كان العراقيون مثلنا يقولون إن العراق لن يكون طائفيا أبدا .
بدأت الحرب الطائفية في العراق من بواية الجيش ، تفكيك الجيش العراقي بتهمة البعثية وتشكيل جيش على خلفية غير وطنية على أنقاضه .
انتشر الجيش الجديد في المدن ، ولأنه كان جيشا طائفيا كان المواطنون ينظرون إليهم بوصفهم محتلين يبعثون الخوف أكثر من توفيرهم الحماية .
في المجتمع نشأت حركات عنيفة تعتمد أسلوب التفجيرات ، تفجيرات في تجمعات سنية وأخرى مقابلة في تجمعات شيعية .
كانت المذابح السنية لاتحظى بتعاطف الدولة ولا حتى تعاطف فصائل السنة ، في الوقت ذاته يراهن الجميع على أن العراق لن يكون طائفيا .
في المقابل كانت المذابح الشيعية لاتحظى بالتعاطف من فصائل السنة ، فالسنة فئة مظلومة وهؤلاء غاضبون يعبرون عن غضبهم ، ثم لماذا نتعاطف مع من لايتعاطف معنا .
بدأ المجتمع يتصدع رأسيا من خلال دولة أصبحت تعبر عن طرف أكثر منها دولة وطنية ، وأفقيا بانحيازات اجبارية بين السنة والشيعة .
جاءت داعش كمحصلة لتلك الاحتقانات ، ولأنه لم يتشكل داخل المجتمع فصائل وطنية تحمل هموم العراقيين بكل أطيافهم كانت داعش هي البديل الذي لم يكن منه بدا .
قاوم الجيش الطائفي ببسالة في العاصمة بغداد والمناطق التي كانت تشكل حاضنة مذهبية له ، في حين فاجأت استسلامات الجيش العراقي العالم في الموصل وغيرها من المناطق ذات العمق السني ، لم يكن جيشا وطنيا ، وإلا كيف يفرط بحماية مدينة فيما يستبسل في مدينة أخرى ؟
في اليمن تجري الأمور بذات المسارات تقريبا.
حتى وإن كانت الإحصاءات الرسمية تشي بتركيبة مناطقية غير متوازنة ، فإننا لايمكن أن نقول بأن الجيش قد أصبح طائفيا ، لكن مايحصل حاليا في الكليات العسكرية من تركيز لفئة معينة ودمج اللجان الشعبية - التي لايمكن القول بأنها تعبير وطني - في المجالات الأمنية دون خطة وطنية واضحة وإزاحة الضباط أو تعيينهم بناء على معايير ليست وطنية كفيلة بأن تجهز على ماتبقى من جيش .
بدأ تدمير الجيش في اليمن مبكرا ، من خلال تقسيم الجيش إلى جيش قريب يحظى بالرعاية والاهتمام والحظوة ، وجيش بعيد يجب أن يتهالك وينتهي ، سواء من خلال إيقاف التسليح أو من خلال الحروب التي بدت كما لو أنها تدار بمزاجية عابثة لاتكترث لقيمة الجندي ، فهم مجرد أرقام في كشوفات يمكن أستبدالها بإعلان على ظهر الصحيفة يطلب التجنيد ، حروب تشتعل وتنطفئ ، تشتعل دون هدف معلوم وتنطفئ دون سبب مفهوم .
جاءت ثورة 2011م ، ولم تكن هذه الثورة سببا في انقسام الجيش ، بل شكلت الثورة فرصة مناسبة لذلك الجيش المبعد ليهرب من المحرقة .
لم يكن على محسن الأحمر هو صاحب القرار في مسألة التأييد السلمي كما أسماه ، كان الأفراد سيتسربون منه إلى الساحات لو لم يفعل .
حالات الاندفاع الشديد في حراسة الساحات وتفاني الجنود في تمجيد الثورة واندماجهم الملحوظ والسريع مع شباب الثورة كان يعكس حقيقة أن الجيش كان قد انقسم أصلا .
مامن شك في أن خطاب الثورة كان عاملا مساعدا إضافيا كرس حالة التشظي في الجيش وخلق نوعا من الخصومة أحيانا والثأر أحيانا أخرى .
فيما يبدو أن فكرة الهيكلة قد فشلت ، ربما كنتيجة لمشاكل عميقة في تركيبة الجيش أصلا ، أو لرغبات سياسية محلية وإقليمية تهدف لإعادة ترتيب الجيش اليمني أو ربما لتصفيته .
ساعد في الفشل طريقة تعامل الجيش نفسه مع بعضه ومع المجتمع ، فبينما كانت فرق عسكرية تخوض صراعا مسلحا وعسكريا مع الحوثي كان الجيش يلتزم الحياد .
لم يعرف العالم جيشا وطنيا يلتزم الحياد في صراع عسكري مسلح ، ذلك اختراع يمني خاص ، فمهمة الجيش هي احتكار إطلاق النار .
فشل الجيش أخيرا حتى في حماية نفسه .
احتل الحوثيون المدن ، ونهبوا المعدات ، وصادروا فكرة الدولة وامتهنوا البدلة العسكرية دون أن يحركالجيش ساكنا ، فيما يزأر هذا الجيش على المتظاهرين السلميين في عدن !!
تعامل المعسكر في أرحب مع القبيلة بمنطق الثأر ، يمكن أن نفهم أن قبيلة تهاجم معسكرا ، فهي قبيلة غير مدربة على الولاء الوطني ، يمكن للجيش الوطني أن يتعامل معها كضحية وليس كخصم ، لكن منطق الثأر يحيل المجتمع إلى خصم ، وبالتالي يفقد الجيش معناه الوجودي .
تداعيات الكتيبة العسكرية التي تعرضت للهجوم من قبائل في مأرب تكشف كم أن الجيش في ورطة ، على الأقل في تصور المجتمع للجيش ، فأغلب الناس تنصح القبائل بعدم تسليم الأليات ، ذلك يعني أن الكثير من الناس يثقون بالقبائل أكثر من ثقتهم بالجيش .
التعيينات العسكرية تأتي لتعمق هذه الشرخ ليس فقط بين المجتمع والجيش ، بل بين المجتمع والدولة ، وإذا مااستمرت هذه الانتهاكات فإنها ستسقط فكرة الدولة والجيش من الوعي الاجتماعي ، على الأقل في جزء كبير من الوطن .
منذ أشهر متعددة يصرخ أبناء مأرب بصوت عال ومسموع يطالبون الدولة بأن تحضر ، قالوا إنهم محاصرون من قبل ميليشيات الحوثي ، قالو إن مصالحهم تضررت ، وبدلا من أن تتحرك الدولة بمسئولية لفرض نفوذها في منطقة هامة تستطيع أن تجعل اليمن كله في كارثة ، ظلت تبعث الوفود للتفاوض المهزوم .
سيظل المجتمع كذلك يصرخ وينادي للدولة أن تحضر وتتحمل المسئولية ، وحين لا يجد مجيبا جادا فإنه سيفكر جديا في أن يحمي نفسه حتى عن طريق نهب الجيش الذي صار بلا مهمة .
لاخوف على المجتمع من الاختلافات في ظل جيش وطني يقف على مسافة واحدة من كل المواطنين ، لهذا فإن أي صراع طائفي يجب أن يسبقه انهيار للجيش .
ذلك مايجري الآن في اليمن إذا لم يتداركه المتداركون !!




شارك برأيك