للمشاركة في إصلاح ذات البين، وتجاوز أحقاد وسلبيات الماضي؛ فلعله مفيداً أن ننصحه أن ينصح أسرته ألا تقلب أوجاع الماضي مع ملايين اليمنيين.. ولتكن أملاكهم المصادرة والمنهوبة جزءاً من زكاة عهودهم الظالمة القاسية، ومقابلاً لكل ما تسببوا به من آلام ومآسٍ ونكبات وكوارث للشعب اليمني، وعلى أن يتم التعامل معهم كقوى النفوذ المطلوب اليوم (كما نسمع) محاسبتها عن كل ما تمتلكه.. ولا يستثنى من ذلك إلا ما كانت مع الأفراد بغير حق فلا بأس من ملاحقتها حتى تعود إلى ملكية الدولة أيضاً.. أما ما كانت قد آلت إلى الدولة ومؤسساتها فعسى أن تكون صدقة في حال مشروعيتها تطهرهم وتزكيهم، وتحفف عنهم يوم الحساب يوم يسأل الحكام عن رعيتهم وكيف كانت سيرتهم معهم، وهل مهدوا لهم الطريق كمثل بغلة عمر.. أم جعلوهم هم والبغلة يعيشون تحت مظلة المواطنة المتساوية!



شارك برأيك