وحدة الوطن والشعب شرط لمواجهة المشاريع المتخلفة!

القوى السياسية المهيمنة والزعامات المحنطة والمجنونة التي صارت تتحكم في الساحة اليمنية تكاد تتساوى في السوء، والفشل، والتاريخ الأسود؛ لا فرق بين من هم في السلطة أو على مقربة منها أو كانوا فيها وخرجوا منها على مدى العقود الماضية.. وبإيجاز فالشعب في مأزق حقيقي، وفي حالة ما يعلم بها إلا الله من الحيرة والتشويش والرعب من الحاضر والمستقبل، وما يلوح في الآفاق من مشاريع كالانفصال وهيمنة الحوثيين وتوسع القاعدة وكلها تعني الزج باليمن في مرحلة خطيرة من الحروب الأهلية!

        ومع سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء، ثم تمددهم في محافظات أخرى؛ كان لذلك الفعل انعكاس سريع في جنوب الوطن؛ إذ عدّه البعض حتى من الرافضين أصلا للانفصال أنه سبب كاف لتغيير موقفه والموافقة على حق تقرير المصير، وبدا ذلك واضحا في مؤثرات الشحن الإعلامي والسياسي الهائل الذي لا أستبعد أن هناك في صنعاء من دعمه وأسهم في تأجيجه؛ للاستفادة منه في تقوية موقفه في حلبة الملابجة السياسية حول تشكيل الحكومة، أو في محاولة موازنة المعادلة الجديدة بعد أن صار الحوثيون هم السلطة الحقيقية التي تأمر وتنهى، وتصدر القرارات في كل جوانب الحياة اليومية لليمنيين.. وولي الأمر أو الخليفة العباسي متفرغ لإصدار برقيات التعازي والتهاني على أكمل وجه! وبدليل أن اعتصام عدن تحت الكنترول، ومسموح له بالصراخ فقط، وأي محاولة للخروج عن السيناريو وتقليد الحوثيين تواجه بالقبضة الأمنية الغليظة!

      السؤال الآن: ما الذي يحدد صوابية استمرار مشروع  وطني نبيل وإنساني كالوحدة اليمنية (أو وحدة أي وطن): صوابية الفكرة من الجوانب: الوطنية والتاريخية والدينية والإنسانية والمصلحية.. أم سوء السلطة الحاكمة وفسادها واستبدادها أو صلاحها ونزاهتها وديمقراطيتها أو طائفيتها؟

  وبصيغة أخرى: هل سوء النظام الحاكم والسلطة المتحكمة، وعدم التزامها بالأسس الديمقراطية والدستورية، ومحددات الشراكة الوطنية والسياسية، ووصولا إلى مخرجات مؤتمر الحوار الوطني واتفاقية السلم والشراكة؛ تبيح لأي كان أن يغير قناعاته (ولا نقول ينقلب عليها) في قضايا وطنية ثابتة مثل الوحدة ليتبنى موقفا مغايرا مضادا لها؟

       من البدهي أن اعتماد المعيار المذكور يعني: فوضى شاملة، وغابة يتناحر فيها اليمنيون في كل يوم، وطالما أن اليمنيين لم يعرفوا حتى الآن رائحة الحكم الصالح الديمقراطي القائم على الحرية والعدل والمساواة، ولا يبدو في الأفق من خلال المعطيات الموجودة أن هناك إمكانية قريبة لقيام الحكم الصالح الذي يحلم به اليمنيون لا في الجنوب ولا في الشمال.. والمشاريع ذات القوة في الساحة (الحوثيون- الانفصال- القاعدة- سلطة الرئيس هادي- عودة نظام علي صالح) هي مشاريع خراب، وفوضى، وفشل وعجز، واستبداد مؤكد مقنع بشعارات الحرية والدولة المدنية والاستقلال والحرية.. طالما أن الأمر كذلك فإنه بإمكان أي حزب أو جماعة أن تختلق مبررات سهلة للدعوة إلى الانفصال في أي وقت ولو كان من قبيل الاحتجاج على ارتفاع أسعار الأسماك بسبب تصديرها إلى صنعاء وكأنهم يوزعونها مجانا ولا يبيعونها ويكسبون منها! وكلك فلو اعتمد هذا المعيار لما بقيت بلاد في منطقتنا العربية على الأقل موحدة، ولا عرفت الاستقرار إلا على الطريقة العراقية التي لم تبرأ من أزماتها القاتلة بعد إسقاط نظام البعث!

 

*****

       كما رفض كثيرون في الماضي القريب دعوة الانفصال وتفتيت البلاد، وتمزيق الأواصر الإنسانية لشعب عربي مسلم ذي هوية يمنية واحدة منذ آلاف السنين؛ بحجة فساد نظام علي صالح وفقدانه لشروط الحكم الرشيد، أو انقلابه المزعوم على الشراكة الجنوبية الشمالية.. فكذلك من الطبيعي أن يرفضوا دعوة الانفصال بمبرر أن الحوثيين سيطروا على صنعاء، وانقلبوا على مخرجات مؤتمر الحوار واتفاق السلم والشراكة، وسيجعلونها طائفية إمامية/ ملكية من جديد على نهج الحق الإلهي المزعوم!

     المسألة بالنسبة لنا سهلة الفهم للأسباب التالية: فأولا: وحدة الوطن والشعب في اليمن ليست ميراثا خاصا بالحوثيين، ولا الاشتراكيين، ولا علي صالح، ولا أي حزب من الأحزاب أو جماعة من الجماعات حتى تصير أي عداوة وخصومة واحد منها.. أو الاختلاف معه على اقتسام السلطة والثروة؛ مبررا للدعوة للانفصال وفك الوحدة! لأن معنى تكريس مشروعية ذلك أننا سوف نشهد كل عدة سنوات مشاريع انفصال جديدة وأصغر كلما اختلفت القوى السياسية، وتصارع المتحكمون على غنيمة السلطة والثروة.. وفي اليمن كما قلنا: اسهل شيء هو رفع راية انفصالية هنا أو هناك، والمبررات والحيثيات مرمية في.. الشارع ومقايل القات!

         وثانيا: فوحدة الوطن والشعب ليست خيارا سياسيا مشروعا كما روج لها حتى بعض الطيبين؛ وإلا سيصير كل مبدأ مما وصفت بأنها ثوابث ؛كالديمقراطية، والنظام الجمهوري، وحقوق الإنسان، والحريات الأساسية للإنسان؛ ستصير أيضا خيارا سياسيا يجوز الكفر به والانقلاب عليه لنفس الأسباب.. وبالقانون والاحتكام إلى الشعب وقراره.. فلا أحد يدري ما الذي سيكون عليه المزاج العام للشعب في المستقبل تجاه الديمقراطية والتعددية السياسية على سبيل المثال؟ أو ما هي نوعية الأغلبية الشعبية التي قد توافق في استفتاء حر على إلغاء مبادىء الحكم الرشيد الدستوري الحر، وتنقلب إلى ديكتاتورية مغلفة بشعارات جذابة وطنية قومية (مثلما فعل هتلر) أو اشتراكية أممية (كما فعل الشيوعيون في المنظومة الاشتراكية الذين كانوا يحرصون على صفتي الديمقراطية والشعبية في أسماء جمهورياتهم!) أو إسلامية (كما هو معروف عند بعض الجماعات الإسلامية التي ترفض الديمقراطية بوصفها كفرا ورجسا من عمل الشيطان!).

 

     (من نافلة القول إنه لا يمكن الركون على الشرعية الدولية؛ فهذه أول من سيبارك أو يدعمم عن كل ما سيحدث من الانقلابات بوصفها خيارات سياسية إن اتفق ذلك مع مصالحها، وتذكروا مواقفهم اللئيمة في فلسطين, وتذكروا كيف كان تحالفهم لإسقاط نظام صدام حسين الديكتاتوري يضم دولا هي من أعتى الدول الديكتاتورية، ولا ننسى أن إسرائيل المدججة بالرؤوس النووية هي الأعلى صوتا ضد المشروع النووي الإيراني! وسكوتهم عن الانقلاب العسكري على المسار الديمقراطي في مصر).

 

****

          وأما ثالثا: فلأن دعوة الانفصال وتمزيق لحمة الشعب اليمني الواحد الموحد تحمل في حيثياتها وملابساتها ونتائجها قدرا من المنكرات والسلبيات هي أكبر بكثير مما يوجد في مشاريع التمزق والطائفية والحكم الفردي التي تلوح بيارقها في الأفق؛ بل إن الانفصال بنتائجه الكارثية سوف يكون المنكر الأكبر والمفسدة الكبرى.. ولن يكون أبدا الجواب الصحيح على الانقلاب على مخرجات الحوار الوطني واتفاق السلم والشراكة كما يظن البعض! وها هي سوريا كان انفصالها عن مصر شرا كبيرا لم ولن تعرف بعده إلا سلطات أسوأ من كل سلطة حكمت مصر!

          لا مبرر وطنيا وشرعيا للجنوح إلى الانفصال احتجاجا على انقلاب الحوثيين؛ ومن قبلهم سوء نظام علي صالح؛ ولا في مواجهة أي سلطة مستبدة انقلبت على الثوابت الوطنية والإسلامية والحقوق والحريات.. وعلى العكس من ذلك فإن الانفصال وتفكيك اليمن يصب في مصلحة المشاريع المشبوهة ويقويها؛ لأنه يفتت قوة الشعب ويشطرها ويمزق القوة الروحية والنفسية التي يوفرها الالتحام الشعبي من المهرة وحضرموت حتى الحديدة وصعدة وحجة! فبهذا التوحد الشعبي يمكن فقط مواجهة الانحرافات والاختلالات أيا تكن تماما كما حدث في نضال اليمنيين ضد الاستعمار والإمامة الظالمة، فقد كان كل شطر من اليمن جبهة خلفية للشطر الآخر في نضاله ضد أعدائه.. وكانت روح اليمن الواحد تمد شعلة النضال والتضحيات بوقود عظيم. وقد رأينا كيف توحدت غالبية اليمنيين في إطار الثورة الشعبية السلمية من أقصى الشرق حتى أقصى الغرب، ومنحها ذلك حضورا وطنيا تلاشىت فيه أصوات الانفصال والتفكك لصالح مشروع الوحدة والدولة اليمنية الحرة العادلة!

       ولأن البعض وخاصة في الجنوب قد يتعامل مع تطورات الأحداث المؤسفة على قاعدة "فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم"؛ فعليه ألا ينسى في الزحمة شرط "غير متجانف لإثم" أي غير مائل إلى هذا الحل الاضطراري بما يتجاوز قدر الحاجة.. ولذلك فإن ظن المضطرون للمخمصة أنهم محقون فليجعلوا مخمصتهم على قدر الحاجة أي مترافقة مع التمسك بالوحدة ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وليكونوا هم الدولة اليمنية الواحدة على الأجزاء التي تستجيب لهم، وليعزلوا كل متمرد عليها خارج عن الأمة ووحدتها ونظامها الذي ارتضته في مؤتمر الحوار، ومعهم في ذلك الشرعية المعترف بها إقليميا ودوليا.. والأكثر أهمية: الشرعية التاريخية والوطنية والإسلامية والقومية.. فبكل ذلك يمكن استدراك ما فات، وتصحيح الأخطاء، والحفاظ على اليمن موحدا في إطار دولة حرة عادلة.

لمن كان له قلب:

     "فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطّعوا أرحامكم".. أي لعلكم إن عدتم إلى ما كنتم عليه في الجاهلية وما كنتم عليه من الباطل أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي وسفك الدماء، وقطع الأرحام!

       اللهم هل بلغت.. اللهم فاشهد!



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك